خطة التعافي:

كيف سيتعامل "ماكرون" مع التحديات الاقتصادية؟
خطة التعافي:
29 أبريل، 2022

تعهد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، في أعقاب تفشي جائحة كوفيد-19، بحماية الاقتصاد الفرنسي من تبعات الوباء مهما كانت التكلفة، ومع تعافي اقتصاد فرنسا بشكل تدريجي من التداعيات السلبية للجائحة، بات يتمتع الرئيس الفرنسي بدعم شعبي كبير، في ظل وجود مؤشرات على التعافي والانتعاش الاقتصادي في فرنسا. لكن بالرغم من ذلك، فإن ثمة مؤشرات أخرى تقول إن الرئيس الفرنسي المُعاد انتخابه حديثاً بصدد تحديات اقتصادية ليست باليسيرة، وهو ما يتطلب بدوره سعياً دؤوباً نحو إيجاد حلول فعالة للتعامل مع تلك الملفات، خاصة مع ارتباطها بمواقف فرنسا السياسية ذات الصلة بمواقف الاتحاد الأوروبي، الذي وقّع مؤخراً عقوبات اقتصادية ضد روسيا، في أعقاب التدخل العسكري في أوكرانيا. وفور إعادة انتخاب إيمانويل ماكرون بدأت التساؤلات تُثار حول مدى قدرة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” على إدارة الملفات الاقتصادية المنتظرة في ظل التحديات الراهنة.

مؤشرات متفاوتة

بينما تتجه بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي في فرنسا نحو التعافي، فإن هناك مؤشرات أخرى لا تزال تمثل ثغرات في الاقتصاد الفرنسي، ويتضح ذلك جلياً من خلال الآتي:

1– انتعاش النمو الاقتصادي: تُظهر أحدث البيانات حول وضع الاقتصاد الفرنسي على منصة Trading Economics، انتعاشاً كبيراً في الاقتصاد الفرنسي، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي السنوي من 3.5 % في ديسمبر من عام 2020 إلى 5.4 % في الحادي والعشرين من ديسمبر 2021، فيما ظلت العملة الفرنسية محافظة على استقرارها، رغم التداعيات السلبية لكوفيد-19على الاقتصاد الفرنسي. ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للنصف الأول من عام 2022 بنحو 3.2%، بعد نمو سنوي بنحو 7% في عام 2021، وهو ما يعد رقماً غير مسبوق منذ 52 عاماً، بعد الانكماش التاريخي الذي واجهه الاقتصاد الفرنسي في عام 2020 جرّاء الجائحة.

2– انخفاض في معدل البطالة: تشير البيانات المتاحة على منصة Trading Economics، إلى انخفاضٍ في معدل البطالة من 8% في عام 2020 إلى 7.4% في الربع الأخير من عام 2021، وهو مستوى لم تشهده فرنسا منذ عام 2008. وربما يعود ذلك في جانب كبير منه إلى إصلاحات ماكرون خلال فترة ولايته السابقة، والتي يأتي على رأسها خفض ضريبة الشركات من 33.3% إلى 25%، وكذلك سعيه للضغط من أجل تغيير قانون العمل الفرنسي ليسهل على الشركات فصل العمالة الزائدة. صحيح أن هذا الأمر خلق نوعاً من انعدام الأمان الوظيفي لدى العمال، غير أنه ساهم في توفير سوق عمل أكثر حيوية عبر تشجيع الشركات على توظيف الأفراد طالما هناك مجال لفصلهم إذا ما تطلبت الحاجة فعل ذلك.

3– تحسن القوة الشرائية: وفق تقرير صادر عن معهد السياسات العامة “IPP”، حول القدرة الشرائية للفرنسيين خلال ولاية الرئيس “إيمانويل ماكرون” الأولى، فإن القدرة الشرائية تحسنت لدى الفرنسيين بنسبة 1.6% عن عام 2017، نظراً لزيادة دخل الأسر بمعدل 397 يورو. فعلى مدار السنوات الخمس الماضية، استفادت الأسر بحوالي 28.1 مليار يورو نتيجة التخفيضات الضريبية، غير أن الإنفاق الاجتماعي انخفض في المقابل بمقدار 4.2 مليار يورو، والذي يأتي عادة في صورة تأمين مساعدات البطالة والسكن. وهو ما أدى إلى تضرر الطبقة الأكثر فقراً بين الفرنسيين، التي تعيش بأقل من 800 يورو شهرياً، إذ خسرت بفعل ذلك حوالي 0.5 %من قدرتها الشرائية مع تراجع في دخلها السنوي بنحو 39 يورو.

4– ارتفاع معدل التضخم: رغم المؤشرات الإيجابية السابقة، فإن الاقتصاد الفرنسي يواجه ارتفاعاً في معدل التضخم، من 3.6% في مارس 2021 إلى 4.5 % في مارس من العام الجاري، وهو أعلى مستوى للتضخم في فرنسا منذ ثمانينيات القرن الماضي، بحسب البيانات الواردة على منصة Trading Economics.

إذ تُظهر البيانات نمطاً صعودياً للتضخم منذ الصيف الماضي، غير أنه عند مقارنة معدل التضخم في فرنسا بالدول الأوروبية الأخرى، نجده أحد أقل معدلات التضخم فيما بينها. فبينما يبلغ التضخم في ألمانيا نحو 7.3%، فإن المعدل قد بلغ في إسبانيا 9.8%. وبحسب تصريح وزير الاقتصاد الفرنسي “برونو لومير”، في الثاني والعشرين من أبريل 2022، فإنه من المتوقع أن يظل التضخم الفرنسي مرتفعاً في عام 2022، وقد أرجع الوزير السبب في ذلك إلى أزمة الطاقة الأوروبية والارتفاع في أسعار النفط والغاز الطبيعي والكهرباء. فيما يُرجّح أن يتباطأ المعدل تدريجياً في عام 2023، حينما يكون العرض قابلاً للتغير وفقاً للطلب على الطاقة.

5– زيادة العجز التجاري والدين العام: تعد مؤشرات العجز التجاري والدين العام في فرنسا من المؤشرات الاقتصادية المقلقة، فبينما زاد العجز التجاري من 7.9 مليارات يورو في فبراير من العام الماضي إلى 10.3 مليارات يورو في فبراير 2022، فإن نسبة الدين العام الفرنسي إلى الناتج المحلي الإجمالي قد ارتفعت كذلك على نحو كبير من 98% في عام 2019 إلى 116% في 2021.

ملفات اقتصادية منتظرة

وفق الخبيرة الاقتصادية “سيلين أوزيورت”، فإن الانتعاش في الاقتصاد الفرنسي كان مدفوعاً بشكل رئيسي بالإنفاق العام والاستثمار، حتى إن النمو في الاستثمارات جاء مرتبطاً كذلك بدعم الدولة عبر تقديمها القروض وتصميمها صندوق للتضامن. في المقابل، هناك عدد من الملفات والتحديات الاقتصادية الطارئة، على طاولة الرئيس الفرنسي، نستعرضها فيما يأتي:

1- معضلة التضخم والقوة الشرائية: بالرغم من التحسن في القوة الشرائية كما سبق أن ذكرنا، عبر تسجيله زيادة بنحو 4.8% في عام 2021، ارتفاعاً عن -7.2% في عام 2020؛ إلا أن القوة الشرائية في عام 2021 -رغم التحسن- تظل أقل من متوسطها في عام 2019. ولعل ذلك التدهور في القوة الشرائية يرتبط إلى حد كبير بارتفاع معدل التضخم، إذ كلما ارتفعت أسعار السلع قلت قدرة المواطنين على الشراء. وذلك الأمر يفرض على الرئيس الفرنسي حتمية التعامل معه بجدية تامة وإيلاءه الألوية الأولى، نظراً لارتباط ذلك بمستوى الرضاء الشعبي عن سياسات ماكرون بعد إعادة انتخابه. وفي سبيل ذلك، من المتوقع أن يسن ماكرون قانوناً استثنائياً لدعم القوة الشرائية، وذلك عبر زيادة معاشات التقاعد، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي، وتقديم مكافآت جديدة معفاة من الضرائب

2– معالجة ملف الضرائب: تمتلك فرنسا قطاعاً حكومياً ضخماً ذا نظام جباية ضريبية، تصل إلى 47% من إجمالي الناتج المحلي الفرنسي، وهي ما تعد نسبة عالية وفقاً للمعايير الدولية. ولعل ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى تدخل الحكومة بانتظام في عمل الاقتصاد؛ غير أن ذلك التشدد في جمع الضرائب سواء من الموردين الأجانب أو القوى العاملة، أسفر عن هرب الفرنسيين للعمل خارج الدولة فراراً من الضرائب المرتفعة والثقافة المناهضة للأعمال وسوق العمل الجامد، حتى وصل عدد الفرنسيين الذين يعملون في لندن وحدها إلى حوالي 250 ألف مواطن فرنسي. وهو ما دفع ماكرون مؤخراً للتوجه نحو خفض الضرائب على الشركات والمواطنين على السواء، وربما يسعى خلال المرحلة المقبلة إلى تقديم مزيد من التخفيضات الضريبية.

3- التوظيف الكامل وخفض البطالة: يرغب الرئيس الفرنسي في تحقيق التوظيف الكامل بنهاية فترة ولايته الجديدة، والوصول إلى معدل بطالة بين 5 % إلى 5.5% انخفاضاً عن معدل البطالة في الوقت الراهن البالغ نسبته 7.4%. ولتحقيق ذلك، كان قد تقدم الرئيس الفرنسي في السابع عشر من مارس الماضي بمقترح يعتزم فيه إنشاء نافذة واحدة للباحثين عن عمل، يتم من خلالها دمج الهيئات المعنية بتقديم الوظائف الشاغرة في منصة واحدة، هذا إضافة إلى عمل إصلاح جديد ومرن للتأمين ضد البطالة، بحيث ينخفض ذلك التأمين في حال كانت هناك وظائف كثيرة شاغرة، ويكون أكثر سخاءً حينما يكون معدل البطالة مرتفعاً.

4– خفض الدين العام والعجز التجاري: أكد إيمانويل ماكرون على طموحه في خفض العجز العام إلى أقل من 3٪ بحلول عام 2027، والبدء في تخفيف أعباء الديون البالغة 116% مقارنة بـ 70 % في ألمانيا. إضافة إلى رغبته في حل مشكلة العجز التجاري الذي وصل إلى 10.3 مليارات يورو، والذي يشير في حقيقة الأمر لوجود مشاكل في القدرة التنافسية الأساسية للسلع الفرنسية.

وهو الأمر الذي يفرض على إيمانويل ماكرون ضرورة العمل على رفع القدرة التنافسية للتجارة الفرنسية، وطرق عدة مسارات يستهدف من خلالها خفض الدين العام وإصلاح حالة الخزينة العامة التي تضررت بشدة بفعل الإنفاق الحكومي الهائل والتخفيضات الضريبية، كأن يسعى لتقليل هيمنة الواردات مقابل تعزيز الصادرات على نحو أكبر، والسعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي كأن يحفز الشركات الفرنسية متعددة الجنسيات على تنمية أعمالها داخل فرنسا، وذلك كي لا يتفاقم الدين العام والعجز التجاري إلى مستوى يصعب السيطرة عليه فيما بعد.

5- تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن روسيا: من المحتمل أن يتأثر الاقتصاد الفرنسي بفعل التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، وذلك نظراً لاعتماد الاتحاد الأوروبي ومن بينه فرنسا على الغاز الروسي بدرجة كبيرة، يأتي ذلك تزامناً مع أزمة الطاقة التي تكابدها أوروبا منذ مطلع العام الماضي، وهو ما يفرض على الرئيس ماكرون حتمية السعي نحو إيجاد بدائل للطاقة الروسية، للتحرر من ورقة الغاز التي تضغط من خلالها روسيا على فرنسا.

وفي ذلك الإطار، أعلن إيمانويل ماكرون عن نيته إعادة إطلاق برنامج نووي بستة مفاعلات من الجيل الجديد EPR2، بيد أن تلك الخطوة تنطوي على مخاطر مالية كبيرة، فرغم كونه مشروعاً طويل الأجل لن ينتهي خلال فترة ولايته الجديدة؛ إلا أن تكلفة المفاعلات الستة ستتطلب أكثر من مليار يورو على المدى القصير، كما سيتطلب الأمر إثبات مدى قدرة قطاع الطاقة الفرنسي على تنفيذ مثل ذلك البرنامج، خاصة بعد تجاوزات المفاعل النووي الثالث EPR في موقع Flamanville، الواقع على الطرف الغربي من منطقة نورماندي في شمال فرنسا.

6– دعم إعادة التصنيع: في إطار سعي ماكرون للاستمرار في خفض ضرائب الإنتاج، ولا سيما من خلال إلغاء الضرائب على القيمة المضافة لجميع الشركات؛ فإن ماكرون يرغب كذلك في تشجيع إعادة التصنيع في الدولة، والتي بدأت بالكاد خلال فترة السنوات الخمس السابقة، في مجالات الهيدروجين الأخضر والمركبات الكهربائية، وإزالة الكربون من صناعة الصلب، وأعمال الأسمنت. لكن ذلك وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر التوسع والترويج للمشتريات العامة المحلية للدفاع عن كل ما هو “صنع في فرنسا”.

كما سيتطلب التوجه نحو تصنيع الأدوية الحيوية، إلى استثمارات ضخمة، من المرجح أن يأتي جزء منها من خطة فرنسا 2030 التي تم إطلاقها قبل الانتخابات، وهو ما يضع الرئيس الفرنسي أمام تحدٍّ حول مدى قدرته على تنفيذ خططه الخاصة بالتصنيع.

إجمالاً، رغم تحسن الاقتصاد الفرنسي وخطواته الفعلية نحو التعافي تدريجياً من تداعيات جائحة كورونا السلبية؛ إلا أنه لا يزال يواجه تحديات أخرى تتمثل في ارتفاع التضخم جرّاء أزمة الطاقة في أوروبا، وتضخم الدين العام، وكذلك عجز الميزان التجاري، مما يلقي على عاتق الرئيس الفرنسي المُعاد انتخابه مسؤولية النظر في تلك الملفات، ووضعها على رأس أولويات سياساته الاقتصادية، في ظل الحرب الجارية في أوكرانيا التي زادت الوضع تعقيداً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ae%d8%b7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%81%d9%8a/