حرب الجُـزُر :

كيف تصاعد الصراع الصيني – الأمريكي في منطقة "الهندو–باسيفيك"؟
حرب الجُـزُر :
8 يونيو، 2022

شهدت الشهور الماضية تصاعد مؤشرات “حرب الجُـزُر” بين الصين والولايات المتحدة؛ ففيما حاولت بكين تأكيد نفوذها في مناطق الجوار، التي تعتبرها مجالاً حيوياً لها، وتطوير علاقاتها بجزر الهندو–باسيفيك؛ لجأت الدول الغربية، بزعامة الولايات المتحدة، إلى تكثيف حضورها في المنطقة نفسها، عبر إقامة علاقات واسعة النطاق مع عدد من الجزر بالمنطقة. وارتبط هذا الصراع على الجزر بعدد من المحفزات الرئيسية، قد يكون أهمها الصراع على المكاسب الاقتصادية في تلك المنطقة، وطبيعة التنافس القائم في اللحظة الراهنة على قيادة النظام الدولي، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين؛ إذ لا تزل واشنطن تنظر إلى بكين بوصفها التحدي الأكبر لها، وهو الأمر الذي يدفعها إلى تعزيز نفوذها في جزر “الهندو–باسيفيك” من أجل تطويق الصين والضغط عليها.

تنافس حاد

تحتفل الصين كل عام بالانتصار على الولايات المتحدة، في الحرب الكورية التي يطلق عليها الصينيون اسم “حرب مقاومة العدوان الأمريكي ومساعدة كوريا”. وقد حذر الرئيس الصيني “شي جين بينج” خلال احتفال بكين، العام الماضي، بمرور الذكرى السبعين على هذه الحرب، من الاستهانة بالمصاعب التي ستواجهها الصين لاستعادة السيطرة على جميع الجزر في جنوب بحر الصين، كما طالب المواطنين باستعادة روح الحرب الكورية، و”التحدث إلى الغزاة باللغة التي يعرفونها: اللجوء إلى الحرب؛ لمنع وصول الحرب إلى عقر دارهم”. استدعى هذا الخطاب من جانب الرئيس الصيني، صراع النفوذ على الجزر بين بكين والدول الغربية، وهو الصراع الذي اتخذ عدداً من المؤشرات الجوهرية المتمثلة فيما يأتي:

1– فرض بكين سياسة الأمر الواقع: أظهرت صور الأقمار الصناعية جهود الصين المتزايدة لاستعادة الأراضي في بحر الصين الجنوبي، من خلال زيادة السيطرة على الجزر عسكرياً ومدنياً، بالإضافة إلى إنشاء جزر جديدة تماماً. وقد أقامت بكين حدوداً صناعية، من خلال رسم خطوط رملية محيطة بالمنطقة، وتأمينها بتشييد سلسلة ضخمة من الموانئ والمنشآت العسكرية ومهابط الطائرات، لا سيما في جزر “باراسيل” و”سبراتلي” التي تضم عشرات المواقع الاستيطانية التابعة للصين. وقامت الصين أيضاً بعسكرة جزيرة وودي، بنشر طائرات مقاتلة وصواريخ كروز ونظام رادار؛ لرصد أي تحركات غير مرغوب فيها في المنطقة المحيطة.

2– إقامة الصين سلسلة من التحالفات العسكرية: تبنت الصين، خلال الفترة الماضية استراتيجية عسكرية جديدة، رداً على الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الهندو–باسيفيك. فلم تكتفِ الصين بعسكرة الجزر، وجعلها جزءاً من الأراضي السيادية الصينية بالجهود الفردية، بل تحولت إلى بناء استراتيجية عسكرية وسياسية جديدة، تقوم في الأساس على عقد سلسلة من التحالفات الدولية مع الجزر المنتشرة في منطقة المحيط الهادئ؛ لتهدد على نحو مباشر حرية الملاحة في هذه المنطقة، وتمنع أي تحركات غربية وأمريكية مضادة.

وفي هذا الصدد، عقدت الصين، في شهر أبريل الفائت، اتفاقاً أمنياً مع دولة جزر سليمان، يسمح لسفنها بالإقامة والتجديد في موانئ الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي في المحيط الهادئ؛ وذلك بالإضافة إلى إمكانية نشر الصين قوات عسكرية وشرطية في الجزيرة، بطلب خاص من الحكومة هناك. ولم تنتهِ الصين عند هذه النقطة، بل كشفت التقارير في أواخر مايو الماضي، عن تقديم بكين اقتراحاً للتوقيع على اتفاقية جديدة بشأن التعاون الأمني والتكنولوجي بينها وبين عدة جزر في المحيط الهادئ، وهي: جزر سليمان، وكريباس، وساموا، وفيجي، وتونجا، وفانواتو، وبابوا غينيا الجديدة، ونيوي، وولايات ميكرونيزيا الموحدة. وعلى الرغم من رفض عدد من الجزر التوقيع على هذه الاتفاقية في صورتها الحالية، فإن هذه الجزر أبدت انفتاحاً على مزيد من التعاون مع التنين الصيني في المجالات التنموية والاقتصادية، مع إمكانية التوقيع على الاتفاق الأمني في وقت لاحق.

3– تبني الولايات المتحدة استراتيجية شاملة بالمنطقة: على الرغم من الانخراط الأمريكي في عدد من الملفات الخارجية التي فرضت نفسها على الساحة الدولية، كالحرب في أوكرانيا، والانسحاب الأمريكي الكارثي من أفغانستان؛ فإن إدارة الرئيس “بايدن” تبنت عدداً من الخطوات تؤكد عزمها عدم ترك الصين تضع شروطها في منطقة “الهندو–باسيفيك” بحرية وبدون قيود. وجاءت أولى هذه الخطوات بالإعلان عن استراتيجية أمريكية شاملة للشراكة عبر المحيطَين الهندي والهادئ في شهر فبراير الماضي، وصولاً إلى الإعلان عن إطار اقتصادي يعزز التعاون بين الولايات المتحدة ودول المنطقة، بما في ذلك الجزر المنتشرة على طول المحيطين الهادئ والهندي، ناهيك عن تجديد عدد من التحالفات العسكرية والأمنية والسياسية مع دول المجموعة الرباعية، خاصةً اليابان وأستراليا الأكثر تضرراً من التحركات الصينية الأخيرة في منطقة الهندو–باسيفيك.

4– مواجهة الأنشطة الصينية في بحر الصين الجنوبي: من المتعارف عليه أن الصين تلجأ كثيراً إلى تجنيد الصيادين المدنيين الصينين، وتدفعهم إلى الصيد في الجزر المُتنازَع عليها ببحر الصين الجنوبي؛ طمعاً في تعزيز وجودها بهذه المنطقة بصورة استراتيجية، دون الاكتفاء بالأداة العسكرية. وقد مثَّل الصيادون الصينيون مصدر إزعاج قوي للقوات البحرية بدول الجوار، كما عجزت هذه الدول عن تطوير أي آلية فعَّالة لردع هذا السلوك الصيني العدائي، إلا أن عدداً من الصحف الأمريكية نقلت عن مسؤولين في إدارة “بايدن” تأكيدهم أن دول المجموعة الرباعية (الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا) من المقرر أن تكشف النقاب عن مبادرة بحرية جديدة، تهدف إلى الحد من أنشطة الصيد غير القانونية عبر منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. ويعتقد الخبراء أن هذه المبادرة موجهة لاحتواء نشاط الصيد غير القانوني على نحو أساسي من القوارب الصينية. ووفقًا للتقرير، ستستخدم المبادرة البحرية تكنولوجيا الأقمار الصناعية. وسيتم إنشاء نظام تتبع سيربط مراكز المراقبة في سنغافورة والهند ببعضها ببعض.

5– تزايد التوترات بشأن ملف تايوان: بجانب التصريح المثير للجدل الذي أدلى به الرئيس “بايدن” خلال اللقاء الصحفي الذي جمعه بالرئيس الياباني في نهاية شهر مايو الماضي، الذي أكد خلاله أن الولايات المتحدة مستعدة للتدخل العسكري في تايوان لحماية الجزيرة في حالة تعرضها للهجوم والعدوان الصيني؛ أقدمت الإدارة الأمريكية على تبني خطوات فعالة لرفع القدرات الدفاعية التايوانية. وقد تمثلت هذه الخطوات في تطبيق برنامج حماية تقوم واشنطن والحلفاء الغربيون على إثره بتزويد الجزيرة بالكثير من الصواريخ والمعدات العسكرية الدفاعية التي تجعل الجزيرة منيعة أمام الغزاة الخارجيين.

وتمتلك تايوان صواريخ بعيدة المدى قد تضرب الصين، إلا أن الأسلحة الأمريكية الصنع التي اشترتها مؤخراً (منصات الصواريخ الخلوية وطائرات “F–16” المقاتلة والمقذوفات المضادة للسفن) أكثر ملاءمةً لصد غزو صيني محتمل. وفي هذا الإطار، تشير بعض التقارير إلى احتمالية شراء تايوان ألغاماً بحرية وطائرات مسيرة مسلحة في وقت لاحق. ويُتوقع أن تقدم السلطات الأمريكية أيضاً معلومات استخبارية لتحسين قدرات الجيش التايواني على تدمير السلاح الصيني، بجانب الضغط على المسؤولين في تايوان لشراء المزيد من الأسلحة، وتحديث جميع آلياتهم ومعداتهم العسكرية، استعداداً لحرب قادمة غير متكافئة.

محفزات رئيسية

يرتبط تصاعد “حرب الجزر” بين الولايات المتحدة والصين بعدد من المحفزات الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– استمرار نزاعات السيادة في “الهندو–باسيفيك”: لا تزال منطقة الهندو–باسيفيك تواجه إشكالات عديدة في ترسيم الحدود بين الدول، وهو الأمر الذي يُكسِب صراعات الجزر المزيد من الزخم. ولعل النموذج الأبرز لذلك جزر بحر الصين الجنوبي؛ فقد أثارت مطالبات الصين الكاسحة بالسيادة على بحر الصين الجنوبي عداء دول الجوار المتمثلة في بروناي وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايوان وفيتنام.

ففي وقت مبكر من السبعينيات، بدأت البلدان تؤكد سيادتها المشتركة على عدد من الجزر المنتشرة في المنطقة، وعلى رأسها جزر ومناطق مختلفة في بحر الصين الجنوبي، مثل “جزر سبراتلي” التي تمتلك موارد طبيعية ومناطق صيد غنية، إلا أن الصين رفضت هذه الادعاءات، وأكدت أنه بموجب القانون الدولي، لا تستطيع الجيوش الأجنبية ممارسة أنشطة جمع المعلومات الاستخبارية، مثل رحلات الاستطلاع، في هذه المنطقة، التي اعتبرتها جزءاً من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها (EEZ).

اللافت أن الولايات المتحدة هي الأخرى ترفض الرواية الصينية المؤكدة لسيادتها الخالصة على المنطقة؛ حيث تؤكد ضرورة تمتع البلدان الأخرى، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بحرية الملاحة عبر المناطق الاقتصادية الخالصة في البحر، وألا يُطلَب منها إخطار الأطراف المشتركة في هذه الحدود المائية بالأنشطة العسكرية القائمة بها. وفي يوليو 2016، أصدرت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي حكمها بشأن دعوى رفعتها الفلبين ضد الصين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وحكمت لصالح الفلبين في كل التهم تقريباً، إلا أن الصين رفضت حكم المحكمة على الرغم من توقعيها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

2– ابتعاد عدد من الدول عن سياسة الحياد: وهو الأمر الذي يزيد حدة حرب الجزر في الهندو–باسيفيك؛ فعلى سبيل المثال نجحت الولايات المتحدة في دفع كل من اليابان ونيوزيلاندا نحو تبني نهج استراتيجي جديد لا يرفض الانخراط في سباقات التسلح. وقد ساهمت التحركات الصينية الأخيرة في منطقة بحر الصين الجنوبي، في تعجيل مثل هذا التحول الاستراتيجي. فمن ناحية، من المتوقع أن تصدر اليابان استراتيجية عسكرية جديدة عما قريب، تدفع طوكيو إلى استكمال التحول الاستراتيجي الذي بدأه على استحياء رئيس الوزراء الياباني السابق “شينزو آبي”.

كما أن نيوزيلاندا شجبت بدورها أي تحركات تهدد الاستقرار والسلام في منطقة المحيط الهادئ، في إشارة إلى الاتفاقية المثيرة للجدل التي جمعت الصين وجزر القمر، في تحرك نادر من الحكومة النيوزيلاندية، التي تبنت نهجاً مسالماً خلال السنوات الماضية، مع عدم الانخراط في الصراع الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، أو حتى الانجراف نحو السجال السياسي ضد بكين، على غرار جارتها الكبرى أستراليا.

3– الأهمية الاستراتيجية للجزر: لا ينفصل الصراع على الجزر في منطقة “الهندو–باسيفيك” عن الأهمية التي تمثلها هذه الجزر؛ فالمنطقة تضم عدداً من الممرات البحرية المهمة للتجارة الدولية، على غرار بحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقا، كما أن منطقة بحر الصين الجنوبي، التي تشهد تنازعاً على السيادة بين الصين ودول الجوار، تتضمن ما يُقدَّر بنحو 11 مليار برميل من النفط غير المستغل، و190 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، كما تشير استراتيجية الولايات المتحدة للهندو–باسيفيك، المنشورة في فبراير 2022، إلى أن المنطقة تعد موطناً لأكثر من نصف سكان العالم، ونحو ثلثي اقتصاد العالم، وسبعة من أكبر الجيوش في العالم، كما أنها تدعم أكثر من ثلاثة ملايين وظيفة في الولايات المتحدة، وهي مصدر ما يقرب من 900 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة. ويتوقع أن تقود المنطقة ما يصل إلى ثلثي النمو الاقتصادي العالمي في السنوات المقبلة.

4– التداعيات الممتدة للحرب الأوكرانية: عقب التدخل الروسي في أوكرانيا، أُعيد تسليط الضوء على إمكانية شن الصين حملة عسكرية مماثلة ضد تايوان؛ لضمان التبعية الفعلية للجزيرة للبر الرئيسي للصين. وقد عزز هذه التخوفات إقدامُ الأخيرة على الكثير من التدريبات العسكرية بالمياه المتاخمة لتايوان، ناهيك عن إشراك روسيا في بعض هذه المناورات العسكرية. يُضاف إلى ذلك، رصد الأقمار الصناعية المستمر عدداً هائلاً من الأسلحة العسكرية المتطورة، ووجود خطة صينية حقيقية لتطوير المزيد من الصواريخ البعيدة المدى العالية الدقة، وغواصات نووية تنافس الغواصات النووية التي تأمل أستراليا الحصول عليها خلال السنوات العشر القادمة، تحت بنود صفقة “أكواس”.

ربما تكون حرب أوكرانيا أكسبت ديناميات الصراع على الجزر في “الهندو–باسفيك” المزيد من الزخم، سواء من زاوية ملف تايوان، أو حتى من ناحية أهمية هذه الجزر للاقتصاد العالمي؛ فعلى سبيل المثال، تمثل تايوان منتِجاً رئيسياً لأشباه الموصلات عالمياً، ناهيك عن التحركات الأمريكية المكثفة في المنطقة منذ بداية الحرب الأوكرانية، ومحاولات تشكيل تحالفات متماسكة يمكن من خلالها تصدير الضغوط إلى بكين، وضمان عدم تكرار السيناريو الأوكراني في تايوان.

حرب باردة جديدة

ختاماً.. يمكن القول إن جميع السياسات الصينية والغربية المضادة لها في منطقة بحر الصين الجنوبي والهندو–باسيفيك، ما هي إلا مؤشرات على انطلاق حرب باردة جديدة بين عملاقَين قطبيَّين يسعيان إلى موازنة نفوذهما في النظام الدولي بأي صورة ممكنة. ويبقى التساؤل الأكبر يدور حول إذا ما كانت هذه المناوشات ستتحول إلى حرب عالمية ثالثة، أم أن الطريق لا يزال مفتوحاً أمام الانتقال السلمي في النظام الدولي من مرحلة إلى أخرى، على غرار ما تم في التسعينيات مع انهيار الاتحاد السوفييتي.


https://www.interregional.com/%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8f%d9%80%d8%b2%d9%8f%d8%b1/