حرب استنزاف:

لماذا لا تنتهي الأزمة الروسية – الأوكرانية؟
حرب استنزاف:
20 مايو، 2022

منذ بدء الحملة العسكرية الروسية في أوكرانيا، في 24 فبراير الماضي، كان السؤال الأكثر تداولاً ومَحلّاً للنقاش على مستوى النخب السياسية والمجتمعية في العالم، مرتبطاً بموعد انتهاء هذه العملية. واليوم وبعد مرور نحو ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، لا يزال هذا التساؤل مطروحاً وبقوة، لا سيما مع التداعيات السلبية للحرب على العالم بأسره، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، وهو الأمر الذي عزز الحاجة إلى الوقوف على أبرز المُحدِّدات التي تقف خلف استمرار العملية العسكرية الروسية، وأبرز الاعتبارات التي يمكن في ضوئها فهم وقراءة طول أمدها.

تغيُّرات عديدة

شهدت الحرب الروسية – الأوكرانية منذ اندلاعها حتى اليوم، العديد من المتغيرات التي دفعت باتجاه إطالة أمد الحرب، وهي المتغيرات التي يمكننا تناولها على النحو الآتي:

1– المقاومة الأوكرانية المتزايدة: من الاعتبارات التي يُمكن في ضوئها فَهْم طول أمد الحرب الروسية – الأوكرانية، المقاومة المتنامية من قِبل أوكرانيا للغزو الروسي، وهي المقاومة التي زادت وتيرتها في ضوء الدعم الغربي الكبير المُقدَّم لأوكرانيا، سواء على مستوى الدعم المالي والاقتصادي بأسلوب مباشر لأوكرانيا، أو من خلال فرض العقوبات على روسيا؛ هذا فضلاً عن الدعم الاستخباراتي والعسكري، خصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، وهو الدعم الذي حوَّل المعركة إلى ما يُشبه “حرب الاستنزاف”.

2– تعديل أهداف موسكو: كان الهدف الرئيسي لموسكو، بجانب الأهداف الميدانية، هو الإطاحة بالحكومة الأوكرانية ونظام “زيلينسكي”، لكن تقديرات استخباراتية غربية أشارت إلى أن الكرملين – ومع المقاومة الكبيرة من أوكرانيا، خصوصاً في ضوء الدعم الغربي لها، والأزمات اللوجستية التي تواجهها القوات الروسية على الأرض، فضلاً عن الخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة – بدأ يُقلِّص أهدافه ويتبنى استراتيجية جديدة في أوكرانيا، تقوم على إعادة تجميع القوات، وتجديد قدرتها القتالية، والتحرك للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي في الجزء الشرقي من أوكرانيا المتاخم لروسيا المعروف باسم “دونباس”، وإقامة ممر بري يربطها بشبه جزيرة القرم.

3– صعوبة إنجاز اتفاق سلام: من التحديات التي تدفع باتجاه إطالة أمد الأزمة، صعوبة التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبَين؛ حيث تبنَّت بعض القوى الدولية مثل تركيا، مبادرات للتوسُّط بين الجانبَين وإنجاز اتفاق سلام، لكن المباحثات لم تصل إلى أي نتيجة، خاصةً مع الهجمات الروسية المستمرة على مدن استراتيجية مهمة مثل ماريوبول وأوديسا، إضافة إلى مزاعم القتل الجماعي للمدنيين في بوتشا، فضلاً عن تصاعد الآمال الأوكرانية بإمكانية الانتصار على روسيا في ضوء الدعم الغربي، والإنهاك والإحباط الذي تعاني منه القوات الروسية. ويبدو أن مناداة أطراف دولية بضرورة إنجاز اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت، أو إنشاء ممرات إنسانية لتوصيل الإمدادات وإجلاء المصابين والمدنيين، هي تعبير عن الفشل في إنجاز اتفاق سلام شامل.

لكن ما يزيد من تعقيد المشهد، أن الإشكال ليس في إنجاز اتفاق السلام فقط، بل في مدى التزام الأطراف المتحاربة بهذا الاتفاق؛ فقد أشارت دراسة حديثة أجرتها جامعة أوبسالا السويدية إلى أن ثلث اتفاقيات السلام انهارت في أقل من خمس سنوات. وفي حالة روسيا وأوكرانيا يوجد شاهد مرتبط باتفاق مينسك لعام 2014؛ حيث أوقف هذا الاتفاق القتال مؤقتاً، لكنه لم يدفع باتجاه الوصول إلى اتفاق نهائي، ومن ثم فإن أي اتفاق سلام سيكون بمنزلة اتفاق تهدئة، وليس إنهاءً للأزمة.

4– الطموحات الشخصية لـ”بوتين”: تربط بعض التقديرات الغربية والأممية بين استمرار وطول أمد الحرب الروسية – الأوكرانية، وبين الطموحات الشخصية للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”. وتُشير هذه التقديرات – ومنها تقرير حديث للأمم المتحدة – إلى أن “بوتين” لديه قناعة راسخة بأن “انتصاره” في الحرب الأوكرانية سوف يضمن له الاستمرار في حكم روسيا لسنوات عديدة قادمة، فضلاً عن أن “بوتين” يرى ضرورة تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل إنهاء العملية العسكرية، لا سيما فيما يتعلَّق بتحييد أوكرانيا عن التحالفات والمحور الغربي بقيادة الولايات المتحدة.

5– توسُّع العمليات العسكرية الروسية: شهدت الأيام الماضية تنامياً في المؤشرات عبَّر عن توجُّه عسكري لدى روسيا نحو توسيع مساحة عملياتها وأهدافها العسكرية، لتشمل دولاً مثل مولدوفا، وفنلندا، والسويد؛ ففي حالة مولدوفا أشار مسؤولون عسكريون روس إلى أن الجالية الروسية في إقليم ترانسنيستريا تعاني من انتهاكات عديدة تدفع باتجاه تدخل روسيا، فضلاً عن إعلان المسؤولين الروس بوضوح عن رغبتهم في إنشاء ممر عبر جنوب أوكرانيا إلى ترانسنيستريا شرق مولدوفا. أما في حالة فنلندا والسويد، فالأمر يرتبط بإعلان الدولتَين رسمياً عن تقدُّمهما بطلب للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وهو تحرُّك يمثل تهديداً للأمن القومي الروسي. وبالفعل أشارت روسيا إلى أن هذا التحرُّك يجعل الدولتين “في مرمى النيران الروسية”.

فرص محدودة

على الرغم من الاعتبارات العديدة التي تدفع باتجاه إطالة أمد الحرب الروسية – الأوكرانية، فإن هناك فرصاً وإن كانت محدودة لإنهاء هذه الحرب ووقف إطلاق النار؛ وذلك بناءً على بعض الاعتبارات على النحو الآتي:

1الضغوط الاقتصادية على موسكو: أحد الاعتبارات التي قد تدفع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، العقوبات الاقتصادية الضخمة وغير المسبوقة التي فرضتها الدول الغربية على موسكو؛ إذ فرضت الدول الغربية أكثر من 5530 عقوبة اقتصادية وإعلامية ورياضية على روسيا، لتصبح أكثر دولة مُعاقَبة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي عقوبات تزيد معاناة الاقتصاد الروسي، فضلاً عن أن خسائر روسيا من العملية العسكرية في أوكرانيا قُدِّرت بنحو 20 مليار دولار يوميّاً؛ ما أثار المخاوف بشأن إمكانية تحمُّل الاقتصاد الروسي لتلك العقوبات، وهي مؤشرات تصاعد معها الحديث عن إمكانية إفلاس الدولة وعدم قدرتها على سداد الديون، ومن ثم قد تُمثِّل هذه الضغوط دافعاً لروسيا لإنهاء الحرب على أوكرانيا.

2– الخسائر المتنامية للقوات الروسية: بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية الضخمة، تكبَّدت القوات الروسية المُشارِكة في العملية العسكرية، خسائر بالغة؛ حيث أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية في مطلع مايو الجاري عن أن إجمالي خسائر روسيا منذ بدء الحرب حتى 30 أبريل، بلغ نحو 23200 عسكري، و1008 دبابة، و2445 مدرعة، و436 من أنظمة المدفعية، و151 من راجمات الصواريخ، و77 نظاماً مضادّاً للطائرات، كما شملت الخسائر الروسية، وفقاً لكييف، 190 طائرة، و155 مروحية، و1701 عربة عسكرية، و8 زوارق حربية، و76خزان وقود، و232 طائرة من دون طيار، و32 مُعدَّات خاصَّة، وأربع منصَّات مُتحرِّكة لإطلاق الصواريخ الباليستية؛ هذا بالإضافة إلى الأزمات والصعوبات اللوجستية التي تُواجِه القوات الروسية في أوكرانيا.

وهي خسائر تزداد يوماً بعد يوم؛ ما قد يدفع روسيا إلى التفكير جديّاً في إنهاء الحملة العسكرية، لكن روسيا حتى إن لجأت إلى هذا الخيار تحت وطأة هذه الخسائر، فإنها لا ترغب في أن يُسوَّق لهذا القرار على أنه إقرار منها بالهزيمة، فضلاً عن عدم رغبتها في التنازل عن بعض الأهداف، وهو ما قد يدفعها إلى التركيز على الهدف الخاص بالسيطرة الكاملة على دونباس.

3– مزاعم بتحرُّكات انقلابية في روسيا: ادَّعى رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية “كيريلو بودانوف”، في حوار له مع شبكة سكاي نيوز في 14 مايو الجاري، أن انقلاباً جارياً في روسيا حاليّاً للإطاحة بالرئيس فلاديمير بوتين الـ”مريض بشدة بالسرطان”، وهي إشاعات بدأت تظهر إلى السطح مع بدء الحرب الأوكرانية، كما اعتبر المسؤول الأوكراني أن الحرب مع روسيا تسير على ما يرام من وجهة نظر بلاده، وستصل إلى نقطة تحوُّل هامة بحلول منتصف أغسطس وتنتهي نهائيّاً بحلول نهاية عام 2022. وبعيداً عن مدى دقة هذا الادعاء بوجود تحرُّكات انقلابية في روسيا، فإن تقارير عديدة أشارت إلى أن في روسيا غضباً داخليّاً من استمرار الحملة العسكرية، خصوصاً في ضوء تداعياتها على الداخل، وتأزيمها للأوضاع.

4– التحرُّكات الدولية لإنهاء الحرب: تكبَّد المجتمع الدولي بكافة أطيافه خسائر فادحة إثر استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية، وهو اعتبار قد يدفع بعض الدول إلى التحرك بجدية لحلحلة القضايا العالقة والضغط على الطرفَين لتقديم تنازلات لإنهاء الحرب، فضلاً عن احتمالية تكثيف دولة كتركيا تحرُّكاتها في المرحلة المقبلة من أجل الدفع باتجاه إنهاء الحرب؛ وذلك في ضوء علاقاتها القوية بطرفَي الأزمة، لا سيما أن هذه العلاقات القوية بالطرفَين، جعلت تركيا أحد ضحايا هذه الأزمة، خصوصاً مع ضغط الغرب على أنقرة لاتخاذ مواقف مناوئة لروسيا.

في الختام، يمكن القول إن أغلب التوقُّعات الغربية والاستخباراتية تذهب إلى استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية على الأقل حتى نهاية العام الحالي، وبعيداً عن تقدير مدى زمني واضح لإنهاء الحرب، فإن مدى قدرة الدولتَين، وخصوصاً روسيا، على التكيُّف مع التداعيات والخسائر المترتبة على الحرب، ومدى القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية لكلَيْهما، سيكونان المُحدَّدين الرئيسيَّين الحاكمَيْن لاتخاذ قرار إنهاء الحرب.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%86%d8%b2%d8%a7%d9%81/