خلفية دبلوماسية:

توجهات مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "وليام بيرنز"
خلفية دبلوماسية:
19 أبريل، 2021

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، في بيان له يناير 2021، ترشيح السفير وليام بيرنز في منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”CIA”، في ترشيحٍ هو الأول من نوعه لدبلوماسيٍّ أمريكيٍّ لشغل هذا المنصب. وفي مارس 2021، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على تعيين بيرنز مديرًا جديدًا لوكالة الاستخبارات المركزية.

ويتمتَّع بيرنز بخلفية دبلوماسية وخبرات عملية واسعة، في ظل بروز مبكر للسمات القيادية لديه؛ حيث صنَّفته مجلة تايم من قبل على لائحة “أول 50 قائدًا أمريكيًّا واعدًا دون سن الأربعين”، وكذلك على لائحة “القادة المائة في العالم من الشباب”.

أولًا: أبرز خبرات “وليام بيرنز”

يمكن تناول الخبرات الأكاديمية والعملية لمدير الاستخبارات المركزية الأمريكية؛ وذلك على النحو التالي:

1- بروز مبكر للسمات القيادية: وُلِد وليام بيرنز عام 1956، وهو متزوج وله بنتان. وفي عام 1994، حينما كان عمر بيرنز 38 عامًا، تمَّ إدراجه من قبل مجلة تايم على لائحة “أول 50 قائدًا أمريكيًا واعدًا دون سن الأربعين”، وكذلك على لائحة “القادة المئة في العالم من الشباب”.

2– شهادات عليا في القانون والعلاقات الدولية: حصل بيرنز على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، كما حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة “لاسال”، ويحمل بيرنز كذلك ثلاث درجات دكتوراه فخرية.

3– خبرات دبلوماسية وسياسية عريضة: يتمتع بيرنز بخبرات دبلوماسية وسياسية كبيرة؛ فقد عمل دبلوماسيًّا مع خمس إدارات جمهورية وديمقراطية لمدة 33 عامًا، قبل أن يتقاعد من العمل في وزارة الخارجية عام 2014. وشغل بيرنز منصب نائب وزير خارجية الولايات المتحدة من 2011 إلى 2014. وقد شغل بيرنز منصب سفير الولايات لدى الأردن من 1998 حتى 2001، وفي العام نفسه تم تعيينه مساعدًا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى من 2001 إلى 2005 ثم تم تعيينه سفيرًا للولايات المتحدة لدى روسيا حتى عام 2008. وفي عام 2008 تم تعيينه وكيلًا لوزارة الخارجية للشؤون السياسية حتى عام 2011.

وشغل بيرنز عدة مناصب أخرى في وزارة الخارجية، وقد شمل ذلك مناصب المساعد الخاص للوزيرين وارن كريستوفر ومادلين أولبرايت، ومستشار برتبة وزير للشؤون السياسية في السفارة الأمريكية في موسكو، والسكرتير التنفيذي لوزارة الخارجية، ومدير بالنيابة، والنائب الأول لمدير موظفي التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، وكبير مديري شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي.

4– كفاءة عالية ومكانة دبلوماسية مرموقة: يتمتَّع بيرنز بكفاءة عالية كدبلوماسي محترف ومخضرم؛ ما منحة سمعة جيدة ومكانة مرموقة في الأوساط السياسية والدبلوماسية الأمريكية. وفي هذا الإطار، أكد البيان الصادر عن الرئيس بايدن لترشيح بيرنز، أن الأخير دبلوماسي محترف، يتمتع بالمهارة والنزاهة، وسيحمل الحقائق والاستقلالية التي يتطلبها الأمن القومي الأمريكي.

وفي هذا الإطار، نال بيرنز أعلى رتبة في السلك الدبلوماسي للولايات المتحدة “سفير محترف”. وتجدر الإشارة إلى أن بيرنز هو السفير المحترف الثاني في التاريخ الأمريكي الذي أصبح نائبًا لوزير الخارجية الأمريكي.

كما نال بيرنز ثلاث جوائز رئاسية للخدمة المتميزة، بالإضافة على عدد من جوائز وزارة الخارجية الأمريكية؛ منها جوائز الوزير للخدمة المتميزة، وجائزتا شرف للخدمة المتميزة، وجائزة تشارلز كوب جونيور للسفراء للمبادرة والنجاح في تنمية التجارة عام 2006، وجائزة التميز الدبلوماسي من الأكاديمية الدبلوماسية الأمريكية.

5– إجادة اللغة العربية وعدد من اللغات الأخرى: يجيد بيرنز اللغات العربية والروسية والفرنسية، بالإضافة إلى اللغة الأم “الإنجليزية”. ولعل هذا يعود إلى سنوات عمله الطويلة في الأردن وروسيا، واهتمامه الكبير بأهمية التواصل والتفاوض لنجاح العمل الدبلوماسي.

6انتشار واسع لكتابه “القناة الخلفية”: في عام 2019، أصدر وليام بيرنز كتابه الذائع الصيت “القناة الخلفية.. مذكرات الدبلوماسية الأمريكية وكيف يمكن تجديدها”The Back Channel: A Memoir of American Diplomacy and The Case for Its Renewal.

ويتناول الكتاب تجربة بيرنز لمدة تربو عن ثلاثة عقود في العمل الدبلوماسي؛ حيث عمل مع خمسة رؤساء أمريكيين جمهوريين وديمقراطيين، بالإضافة إلى عشرة وزراء خارجية. ويروي الكتاب العديد من تفاصيل اللحظات المهمة في حياة بيرنز المهنية، منذ مرحلة ما قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، معتمدًا على مجموعة من البرقيات والمذكرات التي تم رفع السرية عنها. ويرى البعض أن الكتاب يعطي نظرة مهمة ونادرة على طريقة عمل الدبلوماسية الأمريكية.

ويسلط الكتاب الضوء على اختلاف السياق العالمي الحالي عن مرحلة الحرب الباردة، ومرحلة القيادة الأمريكية الأحادية للعالم. ومن ثم، يوضح الكتاب ويدلل على الأهمية الكبرى للدبلوماسية في الوقت الحالي.

7– محدودية الخبرات بالمجال الاستخباراتي: بالرغم من حصوله على أعلى درجات الشرف المدنية من وزارة الدفاع ومجتمع الاستخبارات الأمريكية؛ لا يبدو أن بيرنز لديه الكثير من الخبرات بالمجال الاستخباراتي، وهذا بسبب خبراته الطويلة في العمل الدبلوماسي. ولعل هذا ما دفع البعض إلى انتقاد قرار بايدن باعتباره تكرارًا لخطأ ترامب عندما عيَّن مايك بومبيو صاحب الخلفية الاستخباراتية على رأس وزارة الخارجية، بيد أن الرئيس بايدن ونائبته كمالا هاريس، يريان أن بيرنز قادر، بحكم خبرته الطويلة، على ضمان تحقيق الأمن القومي الأمريكي.

ثانيًا: مواقف داعمة للتفاوض والحلول الدبلوماسية

يمكن تناول أبرز المواقف السياسية لمدير الاستخبارات المركزية الأمريكية تجاه بعض القضايا الإقليمية والدولية؛ وذلك على النحو التالي:

1– مناصرة التفاوض كأولوية لإحلال السلام وحل النزاعات: تُظهر السيرة الذاتية لبيرنز اهتمامه الكبير بقضايا السلام وحل النزاعات، ولعل هذا ما جعله يترأس مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي –وهو أقدم مركز أبحاث للشؤون الدولية في الولايات المتحدة– بعد تقاعده عام 2014.

ولعل هذا يتسق مع خلفيته الأكاديمية كدارس للقانون والعلاقات الدولية، وتمرُّسه الطويل والعميق في العمل الدبلوماسي. وفي هذا الصدد، تم منح بيرنز جائزة روبرت فرايشر التذكارية لحل النزاعات وصنع السلام في العالم. وفي عام 2013، اختارته مجلة فورين بوليسي “دبلوماسيَّ العام”.

2– حشد الجهود الدولية لمواجهة الصين وروسيا والإرهاب: أكد البيان، الذي أصدره الرئيس جو بايدن يوم 11 يناير 2021، بشأن ترشيح وليام بيرنز لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أن بيرنز دبلوماسي محترف، خدم في السلك الدبلوماسي لمدة 33 عامًا، ويتمتع بالكفاءة والنزاهة بما يحافظ على الأمن القومي الأمريكي. وفي هذا الإطار، حدد البيان ثلاثة تهديدات رئيسية للأمن القومي الأمريكي؛ هي: الهجمات الإلكترونية الصادرة عن روسيا، والتحدي الذي تُشكِّله الصين، وتهديدات الجماعات الإرهابية والفواعل غير الحكومية. وشدد البيان على أن بيرنز قادر على حشد الجهود حول العالم لضمان قدرة وكالة الاستخبارات المركزية على حماية مصالح الشعب الأمريكي.

3– أولوية خاصة للعلاقات الأمريكية الأوروبية: يؤيد بيرنز عودة علاقات قوية مع أوروبا؛ حيث يعتبر أن العلاقات الأمريكية الأوروبية أهم الآن من أي مرحلة سابقة، لا سيما في ضوء المشاكل في الشرق الأوسط، وعودة روسيا، وصعود الصين. ولعل هذا يتسق مع رؤية الرئيس بايدن وأنتوني بلينكن وزير الخارجية.

4– تحمس كبير لتشكيل التحالفات: يتحمَّس بيرنز بدرجة كبيرة لفكرة التعاون وتشكيل التحالفات؛ ففي لقاء سابق له، أكد أنه “خلال عملي الطويل لثلاثة عقود، لم تكن الدبلوماسية مهمة للدفاع عن مصالح أمريكا أو الترويج لها كما هي الحال الآن. أمريكا لم تعد الدولة الكبرى الوحيدة في العالم، وهناك صعود الصين، ويقظة روسيا. من دون غرور، لا تزال لدينا الغلبة مقابل منافسينا إذا لعبنا أوراقنا بحكمة. ليس فقط بفضل القوتين الاقتصادية والعسكرية، بل عبر تعاون لتشكيل تحالفات. هذا ما ميَّزنا عبر العقود مقابل منافسينا، لكن قلقي الآن هو أننا لا نستخدم هذه الأداة.. أي الدبلوماسية”.

5– رفض شخصنة العلاقات الخارجية: يُظهر بيرنز قدرًا أقل من التحمس لحل قضايا السياسة الخارجية عن طريق العلاقات الشخصية؛ حيث سبق أن انتقد اتباع الرئيس ترامب هذا الأسلوب مع قادة وسياسيي العالم. ومن ثم، يتوقع أن تشهد الفترة القادمة المزيد من التركيز على العمل المؤسساتي. وهذه النقطة محل توافق كبير بين معظم عناصر الفريق الرئاسي الجديد في الولايات المتحدة.

6– اهتمام كبير بالصعود الصيني: يهتم بيرنز بقدر كبير بقضية الصعود الصيني، ويرى أن الصين ظاهرة فريدة في القرن الحادي والعشرين، وتمثل تحديًا كبيرًا للولايات المتحدة، معتبرًا أنه لا يمكن احتواء الصين؛ لأنها مندمجة بالكامل في الاقتصاد العالمي. وفي هذا الإطار، يرى بيرنز أن الجهود يجب أن تكثف للتفكير في إمكانية التحالف والتعاون مع العديد من القوى التي تشعر بالقلق من الصعود الصيني، مؤكدًا أنه لا يجب فرض خيار صفري على تلك الدول؛ إما أن تكون مع الولايات المتحدة أو الصين، ولكن لخلق تحالفات مؤسساتية تساهم في صياغة المستقبل.

7– اهتمام لافت بمنطقة الشرق الأوسط: يبدو من خلال مطالعة السيرة الذاتية لوليام بيرنز، اهتمامه الكبير والمبكر بمنطقة الشرق الأوسط؛ ففي عام 1984 عندما كان عمره 28 عامًا فقط، أصدر كتابه “المساعدات الاقتصادية والسياسة الأمريكية تجاه مصر من 1955–1981، ” Economic Aid and American Policy Toward Egypt, 1955–1981″، كما يتجلى الاهتمام الكبير لبيرنز بمنطقة الشرق الأوسط في إتقانه اللغة العربية، وكانت الأردن أولى محطات عمله سفيرًا للولايات المتحدة في الخارج.

8– دور كبير في الملف النووي الإيراني: يبدو أن اختيار بيرنز يعطي الكثير من الرسائل والمؤشرات حول توجهات الإدارة الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني؛ حيث يُعتبر بيرنز من أنصار فكرة التفاوض لحل الأزمات، وكان له دور كبير في المفاوضات السرية مع طهران، ويتهمه البعض بأنه قدَّم الكثير من المحفزات لطهران لقبول للوصول إلى الاتفاق النووي الإيراني في عام 2015 الذي انسحب منه الرئيس ترامب انسحابًا أحاديًّا في عام 2018.

9– فصل الملف النووي عن أنشطة إيران الإقليمية: أكد بيرنز، في وقت سابق، حول دوره في مفاوضات الملف النووي الإيراني، أن المفاوضات كانت تركز بدرجة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، وتم التطرق أحيانًا إلى الحديث عن بعض الأمور الإقليمية، نظرًا إلى أن المفاوضات كانت تستغرق ساعات طويلة، بيد أن التركيز الأساسي كان على الملف النووي.

10– عدم تحمس للعقوبات الأمريكية على طهران: يبدو أن بيرنز غير متحمس كثيرًا لجدوى العقوبات الأمريكية على طهران؛ ففي تعليق له حول استراتيجية الضغوط القصوى التي اتبعها الرئيس ترامب ضد طهران، شكَّك بيرنز في جدوى تلك العقوبات، معتبرًا أنها لن تؤدي إلى تغييرات كبيرة، ولن تؤدي إلى استسلام النظام ورفعه الراية البيضاء، بالرغم من تأثيرها السلبي عليه.

11– رفض الاعتراف بضم إسرائيل للجولان: في تعليقه على قرار الرئيس ترامب الاعترافَ بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري؛ اعتبر بيرنز أن هذا القرار خلق العديد من المشاكل، ولم يكن له داعٍ، معتبرًا أن هذا القرار خلق مشكلتين: الأولى تتعلق بوجود مبدأ دولي ينص على عدم جواز ضم أراضي الغير بالقوة، وأن اعتراف ترامب يُشرِّع سلوك روسيا في القرم. والثانية هي تقديم خدمة للأسد وإيران وروسيا؛ فبدلًا من الحديث عن إراقة الدماء في سوريا، يجري الحديث عن مقاومة الاحتلال.

ثالثًا: أبرز السياسات المتوقعة لوليام بيرنز

يمكن تناول أبرز السياسات المتوقعة لوليام بيرنز من خلال جلسة الاستماع التي عقدها الكونجرس في شهر مارس الماضي لتأكيد تعيينه في منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية؛ وذلك على النحو التالي:

1– تأكيد المصداقية وعدم تسييس العمل الاستخباراتي: أثناء جلسة الاستماع أكد “بيرنز”: “لقد تعلمت خلال سنوات عملي أن الاستخبارات التي تقوم على المصداقية والشفافية، هي أولى خطوط الدفاع عن الأمن القومي، وأن على العاملين في المجال الاستخباراتي تقديم ما لديهم إلى الساسة بصدق ومهنية مطلقة، تى وإن لم يكن هذا الأمر يتماشى مع ما يستهويه صُنَّاع القرار؛ فالسياسة يجب أن تتوقف عندما يرتبط الأمر بالاستخبارات”.

وتابع حديثه بالقول: “إن تحليلات العاملين في الاستخبارات ها من جعلتني مفاوضًا ماهرًا، وإن شراكتهم هي ما دفعني إلى القيام بعملي سفيرًا بصورة أفضل، وتقديراتهم المعمقة هي ما مكنني من اتخاذ قرارات السياسة الأصعب”.

2– تشديد على ضرورة التكامل بين قسمَي التحقيقات والتحليل: في إجابته على سؤال بخصوص إعادة الهيكلة والتنظيم المثير للجدل، الذي قام به مدير الوكالة السابق “جون برينان” عام 2015، قال “بيرنز” إنه يؤمن بأن التكامل بين قسمَي التحقيقات والتحليل، سيُوفِّر معلومات وإرشادات أفضل لصناع القرار، وإنه يجب الحرص على استمرار مثل هذا النوع من التعاون.

يُذكَر أن برينان قد وزَّع الباحثين والمحللين العاملين في قسمَي التحقيقات والتحليل للعمل ضمن مجموعات مكونة من عشرة أشخاص، وعمد إلى كل مجموعة التركيز على جزء وإقليم محدد من العالم، تحت دعوى أن هذه الطريقة ستعمل على تحسين التكامل بين وحدات الوكالة المختلفة.

3– ميل نحو جمع المعلومات بأسلوب يدوي وميداني: تركز وكالة الاستخبارات المركزية على الجمع اليدوي والميداني للمعلومات، الذي يعتمد على التواصل الإنساني، مقارنةً بالوكالات الأخرى التي تعتمد على التكنولوجيا للوصول إلى المعلومات وتحليلها ورصدها. وفيما يتعلق بآليات جمع المعلومات التي تتبعها وكالة الاستخبارات المركزية؛ أشار “بيرنز” –خلال إجابته على التساؤلات– إلى الأهمية التي تحظى بها هذه الآلية في الوقت الحالي، وأنها تخدم جميع وظائف ومهام الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها تحقق نوعًا من التكامل مع الوكالات الأمنية الأخرى العاملة في البلاد، مثل الجيش، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، عبر مشاركة الدروس المستفادة، وأفضل الممارسات التي يمكن اتباعها من أجل الوصول إلى المعلومات والحقائق المبتغاة.

4– تأكيد التكامل مع فرق العمل التابعة للجيش: من الأمور ذات الطبيعة الجدلية التي طُرحت في الجلسة، التفرقة بين المهام التي تقوم بها “فرق العمل الخاصة” التابعة للجيش في ميادين المعركة والقتال، ومهام وكالة الاستخبارات المركزية ذات الطبيعة شبه العسكرية المرتبطة بمكافحة الإرهاب؛ فبفعل هذا التداخل في الوظائف، ألغى “كريستوفر ميلر” خلال ديسمبر الماضي، الدعم المادي واللوجستي الذي تُقدِّمه وكالة الاستخبارات المركزية في مجالات مكافحة الإرهاب، والمهام ذات الطبيعة شبه العسكرية.

وقد أكد “بيرنز” تكامل مهام الوكالة مع فرق العمل الخاصة، مع اختلاف الاختصاصات التي ينظمها القانون؛ ففرق العمل تدخل في المهام ذات الطبيعة الاستراتيجية العسكرية، بينما تقوم الاستخبارات بالمهام التي تطغى عليها السرية.

5– ضرورة الحفاظ على هيبة الاستخبارات: في إطار سؤاله عن التصرف الذي سيقوم به في حالة تقديم أحد العاملين في الوكالة، تصريحات إعلامية وصحفية تنطوي على معلومات لم يكن مُصرَّحًا بالإدلاء بها إلى العامة، أشار إلى أنه سيلجأ إلى التواصل مع المسؤول عن هذه التصريحات لمحاولة تصحيح ما أقدم عليه، بشكلٍ يحفظ صورة الاستخبارات لدى العامة. وينطبق ذات الأمر في حالة إذا ما تم التصريح بمعلومات مغلوطة؛ حيث أكد السعي إلى تصحيحها على الفور.

كما أكد أنه لن يتخذ أي إجراءات عقابية ضد عملاء وضباط الاستخبارات الذين تورطوا في إجراء تحقيقات منافية للقواعد الإنسانية ضد عدد من المعتقلين الأجانب خلال عهد إدارة “جورج بوش الابن”، لكنه أكد في ذات الوقت أن بعض أساليب التحقيق التي اتُبعت سابقًا، مثل الإيهام بالغرق، لن يتم الاستمرارُ في العمل بها، وأنه تم منعُها كليًّا.

6– اهتمام بالتماسك الداخلي والعمل مع الحلفاء: أظهر “بيرنز” خلال الجلسة إدراكه الكبير للتغيرات التي يشهدها موقع الولايات المتحدة في النظام العالمي؛ فقد قال: “إن النظام العالمي يشهد حالة من التغيير المضطرد. وعلى الرغم من أن أمريكا لم تعد تتمتع بالهيمنة على هذا النظام كما كان عليه الوضع من قبل، عندما كنت أعمل في وزارة الخارجية تحت إشراف وزير الخارجية (جيمس بيكر) منذ ثلاثين عامًا؛ فإن واشنطن لا تزال تتمتع بالقدرة على هزيمة منافسيها.. وهذا يعتمد فقط على التماسك الداخلي الذي خضع للعديد من الاختبارات خلال الفترة الماضية، وهي الخاصية التي تُميز الولايات المتحدة عن النظم الدكتاتورية، بجانب القدرة على العمل مع الحلفاء خلافًا للصين وروسيا”.

7– إشارة إلى ضرورة إعادة تقييم العلاقات مع موسكو: علَّق “بيرنز” على العلاقات الأمريكية الروسية في ضوء التحركات الروسية الإقليمية والعالمية؛ حيث قال إنه من الضروري العمل على إعادة تقييم العلاقة وكيفية التعامل الأمثل مع موسكو، مع تأكيد اتخاذ قرارات وردود فعل تتسم بالحسم والاتساق. ويأتي حديثه عن روسيا بالتزامن مع تأكيده أن أولويات الوكالة ستتمثل في الصين وروسيا والتقدم التكنولوجي، والتنافس الكبير بين الدول في مجال الفضاء؛ حيث لا يوجد أي قوانين تحكم هذا المجال.

وختامًا، جاء تعيين الدبلوماسي المخضرم وليام بيرنز لتقلد منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، اتساقًا مع توجه الرئيس بايدن نحو اختيار أصحاب الخبرة الواسعة، الذين يشاطرونه أفكاره، بالإضافة إلى الابتعاد قدر الإمكان عن اختيار الشديدي التحزُّب، بما يؤدي في النهاية إلى ضمان أكبر قدر من الاتفاق حول الشخصية التي تم اختيارها.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ae%d9%84%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d8%af%d8%a8%d9%84%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9/