جغرافيا متحركة:

دلالات توجُّه "داعش" نحو مناطق النفوذ غير التقليدية في نيجيريا
جغرافيا متحركة:
21 يونيو، 2022

يسعى فرع تنظيم “داعش” المسمى “ولاية غرب أفريقيا” إلى تطوير نشاطه وعملياته خلال العام الجاري بشكل ملحوظ، على وقع التصعيد العملياتي في مناطق نفوذه التقليدية شمال شرق نيجيريا، وعلى الحدود مع النيجر وتشاد والكاميرون؛ هذا على الرغم من العمليات المشتركة التي تقودها نيجيريا في نطاق بحيرة تشاد لتحجيم نفوذ التنظيم هناك. ولكن الملاحظة الأبرز في النشاط العملياتي لفرع “داعش”، وتحديداً على مستوى النطاق الجغرافي للعمليات داخل نيجيريا، امتداد هذا النشاط إلى خارج مناطق النفوذ التقليدية في ولايتي “برنو” و”يوبي”، منذ مطلع العام الجاري، وتصاعد النشاط العملياتي خارج الولايتين بدايةً من شهر أبريل الماضي، بما يستدعى الوقوف على أبعاد هذا التصاعد في النشاط العملياتي خارج مناطق نفوذه التقليدية.

طبيعة التهديد

يمكن الوقوف على طبيعة التهديدات المرتبطة بالنشاط العملياتي لـ”ولاية غرب أفريقيا”، من خلال تحليل اتجاهات النشاط خارج مناطق نفوذه التقليدية، وطبيعة العمليات، من خلال بيانات “وكالة أعماق” الموالية لتنظيم “داعش”؛ وذلك كالآتي:

1– التركيز على مناطق الحزام الأوسط: ظل فرع “داعش” المسمى “ولاية غرب أفريقيا” طوال العام الماضي على وجه التحديد،متمسكاً باستراتيجية محددة على مستوى النطاق الجغرافي للنشاط العملياتي، عبر تدعيم وجوده في مناطق نفوذه التقليدية التي كانت مناطق نفوذ جماعة “بوكو حرام”،التي بايعت تنظيم “داعش” وتحوَّلت إلى “ولاية غرب أفريقيا”؛ وذلك قبل خلافات داخلية أدت إلى انشقاق قائد الجماعة أبو بكر شيكاو ومقتله في مواجهات بين الطرفَين منتصف العام الماضي. وكان لهذه الخلافات أثر كبير في ضرورة تركيز هذا الفرع على تثبيت أوضاعه وإزاحة بقايا جماعة “بوكو حرام”، في إطار من تنازع النفوذ والسيطرة، إلا أنه من بداية العام الجاري، وفي إطار مرحلة جديدة لتنظيم “داعش” في أفريقيا، فإن فرع “ولاية غرب أفريقيا” بدأ يعزز نفوذه، ويمد نشاطه العملياتي خارج النطاق الجغرافي لمناطق نفوذه التقليدية في ولايتي “برنو” و”يوبي”.

وتجدر الإشارة إلى أن الولاية الأولى شهدت أعلى معدل عمليات لهذا الفرع، سواء داخل نيجيريا، أو في إطار دول الجوار التي تشهد نشاطاً بدرجة أقل من نيجيريا. واتجه فرع “داعش” إلى نشاط عملياتي في ثلاث ولايات؛ هي “كوجي” و”تارابا” و”أداموا”، وفقاً لتحليل بيانات وكالة “أعماق” الموالية لـ”داعش”، وهي ولايات تأتي ضمن ما يُعرف بـ”الحزام الأوسط” في نيجيريا، الذي يفصل بين الشمال والجنوب، ويمتد عبر عدد من ولايات نيجيريا. وتُشكل تلك المنطقة غالبية من المسيحيين، كما أنها تشهد تنوعاً عرقياً كبيراً، يصل في بعض الأحيان إلى مواجهات وحالات عنف متبادلة.

2– زيادة النشاط خلال شهرَي أبريل ومايو: يتضح من تحليل بيانات “وكالة أعماق”، أن بداية التوجه إلى تنفيذ عمليات خارج ولايتي “برنو” و”يوبي”، كان منذ شهر يناير الماضي، بواقع عمليتين، قبل التراجع في فبراير بواقع عملية واحدة، فيما كان أعلى معدل لمنحنى العمليات خلال شهر أبريل الماضي بواقع 7 عمليات، قبل أن يسجل شهر مايو تراجعاً طفيفاً بواقع 6 عمليات، ولم تُسجل سوى عملية واحدة بدايةً من شهر يونيو حتى الآن، فيما لم تُسجل أي عمليات خلال شهر مارس الماضي. وبالنظر إلى حجم العمليات السابقة في الولايات الثلاث، فإن العمليات خلال شهري يناير وفبراير الماضيَين كانت في ولاية “أداموا”، فيما بدأت العمليات في ولايتي “تارابا” و”كوجي” خلال شهر أبريل الماضي، مع استمرار العمليات في “أداموا”.

3– استهداف المدنيين وقوات الجيش والشرطة: يتضح أن فرع “ولاية غرب أفريقيا” يركز في عملياته بالولايات الثلاث، على استهداف المدنيين بواقع 11 عملية من أصل 17 تم تنفيذها منذ يناير الماضي، وجاء في المرتبة الثانية استهداف قوات الجيش والشرطة بواقع ثلاث عمليات، ثم عمليات تخريبية بواقع عمليتين، واستهداف من يصفهم التنظيم بـ”الميليشيات الموالية للحكومة” بواقع عملية واحدة.

ومن خلال تحليل عمليات التنظيم في ولايتي “برنو” و”يوبي”، اعتماداً على بيانات “وكالة أعماق” ومصادر مستقلة، فإن التنظيم منذ الربع الأخير من العام الماضي، يوسع عمليات استهداف قوات الجيش على نحو أساسي، وتحديداً على مستوى استهداف المقرات العسكرية، مثل المعسكرات والثكنات والحواجز، وليس مواجهة العمليات العسكرية فقط؛ وهذا خلافاً لتوسع التنظيم في نشاطه نحو استهداف المدنيين، وفقاً لتصنيفات طائفية باعتبارهم “مسيحيين”، خاصةً أن ولايات الحزام الأوسط تشهد أغلبية مسيحية.

4– تبني أنماط مختلفة في تنفيذ العمليات: ثمة ثلاثة أنماط حصرية لعمليات “ولاية غرب أفريقيا”، في الولايات الثلاث “أداموا” و”كوجي” و”تارابا”، وهي “نمط الهجوم المباشر، ونمط التفجيرات، ونمط التخريب”. ويمكن الوقوف أمام بعض العلاقات بين هذه الأنماط وتوزيعها على الولايات الثلاث وطبيعة الأهداف؛ وذلك كالآتي: أولاً– من واقع 10 عمليات بنمط الهجوم المباشر، كان نصيب ولاية أداموا 6 عمليات بهذا النمط، فيما كان معدل العمليات في ولايتي “كوجي” و”تارابا” عمليتين لكلا منهما بالتساوي. وثانياً– من واقع 5 عمليات بنمط التفجيرات، كانت ولاية “كوجي” الأعلى بواقع 3 عمليات، تليها ولاية “تارابا” بواقع عمليتين، فيما لم تُسجل ولاية “أداموا” أي عمليات بهذا النمط. وثالثًا– من واقع عمليتين بنمط التخريب، كان معدل العمليات في ولايتي “كوجي وتارابا” عملية واحدة لكل منهما، فيما لم تُسجل ولاية “أداموا” أي عملية بهذا النمط.

وبالنظر إلى توزيع هذه الولايات على خريطة نيجيريا، يتضح أنه كلما كان النطاق الجغرافي للعمليات قريباً من مناطق النفوذ والنشاط العملياتي الرئيسي شمال شرق نيجيريا، كانت العمليات تتسم بالطابع الهجومي المباشر. وهذا يحتاج إلى عدد أكبر نسبياً من العناصر. وأغلب العمليات المصنفة تحت هذا النمط كانت هجمات على بلدات وقرى. وكانت الهجمات المباشرة تقتصر على قوات الشرطة لا على قوات الجيش، باعتبار أنها أقل من حيث التسليح والتدريب لمواجهة الهجمات المسلحة، في حين أن نمط التفجيرات أو الأعمال التخريبية، لا يعتمد على عدد العناصر؛ إذ يمكن زرع عبوة ناسفة وتفجيرها عن بُعد بواسطة فرد واحد فقط، ومن ثم كان هذا النمطان هما السائدين في ولايتي “كوجي” و”تارابا”.

5– تنفيذ هجمات منظمة عبر خلايا صغيرة: بالنظر إلى تحليل طبيعة الأهداف والنطاقات الجغرافية للنشاط في الولايات الثلاث، ونمط العمليات؛ يمكن تحديد أبعاد وجود وانتشار عناصر “ولاية غرب أفريقيا”. فمن المرجح أن التنظيم يمتلك مجموعات مسلحة في ولاية “أداموا” يمكنها التحرك وترتيب هجمات منظمة منسقة على بلدات وقرى، أو على الأقل يمتلك مجموعات تابعة له في برنو قادرة على التوجه إلى الولايات المجاورة وتنفيذ عمليات هناك. ومع ابتعاد ولايتي “كوجي” و”تارابا” عن مناطق النفوذ التقليدية في “برنو” و”يوبي”، فإن التنظيم قد يعتمد على خلايا صغيرة يتم تشكيلها وفقاً لضوابط معينة، تعتمد على التخفي وتصنيع المتفجرات وعدم رصد الأجهزة الأمنية لتلك العناصر لملاءمة البيئة المحيطة، بخلاف طبيعة العناصر المشاركة في الهجمات المباشرة في الصحراء والغابات التي تحتاج إلى تدريبات مختلفة.

دلالات رئيسية

بالنظر إلى تحليل طبيعة التهديدات التي يُصدرها تنظيم “ولاية غرب أفريقيا” خارج ولايتي “برنو” و”يوبي”، إضافة إلى الطبيعة الديموغرافية للولايات الثلاثة المشار إليها، فضلاً عن استراتيجية ورؤية تنظيم “داعش” لتوسيع نفوذه؛ يمكن الإشارة إلى عدد من الدلالات، وأبرزها ما يأتي:

1– توسيع محدود للنشاط العملياتي: يبدو أن لدى “ولاية غرب أفريقيا” رغبة في توسيع النشاط العملياتي خارج مناطق نفوذه التقليدية شمال شرق نيجيريا، وهي رؤية تتماشى مع انفصال مجموعات “داعش” في منطقة الساحل ضمن حدود النيجر ومالي وبوركينا فاسو، عن الفرع الإقليمي لـ”داعش”. ولكن بالنظر إلى عمليات التنظيم في الولايات الثلاث، يمكن تصنيفها بـ”المتوسطة” من حيث استخدام أنماط الهجمات والتفجيرات، كما أن المقارنة بين هذا النشاط في تلك الولايات، وبين عدد العمليات في برنو على وجه الخصوص، فإنها تعكس رؤية استراتيجية بالتركيز على تعزيز السيطرة على مناطق النفوذ التقليدية، وفقاً لاستراتيجية تعتمد على توسيع العمليات على الحدود بين الدول، كما هو الحال بالنسبة إلى العمليات في نطاق بحيرة تشاد التي تجمع بين نيجيريا ودول الجوار. وهنا يمكن الإشارة إلى أنه في 1 مايو 2022، أصدر فرع “داعش” صورة وكتب تعليقاً يشير إلى عناصره في وسط وجنوب نيجيريا، في إشارة إلى هذا التوسع في النشاط، بغض النظر عن محدوديته.

2– محاولات تشكيل ضغوط على الدولة: يمكن تفسير توسععناصر “ولاية غرب أفريقيا”في استهداف المدنيين مقارنةً بقوات الجيش والشرطة، في إطار محاولات مستمرة لتشكيل ضغوط داخلية على الدولة وأجهزتها المختلفة؛ إذ إن نشاط العمليات في الولايات الثلاث ينطوي على عدد الأهداف بالنسبة إلى التنظيم، وهي: أولاً– تصدير قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات خارج مناطق نفوذه بالرغم من العمليات المشتركة للدول في نطاق بحيرة تشاد بقيادة نيجيريا. وثانياً– أن استهداف المدنيين بوجه عام في البيئات التي تواجه تحديات أمنية تتعلق بخطر الإرهاب، يؤدي إلى حالة من زعزعة الثقة، التي قد تتحول إلى حالات غضب واضطرابات داخلية. وثالثاً– على الرغم من تخصيص نيجيريا قيادة عمليات لمواجهة الإرهاب في شمال شرق البلاد، فإن توسع النشاط الإرهابي في أكثر من منطقة في الدولة، يمثل تحدياً على المستوى الأمني لكشف الخلايا التي تنفذ هذه العمليات؛ وذلك لعدم انحصار النشاط الإرهابي في منطقة واحدة يمكن السيطرة عليها.

3– توظيف الأبعاد الطائفية والعرقية: يسعى تنظيم “ولاية غرب أفريقيا” إلى محاولات توظيف الطائفية في سياق استراتيجية زعزعة الاستقرار الداخلي وحالة الانفلات الأمني، باعتبارها بيئة ومناخاً خصباً يسمح بالانتشار والتمدد، ومن ثم فإن جزءاً من أبعاد اختيار تلك الولايات يرتبط بأنها تقع في نطاق “الحزام الأوسط” ذي الأغلبية المسيحية، وهذا يرتبط بهدفين رئيسيين: الأول– إثارة البعد الطائفي والعرقي في تلك الولايات التي شهدت سابقاً حوادث ومواجهات طائفية؛ فعلى سبيل المثال شهدت ولاية “تارابا” مواجهات بين إثنية الفولاني ومزارعين من إثنية كوتيب خلال شهر مايو الماضي.

كما أن لهذا الصراع العرقي القديم أبعاداً طائفية؛ إذ إن المسلمين يشكلون النسبة الكبرى في الطرف الأول، والمسيحيين يشكلون أغلب الطرف الثاني، ومن شأن التنظيم استغلال تلك الأحداث في زيادة حدة الاحتقان من خلال التوسع في استهداف المسيحيين. وقد ينتج عن ذلك استهدافاً للمسلمين كرد فعل. والثاني– بناءً على حالة المواجهات الطائفية العرقية في بعض هذه الولايات، فإنها فرصة مناسبة للتنظيم لزيادة الاستقطاب لشباب من المسلمين في تلك المناطق للانضمام إلى التنظيم، وتشكيل خلايا ومجموعات مسلحة يمكن أن تزيد النشاط الإرهابي.

4– سيطرة التنظيم على إرث “بوكو حرام”: بالنظر إلى الخلفية التاريخية للنشاط الإرهابي في بعض هذه الولايات، فإن الجماعة كانت تستهدف المسيحيين أيضاً، ومن ثم فإن نشاط العمليات لـ”ولاية غرب أفريقيا” في تلك الولايات، لا يمثل امتداداً لتلك الرؤية فقط، بل يعكس سيطرة فرع “داعش” على إرث “بوكو حرام”. وتشير بعض التقارير إلى خطاب لزعيم الجماعة السابق “أبو بكر شيكاو” المقتول في مواجهات ضد عناصر “ولاية غرب أفريقيا”، خلال عام 2018، للإشارة إلى هجمات الجماعة في أكثر من منطقة في نيجيريا، ومن ضمنها هجوم أسفر عن مقتل 50 شخصاً في ولاية “تارابا” في نهاية عام 2017. وهنا فإن عمليات فرع “داعش” تمثل رغبة في إظهار السيطرة على مراكز نفوذ “بوكو حرام” التقليدية، وربما نجح “ولاية غرب أفريقيا” في استمالة عناصر تابعة للجماعة في تلك الولايات، بعد الصدام بين الطرفين، وتراجع حدته بمقتل شيكاو العام الماضي.

5– تأثيرات مباشرة لـ”غزوة الثأر للشيخين”: على الرغم من أن عمليات “ولاية غرب أفريقيا” خارج ولايتي “برنو” و”يوبي” بدأت في شهر يناير الماضي، لكنها كانت في حدود ولاية “أداموا” المجاورة لولاية “برنو” شرق البلاد، إلا أن التوسع في تنفيذ عمليات في الولايات الثلاث جاء مع إطلاق المتحدث باسم تنظيم “داعش” أبو عمر المهاجر موجة عنف جديدة عقب مقتل زعيم التنظيم السابق والمتحدث الإعلامي السابق تحت مسمى “غزوة الثأر للشيخين”.

وبتحليل طبيعة الأهداف على وجه الخصوص، يمكن الإشارة إلى أن استجابة فرع التنظيم في غرب أفريقيا لتوجيهات القيادة المركزية لـ”داعش” كانت مرتفعة؛ إذ إن العمليات في الولايات الثلاث تحقق هدفين رئيسيين وفقاً لتلك التوجيهات: أولها زيادة النشاط العملياتي بدرجة كبيرة، وهذا ينطبق على كل أفرع “داعش”؛ لذلك لجأ “ولاية غرب أفريقيا” إلى التوسع في استهداف المدنيين خلال تلك الموجة، لتضخيم الأثر. وثانيها التوسع في استهداف المسيحيين، من خلال هجمات على قرى مسيحية، ومداهمة منزل أحد رجال الدين المسيحي، وتنفيذ تفجيرات في تجمع مسيحي، خاصةً أن تلك الولايات تقع ضمن “الحزام الأوسط” الذي يضم غالبية مسيحية.

احتواء مبكر

وأخيراً، فإن عمليات “ولاية غرب أفريقيا” في الولايات الثلاث لا تمثل ضغوطاً كبيرة على نيجيريا في ضوء تحديات أقل، مقارنةً بالنشاط العملياتي في برنو على وجه الخصوص. ولكن في ضوء استراتيجية وأهداف التنظيم، والأبعاد الطائفية والعرقية في “الحزام الأوسط”، فإن عدم مواجهة هذه التهديدات مبكراً يُنذر باستمرار توظيف “ولاية غرب أفريقيا” تلك الظروف والسياقات المحلية في عمليات استقطاب، بما قد يؤدي إلى زيادة النشاط العملياتي في تلك الولايات، والانتقال إلى ولايات أخرى، مع الإشارة إلى محورية ومركزية صمود فرع “داعش” في مواجهة العمليات العسكرية في شمال شرق نيجيريا باعتباره أولوية للتنظيم.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ac%d8%ba%d8%b1%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a7-%d9%85%d8%aa%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a9/