حرب المصطلحات:

كيف كشفت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عن ظواهر لافتة؟
حرب المصطلحات:
17 أبريل، 2021

تعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، حدثًا استثنائيًّا فارقًا في التاريخ الأمريكي، نظرًا إلى كونها مفترق طرق بين هيمنة الحزب الجمهوري على الرئاسة والكونجرس، واستعادة الحزب الديمقراطي سيطرته بعد أربعة أعوام حاسمة تقلد فيها دونالد ترامب منصب الرئاسة الأمريكية، وهيمن فيها الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ. وفي هذا الصدد، أفرزت الانتخابات الأمريكية العديد من الظواهر اللافتة والمصطلحات والمفاهيم الصاعدة التي تصف حدة الصدام بين المرشحين الديمقراطي جو بايدن والجمهوري دونالد ترامب، كما كشفت عن التغير في اتجاهات التصويت وتفضيلات المجتمع الأمريكي السياسية، واستراتيجيات التنافس بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1– إعادة بناء الجدار الأزرق (Blue Wall): يُقصَد بالجدار الأزرق مجموعة الولايات التي يفوز بها الديمقراطيون مرارًا في الانتخابات الرئاسية بدايةً من عام 1992 حتى عام 2012؛ ما يجعلها القوة الضاربة لأي مرشح ديمقراطي للرئاسة؛ حيث كان الهدف الأول لجو بايدن في حملته الانتخابية، هو تعزيز وتدعيم التأييد للديمقراطيين في هذه الولايات.

وتتمثل هذه الولايات الزرقاء تقليديًّا في كاليفورنيا (55)، ونيويورك (29)، وإلينوي (20)، وميتشجان (16) ونيوجيرسي (14)، وواشنطن (12)، وماساتشوستس (11)، وميريلاند (10)، ومينيسوتا (10)، وويسكونسون (10)، وأريجون (7)، وكونيتيكيت (7)، وهاواي (4)، ومين (4)، ورود أيلاند (4)، وديلاوير (3)، وفيرمونت (3)، وواشنطن العاصمة (3)، ويصل مجموع أصواتها إلى 242 صوتًا في المجمع الانتخابي.

وقد تمكَّن دونالد ترامب من اختراق هذه الكتلة في انتخابات عام 2016؛ حين تمكن من تحويل ولايات ميتشيجان وبنسلفانيا وويسكونسون ومين إلى ولايات متأرجحة بعد تصويتها له، وهو ما دفع جو بايدن إلى التركيز في حملته الانتخابية على إعادة بناء وترسيخ الجدار الأزرق من الولايات الديمقراطية في وجه تقدُّم ترامب.

2– توسيع “البحر الأحمر” (Red Sea): يطلق المحللون للانتخابات الأمريكية هذا المصطلح على الولايات التي حقق فيها الجمهوريون انتصارات متتالية خلال سبع دورات انتخابية، وتشمل تكساس، وألاباما، وكارولينا الشمالية، وأوكلاهوما، ومسيسيبي، ويوتاه، وكنساس، ونبراسكا، وداكوتا الجنوبية، وداكوتا الشمالية، ووايومنج، ويضاف إليها ولايات تميل إلى الجمهوريين، مثل جورجيا، وكارولينا الشمالية، وأريزونا، وإنديانا، ومونتانا، وغيرها من الولايات الجنوبية التي يطلق عليها ولايات “الجنوب العميق” (Deep South).

ويسعى الرئيس ترامب والجمهوريون في هذه الانتخابات إلى توسيع نطاق هذه المساحة الحمراء، بتثبيت انضمام ولايات الوسط الغربي أو “حزام الصدأ” (Rust Belt) التي تمكَّن ترامب من الفوز بها في 2016، وشملت ولايات ميتشيجان وويسكونسون وبنسلفانيا، وهي الولايات التي تراجعت فيها الأنشطة الصناعية بسبب عوامل تصدُّع صناعة الصلب الأمريكية والعولمة والتدويل والتحول التكنولوجي السريع؛ ما جعلهم غاضبين من الحزب الديمقراطي الداعم لحرية التجارة وتقدُّم العولمة؛ بسبب ارتفاع معدلات البطالة والفقر بها في السنوات الأخيرة.

3– الصراع على “الولايات المتأرجحة” (Swing States): ركزَّت الحملتان الانتخابيتان للمرشحين الرئاسيين على تأمين الفوز في الولايات التي تتغير اتجاهات تصويتها من دورة انتخابية إلى أخرى، ويمكن لأي من الحزبين الفوز بها؛ لذلك يطلق عليها “ولايات أرض المعركة” (Battleground States).

كما يتم الاستدلال على الولايات المتأرجحة باستطلاعات الرأي التي تكشف عن تقارب حظوظ المرشحين بها، وإمكانية حسمها من أي منهما. وخلال هذا السباق، تمثلت أبرز الولايات المتأرجحة في فلوريدا وميتشيجان وبنسلفانيا وويسكونسون، التي ركزت الحملتان الانتخابيتان للمرشحين في أيامهما الأخيرة على محاولة اختراقها وتحقيق تقدم بها.

4– تزايد “الناخبين الصامتين” (Silent Voters): لا يُعبِّر الناخبون الصامتون عن توجهاتهم الانتخابية، ويحجمون عن الإعلان عن تفضيلاتهم، سواء في استطلاعات الرأي أو في الحوارات حول الانتخابات، وهو ما يجعل التنبؤ بسلوكهم التصويتي صعبًا، ويزيد صعوبةَ توقُّع نتائج الانتخابات. وفي الولايات المتأرجحة، تزايدت أعداد الناخبين الصامتين بسبب الدعاية الانتخابية الكثيفة للمرشح الديمقراطي، والإنفاق الضخم على الإعلانات من جانب جو بايدن، وهو ما يهدد احتمالات حسمه بعض هذه الولايات.

5– التركيز على “ناخبي ترامب الخجولين” (Shy Trump Voters): تؤكد هذه الأطروحة أن المصوتين لصالح ترامب، عادةً ما يُخفُون نواياهم، ويعلنون تأييدهم الحزب الديمقراطي ومرشحيه، ثم يقومون بالاقتراع سرًّا لصالح ترامب. ويخشى هؤلاء من الانتقادات المتزايدة لسلوك ترامب ومواقفه المثيرة للجدل، لكنهم يؤيدون سياساته فيما يتعلق بالحرب التجارية والهجرة والاقتصاد، ويتبنون مواقفه بصورة غير معلنة، وهو ما يجعلهم يصوتون لصالحه يوم الاقتراع دون الإعلان عن قناعاتهم السياسية.

6– تحذيرات من استغلال “السراب الأحمر” (Red Mirage): يقصد بهذا المصطلح تمكُّن ترامب من حسم ولايات مهمة مساء يوم الاقتراع قبيل اكتمال إعلان النتائج، وهو ما قد يعتبره البعض مؤشرًا على تمكن ترامب من الفوز في الانتخابات. وقد يستغل ترامب ذلك لإعلان نفسه منتصرًا على بايدن قبيل اكتمال فرز الأصوات في الولايات التي سيتأخر إعلان النتائج بها، مثل بنسلفانيا. وقد يؤدي ذلك إلى حدوث فوضى وصراعات محتدمة بين أنصار ترامب ومؤيدي بايدن.

7– ترقب حدوث “التحول الأزرق” (Blue Shift): يترقَّب المتابعون للانتخابات حدوث تحول في اتجاهات التصويت بعد تقدم ترامب المحتمل في التصويت يوم الانتخابات؛ حيث يتوقع بعض المحللين أن يحسم بايدن أغلبية التصويت المبكر والتصويت بالبريد الذي سيتأخر فرزه لأيام، وهو ما يجعل نتيجة الانتخابات تتغير بصورة جذرية لصالح بايدن والحزب الديمقراطي. وسيدفع ذلك ترامب إلى القول بحدوث مخالفات وتزوير في الانتخابات بالولايات التي يقودها حكام ديمقراطيون، مثل ميتشيجان وبنسلفانيا، وهو ما يهدد استقرار العملية الانتخابية.

8– تدافع الموجات الزرقاء والحمراء (Red or Blue Waves): يُقصَد بالموجات الزرقاء والحمراء قدرة أي من الحزبين على حسم السباق الرئاسي وسباق التجديد النصفي لصالحه؛ ما يمثل “تسونامي انتخابيًّا” على حد تعبير بعض المحللين. ويتنبأ بعض المراقبين بتمكُّن بايدن من حسم السباق الرئاسي لصالحه، واقتناص الحزب الديمقراطي الأغلبية في مجلس الشيوخ وزيادة أغلبيتهم في مجلس النواب، وهو ما يمثل “موجة زرقاء” تكتب نهاية سيطرة الجمهوريين على الرئاسة ومجلس الشيوخ. وفي المقابل، يُحذِّرُ آخرون من السيناريو العكسي وحدوث موجه حمراء تعزز هيمنة الحزب الجمهوري على المؤسسات في الولايات المتحدة.

في المجمل، يمكن القول إن زخم السباق الرئاسي في الولايات المتحدة يدفع إلى تطوير مفاهيم ومصطلحات جديدة لفهم تعقيدات المشهد الانتخابي والسلوك التصويتي المتغير للناخبين في دورة انتخابية استثنائية وغير مسبوقة، تحيط بها العديد من التحولات الداخلية والدولية الفارقة، مثل تفشي فيروس كورونا، وحالة الارتداد الاقتصادي التي أصابت العالم على إثره، بالإضافة إلى تهديدات التدخل الخارجي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية من جانب دول مثل روسيا والصين وإيران.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%aa/