حروب المستقبل:

كيف تدافع القوة الفضائية عن أمن الولايات المتحدة؟
حروب المستقبل:
18 أغسطس، 2021

منذ إنشائها، أُحيطت “قوة الفضاء الأمريكية” بقدر كبير من الاستخفاف والتهكم الذي وصل إلى حد السخرية خاصةً في ظل ارتباط تأسيسها بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وأسلوبه الاستعراضي في الإعلان عنها في ديسمبر 2019. وعلى النقيض، اتخذ نهج التعامل مع القوة قدراً كبيراً من الجدية في الآونة الأخيرة في ظل تصاعد حدة التهديدات للأمن الفضائي الأمريكي وتوسع نطاق المهام المُسندة للهيئة والتي أثبت جدارتها كسلاح متقدم لحماية المصالح الأمريكية في الفضاء. ولعلَّ آخر التطورات في هذا السياق، تتعلق بافتتاح قوة الفضاء مركزاً جديداً لعمليات الأقمار الصناعية في يوليو الماضي من أجل تعزيز قدرات القتال الأمريكية في حروب الفضاء خلال السنوات المقبلة.

اهتمام متصاعد

يمكن استعراض أبرز المؤشرات الكاشفة عن تزايد الاهتمام بالقوة الفضائية للولايات المتحدة؛ وذلك من خلال ما يلي:

1– تسليط الضوء إعلامياً على القوة الفضائية: حرصت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، في الأيام الأخيرة، على تقديم تغطيات ومتابعات إخبارية وتحليلية تتعلق بالقوة الفضائية الأمريكية. وسعت تلك التغطيات إلى محاولة استكشاف طبيعة هذه القوة والآلية التي تعمل من خلالها، والأهداف التي شُكِّلت لأجلها، فضلاً عن محاولة توضيح طبيعة علاقة القوة الفضائية بباقي الفروع الأخرى في القوات المسلحة الأمريكية.

2– تدشين قيادة ميدانية جديدة للقوة الفضائية: أعلنت القوة الفضائية الأمريكية، يوم 13 أغسطس الجاري، عن إنشاء ثاني قيادة ميدانية لها في لوس أنجلوس، وحملت اسم قيادة أنظمة الفضاء “Space Systems Command”، وتولى قيادتها اللفتنانت جنرال مايكل جويتلين، من قيادة أنظمة الفضاء، التي تعتبر مسؤولة عن تطوير واكتساب وإدماج واستدامة القدرات للقوة الفضائية. ويتضمن ذلك أنشطة مثل تطوير أقمار صناعية جديدة، والحصول على خدمات فضائية تجارية، وإطلاق أقمار صناعية تابعة لوزارة الدفاع في المدار، واختبار أنظمة فضائية جديدة في المدار.

3– الكشف عن خطط جديدة لتوسيع نطاق عمل القوة: أشارت تقارير صحفية، في 11 أغسطس 2021، إلى أن قادة القوة الفضائية الأمريكية يقومون في الوقت الحالي بوضع خطة لإنشاء وحدة جديدة تحت القيادة المركزية الأمريكية لتنسيق الأصول الفضائية العسكرية واستخدامها في الشرق الأوسط، بحيث تكمل الوحدة الجديدة عمل القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية في المنطقة، وبما يقود في النهاية إلى عمليات فضائية أكثر قوةً.

ونوهت تلك التقارير بأن هذه الوحدة، المعروفة مؤقتاً باسم القيادة المركزية لقوات الفضاء، يمكن أن تكون أيضاً بداية لإنشاء وحدات شبيهة حول العالم، مثل قوات الفضاء في المحيط الهادئ، وقوات الفضاء الأمريكية في أوروبا، وقوات الفضاء في إفريقيا، وقوات الفضاء الشمالية في أمريكا الشمالية، وقوات الفضاء الجنوبية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

خصائص مميزة

استناداً إلى ما كشفت عنه بعض التغطيات الإعلامية الأمريكية مؤخراً؛ تتمتع القوة الفضائية الأمريكية بمجموعة من الخصائص التي تميزها نوعاً ما عن عمل باقي فروع القوات الأمريكية. وتتضح أبرز تلك الخصائص عبر ما يلي:

1– عمل “أوصياء” القوة عن بعد: ثمة اختلاف رئيسي في عمل القوة الفضائية الأمريكية عن باقي أفرع القوات المسلحة الأمريكية، وهي أن أوصياء قوة الفضاء “Space Force Guardians” يعملون وهم يبتعدون لمسافات بعيدة عن الخطوط الأمامية للصراعات التي يخوضونها. وكان نائب الرئيس الأمريكي السابق “مايك بنس”، قد أعلن، في 19 ديسمبر 2020، عن أن أعضاء قوة الفضاء الأمريكية سيطلق عليهم اسم “الأوصياء”؛ وذلك في الذكرى السنوية الأولى لتأسيس القوة الفضائية.

وأضاف “بنس” حينها أن “قوة الفضاء، تضم الآن 2000 عنصر عسكري، وأن 3600 ضابط آخرين قد ملؤوا الأوراق اللازمة للانتقال إلى فرع الفضاء التابع للجيش”، مشيراً إلى أنه يتوقع الحصول على 6000 فرد في فترة قصيرة جداً. جدير بالذكر أن قوة الفضاء الأمريكية تعتبر أصغر فرع في فروع القوات المسلحة الأمريكية؛ حيث أشارت بعض التقارير الأمريكية، مطلع أغسطس 2021، إلى أنها تزيد قليلاً في الوقت الحالي عن 5 آلاف عضو.

2– الاعتماد على الأشعة تحت الحمراء: أشار تقرير صادر عن شبكة “سي إن إن” الأمريكية، في 7 أغسطس 2021، إلى أن قوة الفضاء الأمريكية تعتمد بصورة رئيسية في عملها على مستشعرات الأشعة تحت الحمراء. ونوه التقرير بأن “الأوصياء” يستخدمون هذه الأشعة في مركز التحكم الرئيسي للقوة الفضائية الأمريكية في قاعدة “باكلي” للقوة الفضائية في أورورا بكولورادو؛ وذلك خلال قيادتهم أقمار الإنذار الصاروخي “missile warning satellites” في البلاد. وحسب تقرير سي إن إن، تقوم الأقمار الصناعية، التي تدور حول 22000 ميل فوق الأرض، بمسح كوكب الأرض على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع باستخدام مستشعرات الأشعة تحت الحمراء.

3– التمهل في الرد على التهديدات: يبدو من تصريحات كبار القادة في قوة الفضاء الأمريكية أن تلك القوة تتمهل كثيراً قبل أن تضطر في النهاية إلى الرد على تهديدات المنافسين في ساحة الفضاء، وهو ما يعني أن هناك سياسة متدرجة تتبعها قوة الفضاء الأمريكية قبل أن تلجأ إلى الخيارات العسكرية. ويدل على ذلك تصريحات صدرت مؤخراً عن قائد قوة “سبيس دلتا 8” الكولونيل “ماثيو هولستون”، أشار خلالها إلى أن الجانب الأمريكي يقوم في البداية بمحاولة اتباع سياسة الردع في الفضاء، وإن فشل الردع تقوم القوات المعنية باتباع خيارات صلبة للفوز بالصراع.

أهداف رئيسية

أقدم الجانب الأمريكي على إنشاء القوة الفضائية في ظل وجود قناعة بأن الصراع في الفضاء لا يقل خطورةً عن أي ساحة صراع عسكري أخرى. من هذا المنطلق، تتمثل أبرز الأهداف التي شُكلت من أجلها القوة الفضائية الأمريكية في:

1– التصدي لتهديدات الخصوم في الفضاء: يؤمن المسؤولون الأمريكيون بأن الحديث عن أن الفضاء ساحة صديقة ومسالمة عفا عليه الزمن، خاصةً مع تصاعد التهديدات التي يقوم بها خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، في تلك الساحة، بحيث أصبح لدى الجانب الأمريكي قناعة بأن حروب المستقبل ستدور بصورة أساسية في الفضاء.

وسبق أن وجهت الولايات المتحدة اتهامات صريحة إلى الجانبين الروسي والصيني، بمحاولة تدمير الأقمار الصناعية الأمريكية، على غرار اتهامها لموسكو في يوليو 2020 باختبار سلاح فضائي وإطلاق جسم بالقرب من قمر صناعي أمريكي. ويتسق مع ذلك المخاوف التي يبديها الجانب الأمريكي باستمرار من إطلاق موسكو وبكين أقمارًا صناعية بهدف القيام بأعمال عدائية.

ويُشار في هذا الصدد إلى تصريحات مدير قيادة عمليات الفضاء اللفتنانت كولونيل “جيفري ويسلر”، مطلع أغسطس 2021، والتي قال خلالها: “لدينا خصوم ومنافسون محتملون في مجال الفضاء”، مشيراً إلى أن “هذا المجال أصبح متنازعاً عليه وأكثر ازدحاماً، وفي بعض الحالات مجالاً معادياً للغاية”. وأضاف “ويسلر”: “على مدى السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، لقد رأينا كلاًّ من روسيا والصين تجلبان قدرات جديدة.. إنهم عدوانيون بطبيعتهم”.

2– إحداث تكامل عملياتي مع فروع القوات الأمريكية: بجانب المهمة الرئيسية للقوة الفضائية الأمريكية –وهي التصدي للتهديدات الموجهة ضد المصالح الأمريكية في الفضاء– تقوم القوة بدعم عمل فروع القوات الأمريكية المنتشرة على سطح كوكب الأرض.

ويتمثل المثال الأشهر على ذلك في توجيه القوة الفضائية في يناير 2020 تحذيراً سريعاً للقوات الأمريكية في العراق بعد تمكن الأقمار الصناعية من رصد صواريخ إيرانية موجهة ضد قاعدة عين الأسد، التي توجد فيها قوات أمريكية، وبذلك تمكنت القوة الفضائية من إنقاذ الأمريكيين الموجودين في القاعدة.

3– السعي إلى الهيمنة على “الاقتصاد الفضائي”: تستهدف واشنطن الاعتماد على القوة الفضائية المُشكَّلة حديثاً للهيمنة على ما بات يُعرف بـ”الاقتصاد الفضائي”، خاصةً أن بعض التقديرات تشير إلى أن الاقتصاد الفضائي العالمي سيصل إلى تريليون دولار في غضون عقدين من الزمن، في ضوء التنافس المحموم بين واشنطن وخصومها في ساحة الفضاء.

ويُشار، في هذا الإطار، إلى أنه باتت تُطرح على مدار العامين الماضيين تساؤلات من قبيل من ستكون له السيادة على “الاقتصاد الفضائي”؛ وذلك في ضوء اعتماد الكثير من مظاهر الحياة اليومية على بعض وظائف الفضاء، مثل الأقمار الصناعية الخاصة بالطقس، والأبراج التي تحدد المواقع “GPS”، ومشاهدة التلفاز عبر الأقمار الصناعية.

وإجمالاً، فإن من الواضح أنه رغم النشأة الحديثة للقوة الفضائية الأمريكية، فإن تلك القوة باتت من أهم فروع القوات المسلحة الأمريكية؛ وذلك في ضوء الدور المحوري الذي تلعبه للدفاع عن الأمن القومي الأمريكي. ويعكس اهتمامَ واشنطن الحالي بالقوة الفضائية، والسعي إلى زيادة حجمها وقدراتها وحدود انتشارها، اليقينُ الأمريكي بأن حروب المستقبل ستدور بصورة رئيسية في الفضاء.


https://www.interregional.com/%d8%ad%d8%b1%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84/