ما بعد الدبلوماسية:

خيارات التعامل الأمريكي مع احتمالات إخفاق مباحثات فيينا في 2022
ما بعد الدبلوماسية:
19 ديسمبر، 2021

تكشف المسارات المتعلقة بالإطار التفاوضي المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، عن إمكانية فشل المحادثات، خاصةً في ظل مماطلة طهران وإصرارها على رفع كافة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وهو ما يطرح تساؤلاً متعلقاً بالسيناريوهات البديلة للخيار الدبلوماسي الذي تتبناه إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، التي تشمل التصعيد العسكري، أو الموافقة على هجوم إسرائيلي ضد إحدى المنشآت النووية الإيرانية، أو تعزيز قدرات الردع الأمريكية داخل منطقة الشرق الأوسط، وبناء شراكات إقليمية متعددة الأطراف، أو التوصل إلى اتفاق قصير الأجل بخصوص برنامج إيران النووي، أو استمالة روسيا والصين للاصطفاف بجانبها والضغط بدرجة أكبر على طهران لدفعها نحو التوقيع على اتفاق جديد، في ظل تخوفات من احتمالية حدوث سباق تسلح نووي غير مسبوق داخل المنطقة، ومن ثمَّ حدوث المزيد من الاضطرابات في حال اختلت موازين القوى لصالح أحد الأطراف دون الأخرى.

وفي هذا الإطار، أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، خلال وجوده في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، أن الولايات المتحدة الأمريكية تتشاور مع حلفائها لصياغة خطط يتم تنفيذها في حال فشلت مفاوضات فيينا، التي تم استئناف جولتها السابعة في 29 نوفمبر الماضي من أجل عودة طهران إلى الالتزام مجدداً ببنود الاتفاق النووي لعام 2015، مشيراً إلى أن إيران تعمل على إهدار الوقت أثناء المفاوضات، وأن من المرجح الفشل في العودة إلى الاتفاق الذي سمح برفع أغلب العقوبات المفروضة على طهران مقابل التزامها بسلمية برنامجها النووي.

عقبات عديدة

أدى انسحاب الإدارة الأمريكية السابقة بصورة أحادية من الاتفاق النووي، إلى جملة من العقبات التي تعوق جهود الإدارة الأمريكية الحالية للضغط على إيران للعودة مجدداً إلى الالتزام بالاتفاق، ومن أبرزها ما يلي:

1– رفع إيران طاقة عمل برنامجها النووي: بعدما انسحب الرئيس السابق ترامب من الاتفاق النووي، وقام بفرض عقوبات اقتصادية صارمة على طهران، في إطار استراتيجية “الضغوط القصوى” عليها؛ اتجهت الأخيرة إلى تكثيف العمل على برنامجها النووي، حتى إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أعلنت امتلاك إيران في العام الماضي 12 ضعف كمية اليورانيوم المخصَّب المسموح بها بموجب اتفاق عام 2015، فضلاً عن قيامها بتخصيب اليورانيوم حتى درجة نقاء 60٪؛ أي أقل بقليل من الدرجة اللازمة لصنع أسلحة نووية (90٪)؛ ما يعني اقتراب طهران من صنعها، وإن كانت ستستغرق وقتاً.

2– تباين الداخل الأمريكي حول الاتفاق: تتعرض إدارة الرئيس بايدن لضغوط من المشرعين الأمريكيين الذين لا يتفقون على نهج موحد إزاء التعامل مع إيران، ويريدون عرض أي اتفاقية تنجح الإدارة في الوصول إليها على الكونجرس ليتم التصويت عليها، لتتحول إلى معاهدة لا يمكن لأي رئيس التملص منها لاحقاً، بشرط أن تكون تلك الاتفاقية تراعي كافة المعايير التي تضمن تقويم سلوك إيران داخل منطقة الشرق الأوسط. وهو أمر من شأنه أن يعوق الإدارة الحالية عن التوصل إلى اتفاق تتم الموافقة عليه على المدى القصير، بما يعني استمرار طهران في أنشطتها النووية.

3– تراجع الدعم الشعبي لبايدن: يتعرض بايدن وإدارته الديمقراطية للانتقادات منذ الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان في 31 أغسطس الفائت؛ لذلك تراجعت مؤشرات الرضا عن أداء الرئيس بايدن في استطلاعات الرأي العام الأمريكية، وهو الأمر الذي قد يقوض سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2022، كما أنه قد يقوض فرص الديمقراطيين في الفوز بالانتخابات الرئاسية لعام 2024 كذلك، وهو ما يعني عدم ثقة النظام الإيراني بالتوصل إلى اتفاق جديد مع الإدارة الحالية التي من الممكن أن تخسر الانتخابات، لتأتي إدارة أمريكية جديدة تتملص من الاتفاقية، وتفرض العقوبات على طهران من جديد.

4– رفض إسرائيلي لأي اتفاق جديد: ترفض إسرائيل عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي لعام 2015، وتتحفظ على النهج الأمريكي في التفاوض مع إيران؛ لأنها ترى أن أي اتفاق جديد سيجعلها قريبة من مستويات تخصيب اليورانيوم اللازمة لصنع سلاح نووي، كما أنه سيرفع عنها العقوبات، وسيمنحها سيولة أكبر لتمويل أنشطتها المزعزعة للاستقرار داخل المنطقة. ومع ذلك، يرى عديد من المسؤولين الإسرائيليين أن انسحاب الرئيس السابق ترامب من الاتفاق النووي كان خطأً جسيماً.

خيارات محتملة

مع تعثر الخيار الدبلوماسي الذي تتبناه إدارة الرئيس جو بايدن لعودة إيران إلى الالتزام مجدداً بالاتفاق النووي لعام 2015، والإخفاقات المتتالية لجولات مباحثات فيينا غير المباشرة؛ تصاعد الحديث عن الخيارات الأمريكية البديلة، ومن أبرزها ما يلي:

1– التهديد بالخيار العسكري لوقف البرنامج النووي: أكد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، قدرة الولايات المتحدة على نشر “قوة ساحقة” داخل منطقة الشرق الأوسط، للاستعداد لاستخدام القوة العسكرية ضد إيران إذا فشلت المساعي الدبلوماسية في دفعها إلى الالتزام بوقف برنامجها النووي غير السلمي.

2– تعزيز الردع لدى الحلفاء في الشرق الأوسط: من المحتمل أن تتجه الإدارة الأمريكية لتعزيز قدرات الردع لدى حلفائها في المنطقة لتأهيلهم لمواجهة الهجمات الإيرانية المختلفة، خاصةً دول الخليج العربي، وتحديداً السعودية التي تتعرض لهجمات حوثية باستمرار؛ وذلك لأنه سيكون من المتوقع أن تتصرف طهران بصورة أكثر عدائية لإثبات قوتها وترهيب الغرب للموافقة على مطالبها. ومن الممكن أن تقوم الولايات المتحدة بخلق ترتيبات أمنية جديدة متعددة الأطراف بين الدول المتشابهة في التفكير؛ ما سيزيد حجم القوة الشرق أوسطية الرادعة لإيران، مع تقديم واشنطن كافة أنواع الدعم لها بما يعزز قدرتها على ردع إيران ومواجهة التهديدات المشتركة التي تمثلها لأعضاء تلك القوة.

3– السعي الأمريكي للحصول على دعم الخصوم: ستحاول الولايات المتحدة حشد الدول الغربية بجانبها لتشكيل تحالف دولي في مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، على غرار ما فعله الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قبل عام 2015، لكنها ستكون في حاجة ماسة إلى الدعمَين الروسي والصيني. ومن الجدير بالذكر أنه في الوقت الذي أعربت فيه روسيا والصين عن رفضهما برنامج إيران النووي، فإن بكين تعوق العقوبات الأمريكية عبر شرائها النفطَ الإيراني، بغرض دعم إيران، وإبقاء الولايات المتحدة مشغولة بمنطقة الشرق الأوسط، ومن ثم صرفها عن المنافسة الاستراتيجية معها في منطقة آسيا؛ لذلك سيكون من الصعب على واشنطن اكتساب دعم بكين لدفع طهران نحوا التوقيع على اتفاق نووي بشروط جديدة.

4– تنسيق واشنطن مع إسرائيل لضربة جوية: من الممكن أن تتعاون الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، في عمليات قصف المنشآت النووية الإيرانية جوياً، لكن يبدو هذا الخيار غير ناجح، نظراً إلى ضخامة تعداد الشعب الإيراني الذي يصل إلى 85 مليون نسمة، فضلاً عن قوتها التي تفوق قوة العراق وسوريا حينما تم قصف منشآتهما من جانب إسرائيل في عامي 1981 و2007 على الترتيب، إضافة إلى صعوبة تدمير البرنامج النووي الإيراني بسهولة، بالنظر إلى انتشاره عبر عشرات المواقع المخفية المحصنة بنظام دفاع جوي متطور. فإسقاط معمل فوردو المدفون في أعماق الجبل على سبيل المثال، سيتطلب جهاز اختراق الذخائر الضخمة الذي يصل وزنه إلى 30 ألف رطل، وهو جهاز لا تملكه إسرائيل. وبالرغم من قدرة الولايات المتحدة على ضرب تلك المنشآت بنفسها أو تزويد إسرائيل بالقذائف القادرة على ذلك، لكن تلك الخطوة من شأنها أن تعطل استكمال الوصول إلى الأسلحة النووية، لكنها لن تمحو المعرفة النووية التي نجحت طهران في اكتسابها، فضلاً عن أنها ستشجع إيران على الرد بقصف إسرائيل؛ إذ إنها قادرة على إسقاط أكثر من 100 ألف صاروخ عليها، وتدمير منظومتها الصاروخية، وهو أمر لا تسعى إليه واشنطن أو تل أبيب.

5– التوصل إلى اتفاق قصير الأجل: من المحتمل أن تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الوصول إلى اتفاق محدود ومؤقت في إطار مجموعة 5 + 1 التي تضم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الصين وروسيا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، فضلاً عن ألمانيا؛ وذلك بهدف تجميد التقدم النووي الإيراني عند مستواه الحالي، مقابل تخفيف انتقائي للعقوبات على صادرات النفط الإيرانية، وهو اتفاق من شأنه أن يسمح بمزيد من الوقت لطهران والغرب للتفاوض لحين الوصول إلى اتفاق دائم. كما أنه ستعزز شعبية بايدن بين الناخبين الأمريكيين عبر الحديث عن إنجازه المتمثل في منع نشوب صراع جديد في الشرق الأوسط، مع إبقائه على معظم العقوبات على إيران. وفي المقابل، سيمنح نظام إبراهيم رئيسي الفرصة لإرضاء المعارضة الداخلية التي ترفض العودة إلى اتفاقية العمل الشاملة المشتركة؛ حيث ستظل إيران محتفظة بالقدرات النووية التي نجحت في الوصول إليها، وستكون قادرة على دفع الغرب نحو قبول شروطها مستقبلاً.

وإجمالاً، ففي حال فشلت واشنطن وحلفاؤها في الوصول إلى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني؛ سيكون على العالم التعايش مع تجربة جديدة على غرار تجربة كوريا الشمالية التي امتلكت سلاحاً نووياً تهدد به الولايات المتحدة والدول المحيطة بها من حين إلى آخر، وهو ما قد يعني مزيداً من الاضطرابات داخل منطقة الشرق الأوسط، وتغيراً في موازين القوة الإقليمية؛ حيث سيتراجع النفوذ الأمريكي بالمنطقة؛ لذلك سيكون على واشنطن، إذا رغبت في عدم تحقيق هذا السيناريو، التنازل بدرجة ما، والتعاون مع المجتمع الدولي في خطوة جماعية لإرغام طهران على التخلي عن برنامجها النووي غير السلمي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ae%d8%b7%d8%a9-%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a9/