خطر قائم:

لماذا يجب التعامل بجدية مع التهديدات النووية الروسية؟
خطر قائم:
11 مايو، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

في ظل الجدل المثار دوليّاً حول احتمالات توظيف الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، السلاح النووي في الأزمة الأوكرانية، في إطار محاولته حسم الصراع في أوكرانيا؛ اهتمت عدد من المواقع بتناول هذا الخطر؛ حيث نشر موقع “فورين بوليسي”، في 5 مايو 2022، مقالاً للكاتب “ستيفن والت” – وهو كاتب عمود في الموقع وأستاذ بمركز “روبرت ورينيه بيلفر للعلاقات الدولية” في جامعة “هارفارد” – بعنوان “لماذا يجب على واشنطن التعامل بجدية مع التهديدات النووية الروسية؟”، كما نشر موقع “نيكي آسيا” مقالاً للكاتب “أنتوني هولمز” المستشار السابق الخاص لشؤون كوريا الشمالية في مكتب وزير الدفاع الأمريكي من 2017 إلى 2021، بعنوان “علينا الإنصات إلى الطغاة عندما يخبروننا بخططهم”، في 6 مايو 2022.

محفزات نووية

تناول المقالان عدداً من المحفزات التي قد تدفع روسيا إلى استخدام السلاح النووي في أوكرانيا؛ وذلك على النحو الآتي:

1– وفاء الرئيس “بوتين” بتعهداته السابقة: من الاعتبارات التي جعلت الكاتبان يُرجِّحان احتمالية لجوء روسيا إلى الأسلحة النووية، السجل الحافل للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” فيما يتعلق بتنفيذ تهديداته. واستحضر التقرير مشهد عام 2008 عندما تحدثت روسيا بوضوح عن معارضتها عضوية أوكرانيا أو جورجيا في “حلف الناتو”، وأنها ستفعل كل ما في وسعها لمنع أي من الدولتَيْن من الانضمام إلى الحلف، وبالفعل اندلعت الحرب في جورجيا بعد ذلك بوقت قصير، وأدى الصراع المُجمَّد هناك إلى إبقاء عضوية جورجيا في الناتو خارج الطاولة منذ ذلك الحين. وفي عام 2014، أوضحت موسكو مرة أخرى أنها تعتبر الإطاحة بالرئيس الأوكراني “فيكتور يانوكوفيتش” تهديداً خطيراً بالقدر نفسه، وقد ردَّت بالاستيلاء على القرم ودعم انتفاضة انفصالية في دونباس.

وفي عام 2021، ومع تنامي الامتعاض الروسي تجاه الجهود الغربية لتسليح أوكرانيا في إطار التعاون الأمني بين واشنطن وكييف، دفع ذلك الرئيس “بوتين” إلى وضع جيش كبير على الحدود والتهديد بعمل عسكري إذا لم تُعالَج مخاوفه، وهو ما وقع بالفعل، خصوصاً مع رفض واشنطن و”حلف الناتو” إعادة النظر في الالتزام بعدم جعل أوكرانيا عضواً بالحلف.

2– محاولة “كييف” توسيع أهدافها العسكرية: أشار الكاتبان إلى أن النجاح النسبي الذي بدأت أوكرانيا تحققه على أرض المعركة – وهو ما أدى إلى توسيع كييف، ومن خلفها واشنطن، أهدافهما الحربية في الصراع – ربما يكون دافعاً لروسيا للجوء إلى السلاح النووي، خصوصاً مع مواصلة إدارة بايدن ضخ أسلحة متطورة في أوكرانيا، وإمداد كييف بمزيد من المعلومات الاستخباراتية. ولفت الكاتبان إلى أن آمال كييف ارتفعت ووصلت إلى حد الرغبة في استعادة الأراضي التي فقدتها عام 2014، وهو سياق ربما يُحفز الرئيس الروسي على استخدام أسلحة نووية تكتيكية لقلب المعادلات على الأرض، وتغيير موازين القوى لصالح روسيا.

3– إمكانية التصعيد إذا تعذر الحسم تاريخيّاً: يرى الكاتبان أن المُعطَيات التاريخية تُشير إلى أن القادة في الحروب عندما يُعانون من جمود على الأرض، أو بعض الهزائم والتراجع، يلجؤون إلى التصعيد، أيّاً كان شكله، لتحقيق النصر؛ فمثلاً خلال حرب فيتنام، عندما لم تستطع الولايات المتحدة تحقيق النصر، شنت حملة قصف ضخمة بالأسلحة الكيميائية ضد فيتنام الشمالية. ويُعزز إمكانيةَ لجوء روسيا إلى هذا الخيار، عدم تحقيقها النصر حتى الآن، بل بروز مؤشرات على تراجعها ميدانيّاً في مواجهة أوكرانيا.

4– اعتبار التصعيد أكثر جاذبيةً في ظل غياب واشنطن: وفقاً للتقرير، فإن غياب القوات الأمريكية وعدم وجودها في أوكرانيا، اعتبار قد يُحفِّز الرئيس الروسي على استخدام الأسلحة النووية؛ لأن غياب الجيش الأمريكي عن ساحة المعركة سيُجنِّب موسكو الدخول في مواجهة مباشرة ضد الولايات المتحدة التي مهما بلغ حجم رفضها لاستخدام موسكو السلاح النووي ضد أوكرانيا، فإن ردة الفعل في هذه الحالة لن تتساوى مع ردة الفعل حال اللجوء إلى هذا السيناريو في وجود القوات الأمريكية أو ضدها.

سلاح مُستبعَد

لفت التقرير إلى أنه ثمة عوامل قد تدفع إلى استبعاد استخدام السلاح النووي من جانب موسكو؛ وذلك على النحو الآتي:

1– العواقب الكارثية لاستخدام السلاح النووي: أشار “ستيفن والت” إلى أن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” على الرغم من تهديده هو وعدد من المسؤولين الروس بإمكانية استخدام السلاح النووي في أوكرانيا، فإن “بوتين” وأي زعيم عالمي عموماً، لا يمكنه التفكير في استخدام الأسلحة النووية في أي صراع؛ وذلك لما سيترتَّب على ذلك من تداعيات وعواقب وخيمة، سواء على مستوى التعامل الدولي مع روسيا وردود الأفعال، أو على مستوى الدمار والخسائر التي سيُخلفها اللجوء إلى هذا السيناريو.

2– إدراك إدارة “بايدن” الخطر النووي الروسي: حسَب التقرير، يُحسب للإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس “جو بايدن”، أنها مُدركة إلى حد كبير لتداعيات وخطر التصعيد مع روسيا. ويربط التقرير بين ذلك وبين تأكيد الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في أكثر من مناسبة أنه لن يُرسل قوات أمريكية للقتال في أوكرانيا. ويشير التقرير إلى أن هذا النهج دفع باتجاه تقليل خطر التصعيد إلى الحد الأدنى؛ بسبب عدم دخول الجنود الروس في مواجهات ضد نظرائهم الأمريكيين.

3– سعي موسكو إلى الردع بالتهديد بـ”النووي: أشار التقرير إلى أن أحد الأبعاد التي دفعت روسيا إلى عدم اللجوء – حتى الآن – إلى استخدام الأسلحة النووية في الحرب الأوكرانية، هو ماهية التلويح الروسي نفسه باستخدام الأسلحة النووية؛ إذ يرى الكاتبان أن أحد الأبعاد التي يمكن قراءة هذا التلويح في ضوئها، هو كونها أداة “ردع” أو ضغط بما يضمن تحقيق أهداف ومكاسب تفاوضية لروسيا على حساب أوكرانيا.

سيناريوهات متوقعة

لفت التقرير إلى سيناريوهَيْن متوقعَين لاستخدام السلاح النووي في الحرب الأوكرانية؛ وذلك على النحو الآتي:

1– استخدام محدود لـ”النووي” حال الهزيمة العسكرية: أشار الكاتبان إلى أن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” حال بروز مؤشرات تفيد بأنه سيتعرض لهزيمة عسكرية، أو يواجه خطر الإطاحة به إذا امتدت الحرب وتفاقمت الأوضاع في روسيا إثر تداعيات الحرب، فإنه قد يُفكر بالتأكيد في استخدام الأسلحة النووية، خصوصاً التكتيكية، لا سيما في ظل تهديد “بوتين” والعديد من المسؤولين الروس بذلك، وهو التهديد الذي يرى الكاتبان أنه يتجاوز حدود الرغبة في تحقيق مكاسب تفاوضية إلى حدود التنفيذ الفعلي، خصوصاً مع التكوين النفسي لبوتين، ومن ثم يظل خيار استخدام “بوتين” أسلحة نووية تكتيكية ضد أهداف نوعية في أوكرانيا مطروحاً ومُمكناً، حسَب الكاتبَين.

2– عدم اللجوء إلى الأسلحة النووية لعواقبها الكارثية: حسب التقرير، فإن السيناريو الثاني المطروح فيما يتعلق بهذا الملف، هو عدم اللجوء إلى استخدام السلاح النووي، خصوصاً في ظل العواقب والتداعيات التي ستترتَّب على ذلك، من حيث التحالف الدولي الذي سيتم حشده ضد روسيا في هذه الحالة، والخسائر المادية والبشرية والاقتصادية التي ستنجم عن ذلك.

وختاماً، يُشدد الكاتبان على ضرورة أن يتعاطى القادة الغربيون مع تلويح روسيا وتهديدها باستخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا، بجدية أكبر وإن كانت احتمالات اللجوء إلى هذا السيناريو ضئيلةً. ويرى الكاتبان أنه بدلاً من الحديث الفضفاض عن أهداف الحرب، فإن الأولوية يجب أن تكون لكيفية إنهاء الحرب، وهو الهدف الذي يتطلَّب من جميع الأطراف تقديم تنازلات في مقابل السلام.

المصادر

– Stephen M. Walt, “Why Washington Should Take Russian Nuclear Threats Seriously”, Foreign Policy, May 5, 2022, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2022/05/05/why–washington–should–take–russian–nuclear–threats–seriously/

– Anthony W. Holmes, “We should listen to dictators when they tell us their plans”, Nikkei Asia, May 6, 2022, Accessible at: https://asia.nikkei.com/Opinion/We–should–listen–to–dictators–when–they–tell–us–their–plans


https://www.interregional.com/%d8%ae%d8%b7%d8%b1-%d9%82%d8%a7%d8%a6%d9%85/