حسابات مشجعة:

لماذا تواصل تركيا التعويل على الأداة العسكرية في الصراعات الخارجية؟
حسابات مشجعة:
20 يناير، 2022

تواصل أنقرة التعويل بقوة على الأداة العسكرية في الصراعات الخارجية التي تنخرط فيها، ويعبر عن ذلك التحركات العسكرية المكثفة في شمال سوريا، والضربات الجوية المستمرة في الشمال العراقي، واستمرار إرسال المرتزقة السوريين إلى ليبيا. ويأتي استمرار التعويل التركي على الأداة العسكرية في الصراعات الخارجية على الرغم من أن السياقات الحالية لا تشجع على استخدام هذه الأداة بالوتيرة التي كانت موجودة في فترات سابقة. وتتمثل أبرز هذه السياقات في معاناة الاقتصاد التركي من أزمة غير مسبوقة، والمصالحات التركية مع الدول الرئيسية في الإقليم، وارتفاع الخسائر البشرية للقوات التركية في الخارج. ويمكن فهم الإصرار التركي على استخدام الأداة العسكرية كوسيلة رئيسية لتحقيق أجندة أنقرة الإقليمية من خلال مجموعة من العوامل، يأتي على رأسها رغبة أنقرة في التصدي لخطر الأكراد الوجودي بالنسبة إلى تركيا، وتحرُّك تركيا للحفاظ على حقوق تاريخية مزعومة. ويُضاف إلى ذلك الرغبة التركية في تحقيق مكاسب اقتصادية، واستنساخ النموذج الإيراني بشأن الميليشيات، وترسيخ فزاعة الدور العسكري الذي لا يُقاوم.

مظاهر كاشفة

ولعل المؤشر الأحدث على ذلك هو تصريحات وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، يوم 11 يناير 2022، التي هدد خلالها بأن بلاده ستُصعِّد هجماتها خارج حدودها في الفترة القادمة. وفي هذا الإطار، يمكن استعراض المؤشرات الدالة على مواصلة تركيا التعويل بقوة على الأداة العسكرية في الخارج؛ وذلك من خلال ما يلي:

1– التحركات العسكرية المكثفة في شمال سوريا: لا تزال وتيرة الأنشطة العسكرية التركية في الشمال السوري عالية، ويدلل على ذلك الاستهداف التركي المكثف لوحدات حماية الشعب الكردية التي تشكل المكون الأكبر ضمن قوات سوريا الديمقراطية “قسد”؛ حيث تعلن وزارة الدفاع التركية على نحو شبه يومي عن نجاح القوات التركية في قتل عناصر كردية، فضلاً عن استمرار تسبب الهجمات التركية في شمال سوريا في تخريب منشآت مدنية، على غرار خروج محطة كهرباء تل تمر في محافظة الحسكة من الخدمة نتيجة قصف تركي.

كما تواصل أنقرة القيام بأنشطة عسكرية في محافظة إدلب في شمال وشمال شرق سوريا. وتتمثل آخر المؤشرات التي تبرز ذلك في إنشاء القوات التركية نقطة عسكرية جديدة في إدلب في 8 يناير 2022. ويُضاف إلى ذلك كشف تقارير في 9 يناير 2022 عن قيام ضباط أتراك بتدريب مقاتلين سوريين على كيفية استخدام أسلحة الدفاع الجوي في إدلب. ويعني التصعيد التركي أن اتفاقات أنقرة مع موسكو بشأن الشمال السوري غير مفعلة حتى الآن، وأنها منتهية عملياً. جدير بالذكر أن الطرفين كانا قد توصلا في 22 أكتوبر 2019 إلى اتفاق هدنة في شمال شرق سوريا، كما توصلا في 5 مارس 2020 إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا.

2– الضربات الجوية المستمرة في الشمال العراقي: واصل سلاح الجو التركي تنفيذ ضربات في شمال العراق في الفترة الأخيرة بدعوى التصدي لنشاطات حزب العمال الكردستاني. ويدلل على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، إعلان وكالة الأناضول التركية، يوم 29 ديسمبر 2021، عن قتل القوات التركية تسعة عناصر في حزب العمال الكردستاني من جراء عملية نفذتها في شمال العراق. ويُشار في هذا الصدد إلى أن وزير الدفاع التركي صرح، في 9 يناير 2022، بأن “القوات التركية ستعمل على مواجهة الإرهابيين في أماكن وجودهم بسوريا والعراق، دون أن تضر بوحدة أراضي الدولتين”، وأشار إلى أن بلاده “استطاعت، على مدار سبع سنوات خلت، تحييد أكثر من 33 ألف إرهابي، بالإضافة إلى 2795، في عام 2021 لوحده”.

3– استمرار إرسال المرتزقة السوريين إلى ليبيا: على الرغم من التقارير التي أشارت مؤخراً إلى قيام تركيا بسحب مرتزقة سوريين كانت قد أرسلتهم إلى ليبيا، على غرار تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان، يوم 17 نوفمبر الماضي، الذي أشار إلى أن أنقرة سحبت 140 مقاتلاً من ليبيا وأعادتهم إلى سوريا؛ فإن تقارير أخرى كشفت عن إرسال تركيا مقاتلين جدداً. ويدلل على ذلك تأكيد تقرير للمرصد السوري، يوم 22 نوفمبر 2021، أن تركيا أرسلت إلى ليبيا 150 مرتزقاً من لواء السلطان مراد، وفرقة الحمزة، وجماعات الجيش الوطني السوري التابعة لأنقرة. ويعني هذا الأمر أن تركيا حريصة على إبقاء أداتها العسكرية الرئيسية في ليبيا، وهي المرتزقة السوريون، وإحلال العناصر الموجودة هناك بعناصر أخرى قد تكون أكثر كفاءة قتالية.

سياقات معاكسة

ويأتي استمرار التعويل التركي على الأداة العسكرية في الصراعات الخارجية على الرغم من أن السياقات الحالية لا تشجع على استخدام هذه الأداة بالوتيرة التي كانت موجودة في فترات سابقة. ويمكن توضيح هذه السياقات من خلال ما يلي:

1– معاناة الاقتصاد التركي من أزمة غير مسبوقة: توقع البعض مؤخراً أن تقلص أنقرة انخراطها العسكري في الخارج، في ضوء ارتفاع التكاليف الاقتصادية لهذا الانخراط؛ وذلك بالتزامن مع معاناة الاقتصاد التركي من أزمة غير مسبوقة تمثلت أبرز مؤشراتها في انهيار قيمة الليرة التركية؛ حيث صُنف عام 2021 بأنه الأسوأ بالنسبة إلى العملة التركية في تاريخها. وانخفضت الاحتياطيات التركية من النقد الأجنبي إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2002، كما أظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي يوم 30 ديسمبر الماضي، وتراجعت الثقة بالاقتصاد التركي في ديسمبر بـ1.8%على أساس شهري.

2– المصالحات التركية مع الدول الرئيسية في الإقليم: أوحت المصالحات التي قامت بها تركيا مع عدد من الدول الرئيسية في الإقليم، وعلى رأسها مصر والإمارات والسعودية، انطباعاً لدى الكثيرين بأن التحولات التي شهدتها السياسة التركية ستقود إلى تقليص أنقرة انخراطها العسكري الخارجي، والتركيز على خلق مكاسب مشتركة من الفرص التعاونية التي ستنتج عن المصالحات، على اعتبار أن التدخلات العسكرية لتركيا في دول مثل سوريا والعراق وليبيا تعد من النقاط الرئيسية الخلافية بين أنقرة وكل من القاهرة وأبو ظبي والرياض، وهو ما لم يحدث. ويُشار في هذا الصدد إلى أن تركيا تحاول كذلك تحسين علاقتها بالنظام السوري. ويدلل على ذلك التقارير التي كشفت مؤخراً عن لقاءات جمعت مسؤولين أمنيين سوريين بنظرائهم الأتراك في الأردن.

3– ارتفاع الخسائر البشرية للقوات التركية في الخارج: على الرغم من حرص أنقرة على ألا يلعب الجنود الأتراك دوراً محورياً في المناطق التي تنخرط فيها تركيا عسكرياً؛ لتجنب انتقادات المعارضة حال تعرضت القوات التركية لخسائر بشرية كبيرة؛ فإن الفترة الأخيرة شهدت خسائر بشرية كبيرة لتركيا، على غرار ما هو حاصل في سوريا والعراق. وتتمثل آخر المؤشرات الدالة على ذلك في مقتل ثلاثة جنود أتراك على الشريط الحدودي مع سوريا يوم 8 يناير 2022، كما قُتل ثلاثة جنود أتراك في هجوم لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق في 9 ديسمبر 2021، فضلاً عن تعرض قاعدة زليكان التركية في شمال العراق لهجمات متواصلة كان آخرها يوم 15 يناير 2022.

عوامل مفسرة

ويمكن فهم الإصرار التركي على استخدام الأداة العسكرية كوسيلة رئيسية لتحقيق أجندة أنقرة الإقليمية من خلال مجموعة من العوامل يمكن استعراض أبرزها عبر ما يلي:

1– التصدي لخطر الأكراد الوجودي بالنسبة إلى تركيا: تستخدم تركيا الأداة العسكرية في سوريا والعراق لمنع أي إمكانية لنجاح أكراد البلدين في إقامة دولة مستقلة، على اعتبار أن ذلك يعتبر تهديداً وجودياً للدولة التركية؛ بسبب الطموحات الانفصالية المحتمل بروزها لأكراد تركيا، بما يهدد وحدة الأراضي التركية. وبجانب هذا الهدف الرئيسي، تتمثل أهم دوافع أنقرة لقتال الأكراد في كل من سوريا والعراق في استكمال الحرب التركية ضد أكراد الداخل، والرغبة في تثبيت الخطر الكردي في أذهان الرأي العام التركي، على اعتبار أن قتال الأكراد استراتيجية دائمة يلجأ إليها النظام الحاكم بتركيا لتثبيت أركان حكمه داخلياً، ومنع أي احتمالية لحدوث اتصال جغرافي بين أكراد سوريا والعراق.

2– التحرك للحفاظ على حقوق تاريخية مزعومة: ثمة حقوق تاريخية مزعومة في بعض الدول التي تتدخل فيها تركيا عسكرياً، وتفسر هذه الحقوق المزعومة إصرار أنقرة على استخدام الأداة العسكرية في تلك الدول، رغم أن الظروف التركية قد لا تكون مواتية لاستخدام هذه الأداة. وعلى سبيل المثال، تدعي تركيا أن لها حقوقاً تاريخيةً في مدينة الموصل، وهو ما يفسر وجود قاعدة عسكرية في منطقة بعشيقة في الموصل. وينطبق الأمر ذاته على مدينة كركوك التي تُوليها أنقرة أهمية خاصة. وبالنسبة إلى حالة سوريا، فقد ادعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من قبل أحقية بلاده في التدخل العسكري فيها بموجب اتفاقية أضنة الموقعة مع دمشق في 1998، فضلاً عن رغبة أنقرة في إنهاء الجدل المرتبط بضمها لواء إسكندرون، كما تزعم أنقرة أن لها حقوقاً تاريخيةً في ليبيا منذ زمن الدولة العثمانية.

3– الرغبة التركية في تحقيق مكاسب اقتصادية: برغم أن الأوضاع الاقتصادية التركية الحالية لا تتسق مع نمط التدخل العسكري التركي الحالي في الخارج، فإن هذا التدخل حقق لأنقرة بعض المكاسب الاقتصادية. ويدلل على ذلك الأنشطة الاقتصادية الواسعة التي تقوم بها تركيا في الشمال السوري، سواء بشكل مباشر من خلال الشركات والهيئات التركية الرسمية وغير الرسمية، أو غير مباشر من خلال الأنشطة الاقتصادية التي تقوم بها الفصائل الموالية لها، كما تتطلع أنقرة إلى تعزيز روابطها الاقتصادية بالشمال العراقي، على غرار مسعاها إلى استكمال خط السكة الحديدية الرابط بين الموصل وتركيا ومشروع الربط الكهربائي. وترى العديد من الأوساط أن انخراط تركيا القوي في ليبيا يستهدف تحقيق مكاسب اقتصادية في ليبيا المستقبل، وتحديداً من بوابة إعادة إعمار البلاد.

4– استنساخ النموذج الإيراني بشأن الميليشيات: تعتبر إيران النموذج الأبرز في منطقة الشرق الأوسط في توظيف وكلاء لها في بؤر الصراعات والأزمات التي تنخرط فيها، مثلما هو الحال في العراق وسوريا واليمن ولبنان؛ وذلك من خلال اعتمادها على الميليشيات والأدوات التابعة لها للقتال ومحاولة لعب دور في تلك الصراعات والأزمات. ومن ثم، يبدو أن النموذج الإيراني يستهوي الجانب التركي الذي حرص على تقليد هذا الأمر في الصراعات التي تنخرط فيها تركيا، من خلال تأسيس ميليشيات تابعة لها. وقد نجحت تركيا في هذا الأمر إلى حد كبير في الحالة السورية؛ حيث تمكنت من تجنيد مرتزقة سوريين وتوظيفهم لصالحها، ليس في سوريا فقط، بل في الصراعات الخارجية التي تنخرط فيها كما هو الحال في ليبيا، بل برز حديث سابق عن استخدام أنقرة هؤلاء المرتزقة في الصراع حول إقليم ناجورنو كاراباخ.

5– ترسيخ فزاعة الدور العسكري الذي لا يُقاوم: تحاول تركيا، من خلال تدخلاتها العسكرية الواسعة،
 ترسيخ فزَّاعة لدى صناع القرار في الإقليم، مضمونها أن تركيا دولة لا يستطيع أحد ردعها عن التحرك العسكري؛ وذلك لكثرة تدخلاتها العسكرية في ملفات وأزمات المنطقة. ويدفع هذا الأمر بعض دول المنطقة إلى الاستسلام لتلك الفزاعة فتلزم الصمت أمام التحركات العدوانية التركية. ولعل أبرز الأمثلة المُعبِّرة عن ذلك تلاشي الانتقادات العراقية الرسمية تقريباً أمام العمليات العدوانية لتركيا في شمال العراق.

مكانة منشودة

وختاماً، من الملاحظ أن السياسة الخارجية التركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص تجاه الملفات السورية والعراقية والليبية؛ باتت تركز على الأدوات العسكرية بدرجة أساسية. ويأتي التوظيف المتصاعد من جانب تركيا للأداة العسكرية في أزمات وصراعات المنطقة، في إطار الطموحات التركية للهيمنة وخلق مكانة في النظام العالمي الحالي. ومن الواضح أن الصراعات والبؤر التي تتدخل فيها تركيا بأدواتها المختلفة، وعلى رأسها الأداة العسكرية، تقل فيها فرص الحل السياسي بدرجة ملحوظة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b4%d8%ac%d8%b9%d8%a9/