حدود التصعيد:

ما احتمالات اندلاع حرب بين إثيوبيا والسودان؟
حدود التصعيد:
29 يونيو، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


تشهد العلاقات السودانية الإثيوبية فصلاً جديداً من النزاع الحدودي وتصاعد حالة التوتر في منطقة الفشقة المتنازع عليها بين البلدين، بعد إعلان الجيش السوداني في 26 يونيو الجاري مقتل مواطن وسبعة جنود سودانيين على يد القوات الإثيوبية كانت قد أسرتهم في 22 يونيو الجاري عقب اشتباكات على الحدود بين البلدين، في الوقت الذي نفت فيه الحكومة الإثيوبية إعدام الجنود السودانيين، متهمة ميليشيات إثيوبية محلية بقتلهم؛ الأمر الذي ينذر بمزيد من التصعيد بين البلدين، وربما يتطور لتخرج الأمور عن السيطرة بما قد يهدد أمن واستقرار القرن الأفريقي. 

أبعاد التوتر

يعكس الوضع العسكري الراهن على الحدود بين السودان وإثيوبيا عدداً من الدلالات المهمة تتمثل أبرزها في:

1– تبني السودان إجراءات تصعيد سياسي: فقد استدعت الخرطوم عقب حادث مقتل المواطن والجنود السودانيين السفير الإثيوبي لديها للاحتجاج على الاعتداء الإثيوبي على جنودها، وسحبت سفيرها من أديس أبابا للتشاور. وأعلنت الخارجية السودانية أنها شرعت في تقديم شكوى لمجلس الأمن الدولي ومنظمات دولية وإقليمية ضد إثيوبيا، وأكدت أنها تحتفظ بكامل حقوقها في الدفاع عن أراضيها وسيادتها الوطنية في الفشقة وفقًا لميثاق الأمم المتحدة.

2– تصاعد الاشتباكات المسلحة في الفشقة: زار الفريق “عبد الفتاح البرهان” رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الحاكم، منطقة الفشقة في 27 يونيو الجاري، وتعهد بأن الرد على الحادث سيكون ميدانياً. وتزامنت تلك الزيارة مع اندلاع اشتباكات عنيفة بين قوات الجانبين؛ حيث شنت القوات السودانية هجوماً على مستوطنة إثيوبية تابعة للجيش الإثيوبي شرق قرية بركات نورين. وأغلق الجيش السوداني معبر القلابات الذي يربط بين السودان وإثيوبيا، وأعلن سيطرته على جبل تسفاي عدوي ومعسكر قلع اللبان بمحلية القريشة في منطقة الفشقة الصغرى، بعدما دفعت القوات السودانية بتعزيزات عسكرية من قيادة الفرقة الشرقية إلى المنطقة.

كما حرر الجيش السوداني مستوطنة برخت التي تمثل آخر معاقل القوات الإثيوبية داخل الحدود الشرقية ليُحكم كامل سيطرته على منطقة الفشقة الكبرى، وهو ما يهدد بتطور الوضع على الأرض وصولاً إلى اندلاع اشتباكات مسلحة بين قوات البلدين، في إطار إصرار الطرف السوداني على الرد على واقعة مقتل جنوده.

3– الإنكار الإثيوبي وإذكاء الصراع مع السودان: من الأسباب التي أدت إلى اندلاع هذه المواجهات المسلحة عقب مقتل الجنود السودانيين، رفض الجانب الإثيوبي الاعتراف بخطأ ما قامت به قواتها المرابطة على الحدود المشتركة مع السودان في هذا الشأن، بل أصدرت وزارة الخارجية الإثيوبية بياناً اتهمت فيه الجانب السوداني بافتعال المشكلات مع إثيوبيا وردت بأن مقتل الجنود السودانيين وقع أثناء اشتباكهم مع إحدى الميليشيات المحلية بعد أن دخلت القوات السودانية الأراضي الإثيوبية، كما اتهمت وزير الخارجية السوداني “علي الصادق” بعدم امتلاك معلومات دقيقة بشأن ما حدث، وهكذا، جاء رد الفعل الإثيوبي، القائم  على الإنكار وعدم تقديم التنازلات أو الاعتراف بالأخطاء، ليمنح الخرطوم مزيداً من الشرعية للرد على الانتهاكات الإثيوبية عسكرياً.

4– استعدادات إثيوبية عسكرية مسبقة: أفادت صحيفة “سودان تربيون” بأن إثيوبيا نشرت منذ أيام قليلة تعزيزات عسكرية مكونة من القوات النظامية وميليشيات من ولاية أمهرة في منطقة الفشقة؛ وذلك بهدف توفير الحماية لمزارعي أمهرة هناك، كما أقامت السلطات الإثيوبية مستوطنتين إثيوبيتين إحداهما تابعة للجيش والأخرى تابعة للميليشيات في شرق الفشقة؛ الأمر الذي يشير إلى محاولة الحكومة الإثيوبية تحريك المياه الراكدة في الفشقة عبر بعض الميليشيات المحلية ربما للضغط على الخرطوم واستغلال الوضع الداخلي السوداني المضطرب وانشغال السلطات السودانية بالتعاطي مع الدعوة إلى الاحتجاجات الشعبية في الخرطوم في 30 يونيو الجاري من أجل فرض أمر واقع جديد في المنطقة.

5– اتهامات إثيوبية للسودان بانتهاك السيادة: ارتبطت الرواية الإثيوبية حول الحادث الأخير باتهام السودان باختراق قواتها السيادة الإثيوبية من خلال دخول وحدة من الجيش السوداني في الأراضي الإثيوبية، وتصدي إحدى الميليشيات المحلية لها، كما روجت أديس أبابا لوجود ذريعة تستهدف تقويض العلاقات مع الخرطوم، وربطت توقيت هذا الحادث بمحاولة عرقلة المساعي الإثيوبية لتحقيق السلام والتنمية في البلاد.

6– ترويج إثيوبيا للتعاون بين السودان وجبهة تيجراي: اللافت أن أديس أبابا أشارت إلى حصول الوحدة العسكرية السودانية التي دخلت الأراضي الإثيوبية على دعم من عناصر تابعة لجبهة تحرير تيجراي، وهو ما يعزز الاتهامات الإثيوبية المتكررة للسودان بالتعاون مع تيجراي. ولا يمكن إغفال أن هذا الأمر يثير مخاوف الحكومة الإثيوبية التي تحاول منع حصول جبهة تحرير تيجراي على أي مساعدات لوجستية أو إنسانية ربما تعزز موقفها في مواجهة الحكومة المركزية في حال تجدد الصراع الإثيوبي.

7- محاولة النظام السوداني الحصول على تأييد الرأي العام الداخلي: أدانت معظم القوى والحركات السياسية والمهنية والمسلحة السودانية الاعتداء الإثيوبي على الجنود السودانيين، وأعلنت دعمها الحيش السوداني للقيام بمسؤولياته لحماية حدود البلاد والمواطنين، وهو ما قد يفضي إلى تخفيف حدة حالة الاستقطاب السياسي – ولو نسبيًّا – في المشهد السوداني الراهن.

ويلاحظ في هذا الإطار، أن الرد العسكري السوداني السريع على مقتل 7 من جنوده على يد القوات الإثيوبية استهدف، في جانب منه، تهدئة الرأي العام السوداني الغاضب بسبب هذا الحادث، وقد عبر عن ذلك عدد من الأحزاب والقوى السياسية، ومنها حزب الأمة القومي وكذلك انقسام الرأي العام السوداني على مواقع التواصل الاجتماعي إزاء انتقاد الجيش وتحميله مسؤولية هذا الحادث بسبب انشغاله بالصراع على السلطة، وبين مؤيد للجيش ومدافع عن قدرته على حماية الأمن القومي للبلاد، ومن ثم أدرك الجيش السوداني أهمية الرد السريع في محاولة لاحتواء ردود الفعل الداخلية الغاضبة إزاء ما حدث، وتفنيد الاتهامات الداخلية له بالانشغال عن حماية حدود البلاد بالصراعات السياسية.

8– تزايد الدعوة إلى تسليح المزارعين بالفشقة: إذ دعا مزارعون سودانيون في منطقة الفشقة حكومة بلادهم إلى إمدادهم بالسلاح لحماية أنفسهم وأراضيهم في مواجهة الميليشيات الإثيوبية المسلحة المدعومة من الحكومة الإثيوبية، بالإضافة إلى نشر المزيد من القوات السودانية في المنطقة للتصدي للاعتداءات الإثيوبية هناك.

محفزات قائمة

لا يمكن إغفال أن الملفات العالقة بين الطرفين، والأزمات المتراكمة بينهما، لعبت دوراً رئيسياً في إذكاء الاشتباكات العسكرية بينهما، وتتمثل أهم هذه الأزمات فيما يأتي:

1– عدم حسم الخلافات الحدودية المشتركة: فحتى الآن ترفض إثيوبيا ترسيم الحدود المشتركة مع السودان وفقاً لاتفاقية عام 1902 الموقعة بين إثيوبيا وبريطانيا (نيابة عن السودان) بغرض وضع النقاط الحدودية التي ترسم الحدود الدولية بين الدولتين؛ حيث ترفض الحكومات الإثيوبية المتعاقبة والحكومة الحالية برئاسة “آبي أحمد” القيام بذلك الأمر حتى يتسنى لها دعم مطامع حليفتها “قومية الأمهرة” التي يحتل مزارعوها الأراضي الزراعية الواقعة في منطقة الفشقة السودانية.

2– تداعيات الصراع في تيجراي: كان للصراع بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي الذي اندلع في نوفمبر 2020، عاملاً في تصاعد الخلافات والتوترات السياسية والعسكرية بين إثيوبيا والسودان؛ حيث اتهمت أديس أبابا الخرطوم باستغلال انشغالها بالصراع في إقليم تيجراي والقيام بالتوغل والانتشار في مناطق “الفشقة” الحدودية والسيطرة على نحو 95% من الأراضي الواقعة هناك، في حين نفت الخرطوم هذه الاتهامات وأكدت أن ما تمت السيطرة عليه هي أراض خاضعة للسيادة السودانية، وامتدت الاتهامات الإثيوبية للجانب السوداني، إلى اتهام الخرطوم بدعم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي عبر إتاحة الخرطوم لها كنقطة انطلاق لشن عمليات عسكرية ضد القوات الإثيوبية داخل الأراضي الإثيوبية. ورغم نفي الخرطوم هذه الاتهامات، فإن أديس أبابا تصر على ذلك ووصفت التصرفات السودانية بأنها ترتقي إلى إعلان حرب على الجانب الإثيوبي.

3- تعثر مفاوضات سد النهضة: يمثل تعثر المفاوضات الخاصة بأزمة سد النهضة، سبباً في تصاعد الخلافات والتوترات بين إثيوبيا والسودان، وقد ظهر ذلك مؤخراً في البيان الصادر عن الخارجية السودانية الذي عبرت فيه عن رفض الخرطوم تصريحات مدير سد النهضة الذي أشار فيها إلى إصرار بلاده على إتمام عملية الملء الثالث لخزان سد النهضة، وهو ما أغضب السودان التي تصر بجانب مصر، على التوصل إلى اتفاق ملزم مع إثيوبيا بشأن تشغيل السد وإدارته، وهو ما ترفضه إثيوبيا وتصر على تبني سياسة فرض الأمر الواقع واتخاذ إجراءات أحادية الجانب بغض النظر عن المواقف المصرية والسودانية في هذا الخصوص.

4– توظيف ورقة اللاجئين: توظف إثيوبيا كذلك ورقة اللاجئين للضغط على الجانب السوداني من أجل تغيير مواقفه، سواء في أزمة سد النهضة أو فيما يتعلق بالخلافات الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا؛ حيث خلف الصراع في إقليم تيجراي ملايين اللاجئين الفارين من مناطق الصراع الذين استقبلتهم السودان التي تفتقر إلى الموارد المالية والبنية التحتية لاستقبال هذه الأعداد المهولة من اللاجئين.

تداعيات محتملة 

قد يحمل هذا التصعيد العسكري على الحدود السودانية الإثيوبية بعض التداعيات المحتملة، التي تتمثل في:

1– احتمال اتساع نطاق المواجهة العسكرية بين الدولتين: قد ينذر استمرار التوتر بخروج النزاع عن حدود السيطرة وتطور الوضع ميدانياً وتوسيع دائرة الاشتباكات المسلحة بين الجيشين الإثيوبي والسوداني في الفشقة، وربما يتحول إلى حرب بين البلدين، وما قد يترتب عليها من تهديدات لأمن المنطقة – برغم وجود بعض القيود التي تمنع ذلك– في إطار مساعي الطرفين إلى السيطرة على المناطق الحدودية من أجل فرض الأمر الواقع، إلا إذا تم إجبارهما على إيقاف المواجهات بفعل الضغوط الدولية والتوجه نحو المفاوضات لتسوية الأزمة.

2– تنامي التوتر السياسي بين الحكومتين: وهو ما قد يفضي إلى تباعد وجهات النظر بينهما بشأن بعض القضايا الإقليمية مثل التكامل الإقليمي ومكافحة الإرهاب في شرق أفريقيا. بالإضافة إلى إصرار كلا الطرفين على موقفه بشأن أزمة الفشقة، خاصة أن الفريق “عبد الفتاح البرهان” قد شدد في نوفمبر 2021 على أن السودان لن يتنازل عن بسط كامل سيطرته على منطقة الفشقة، فضلاً عن احتمال القيام بعمليات انتقامية ضد اللاجئين الإثيوبيين في السودان، الذين يصل أعدادهم إلى مليوني لاجئ نتيجة الصراع الإثيوبي الممتد منذ نوفمبر 2021.

كما قد يؤدي تصاعد التوتر بين البلدين إلى تعطيل المحادثات بينهما الرامية إلى استئناف المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي، وما قد ينطوي عليه من كسب أديس أبابا المزيد من الوقت في إطار مساعيها لإتمام بناء السد دونما التوصل إلى أي اتفاق ملزم إزاء الحقوق المائية للسودان ومصر، وهو ما يعمق الأزمة بين الطرفين الإثيوبي والسوداني.

3– تزايد الضغوط الداخلية في البلدين: فالدولتان تسعيان إلى إجراء حوار وطني من أجل تسوية بعض الأزمات الداخلية؛ لذلك قد يؤدي تصاعد التوترات العسكرية بينهما إلى انشغالهما عن الإجراءات الداخلية التي قد تسهم في تقليل حدة الاستقطاب السياسي، لا سيما أن المشهد الإثيوبي يواجه بعض التحديات السياسية والأمنية في شمال البلاد وفي بعض المناطق الأخرى، فيما تتصاعد حالة الاستقطاب السياسي في السودان بعد دعوات بعض النشطاء والقوى السياسية إلى المشاركة في تظاهرات شعبية في 30 يونيو الجاري ضد المجلس السيادي الانتقالي الحاكم.

4– تحركات دولية لتهدئة الوضع: قد يدفع التوتر على الحدود السودانية الإثيوبية المجتمع الدولي إلى الضغط على حكومتي البلدين من أجل إيقاف الاشتباكات والتوترات العسكرية هناك، والتوجه نحو طاولة المفاوضات من أجل البحث عن حلول وتسوية لهذه الأزمة، بما لا يهدد الأمن والسلم الإقليميين في منطقة القرن الأفريقي. وقد ظهرت مؤشرات هذه التحركات الدولية في اللقاء الذي جمع بين رئيس مجلس السيادة “عبد الفتاح البرهان” ومبعوثة الاتحاد الأوروبي إلى القرن الأفريقي “أنيت ويبر”، يوم 28 يونيو الجاري؛ إذ أكد “البرهان” أثناء اللقاء حرص السودان على علاقات سوية ومتزنة مع إثيوبيا. كما طالب الأمين العام للأمم للمتحدة، يوم 28 يونيو الجاري، “أنطونيو جوتيريش”، الدولتين بضبط النفس واتخاذ خطوات ملموسة لتخفيف حدة التوتر.

حرب مستبعدة

وإجمالًا، يمكن القول إن من المستبعد أن يتطور هذا النزاع إلى حرب بين السودان وإثيوبيا لاعتبارات كثيرة؛ من أبرزها تنامي الاضطرابات السياسية والأمنية التي تشهدها كلا البلدين، كما يواجه البلدان أزمات اقتصادية بفعل تفاقم الأزمات الدولية التي أثرت على ارتفاع أسعار السلع الأساسية، فضلاً عن تداعيات جائحة كوفيد–19. بالإضافة إلى تخوف إثيوبيا من احتمال تقديم الخرطوم الدعم اللوجستي وإيوائها عناصر جبهة تحرير تيجراي؛ ما قد يؤدي إلى تجدد الصراع الداخلي في شمال البلاد، علاوة على الرفض الدولي لقيام أي حروب في القرن الأفريقي؛ خوفاً من تفاقم الصراعات الإقليمية التي تزيد من زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر للمصالح الدولية الاستراتيجية هناك.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d8%b9%d9%8a%d8%af/