خيارات محدودة:

هل تهاجم إسرائيل البرنامج النووي الإيراني؟
خيارات محدودة:
20 أكتوبر، 2021

صعّدت إسرائيل من حدة تحذيراتها خلال الآونة الأخيرة من المخاطر المحتملة التي يمكن أن يفرضها استمرار نشاط إيران على المستوى النووي بالوتيرة الحالية. ورغم أن هذه التحذيرات ليست جديدة، إلا أن حرص تل أبيب على الترويج لها مجدداً يرتبط بمتغيرات دولية وإقليمية وداخلية عديدة، على غرار اقتراب موعد انعقاد جولة جديدة من المباحثات النووية في فيينا، وتزايد الضغوط السياسية التي يفرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو على حكومة نفتالي بينت عبر اتهامها بالعجز في التعامل مع إيران، إلى جانب ممارسة ضغوط أقوى على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، سواء للحصول على دعم عسكري أكبر، أو لدفعها لتقديم تنازلات في ملفات شائكة بين الطرفين، لا سيما الملف الفلسطيني.

حملة مكثفة

وقد بدأت إسرائيل حملة جديدة هدفها إقناع المجتمع الدولي بخطورة البرنامج النووي الإيراني؛ حيث وجهت تحذيرات، في 17 أكتوبر 2021، من احتمال اندلاع سباق تسلح جديد في المنطقة في حال نجحت إيران في امتلاك القنبلة النووية، حيث تسعى إسرائيل عبر تلك الحملة إلى تحقيق أهداف عديدة يتمثل أبرزها في:

1- إجهاض أي أفق تفاوضي بمفاوضات فيينا: لا تبدي إسرائيل اطمئناناً إزاء النتائج المحتملة التي قد تنتهي إليها مفاوضات فيينا، والتي يتوقع أن تعقد جولتها السابعة في الفترة القادمة. وفي رؤيتها، فإنه أياً كانت المسارات المحتملة للمفاوضات، فإن الخطر النووي الإيراني سوف يكون قائماً، وإن بمستويات مختلفة. ففي حالة الوصول إلى صفقة فإن إيران سوف تسعى إلى الحصول على أعلى عوائد منها على غرار رفع العقوبات الأمريكية بالتوازي مع الإصرار على الاستمرار في تنشيط برنامجها النووي وإن كان بدرجة أقل، خاصة على مستوى عمليات تخصيب اليورانيوم.

2- رفض إسرائيل إعادة العمل بالاتفاق النووي: وهنا، فإن إسرائيل ترى أن إعادة العمل بالاتفاق النووي كما هو دون تغيير معناه رفع القيود المفروضة على إيران بموجبه، على غرار ما يسمى “بند الانتقال” الذي سوف يرفع في 18 أكتوبر 2023، أي بعد انقضاء 8 سنوات من تاريخ اعتماد الاتفاق النووي، حيث سيعقد مجلس الأمن اجتماعاً لمناقشة تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول سلمية البرنامج النووي الإيراني.

كما سينتهي مفعول قرار مجلس الأمن رقم 2231 في 18 أكتوبر 2025، ولن يفتح المجلس الملف النووي الإيراني مجدداً بعد التأكد من الطابع السلمي له. رفع هذه القيود -في مجملها- معناه أن إيران قد تلجأ مجدداً إلى الالتفاف على التزاماتها الدولية، ومن ثم مواصلة عمليات التخصيب بمستويات عالية، على نحو يهدد أمن ومصالح إسرائيل بشكل مباشر، حيث إن إيران لم تستطع في الفترة الماضية إثبات قدرتها على الانخراط في التزامات دولية صارمة.

3- الاستعداد لفشل الصفقة النووية مع إيران: أما في حالة فشل الصفقة فإن إيران لن تتوانى عن مواصلة تطوير برنامجها النووي رداً على استمرار العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، وربما تحرص على اتخاذ مزيد من الإجراءات التصعيدية في الاتفاق، من أجل توجيه رسائل إلى القوى الدولية مفادها أن فشل المفاوضات سوف يفرض تداعيات عكسية في النهاية ممثلة في استمرار تطوير البرنامج، على نحو سوف تعتبره إسرائيل مصدر تهديد حيوي في هذه الحالة. إذ قد تواصل إيران إنتاج مزيد من كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بشكل سوف يقربها من مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية، التي تحتاج إلى مستوى تخصيب يصل إلى 90%.

أهداف جانبية

أعلنت إسرائيل مؤخراً عن موافقة حكومة نفتالي بينت على توفير 1.5 مليار دولار لتعزيز قدرتها على ضرب البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يثير تساؤلات حول جدية تل أبيب في تهديداتها المتزايدة باستهداف منشآت البرنامج النووي الإيراني، وتأكيدها المتكرر على أنها لن تسمح بامتلاك طهران للسلاح النووي، في الوقت الذي تعتبر فيه بعض التحليلات أن إسرائيل تهدف في الأخير جراء تلك النبرة التصعيدية إلى تحقيق عدة أهداف جانبية أبرزها ما يلي:

1- تحقيق “نفتالي” مكاسب سياسية داخلية: ما زالت حكومة رئيس الوزراء نفتالي بينت تتعرض لضغوط سياسية قوية يقودها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو الذي يتطلع إلى استعادة منصبه السابق، حيث يحاول ­-في هذا الصدد- الترويج لأن الحكومة الجديدة تفتقد القدرة على مواجهة تداعيات البرنامج النووي الإيراني، أو حسم بعض الملفات الأخرى التي لا تقل أهمية، لا سيما على الصعيد الفلسطيني. ومن هنا، تسعى حكومة بينت إلى تأكيد أنها تمتلك من الإمكانيات والمؤهلات ما يمكن أن يساعدها على مواجهة المخاطر المحتملة للبرنامج النووي الإيراني.

بل إن ثمة اتجاهات بدأت تشكك في أن الضربات الأمنية التي وجهها جهاز الموساد الإسرائيلي لإيران في عهد نتنياهو، رغم قوة تأثيرها خاصة التي استهدفت منشأة ناتانز مرتين وأسفرت عن تصفية العالم النووي محسن فخري زاده، لم تنجح في وقف نشاط البرنامج النووي، بل دفعت إيران إلى اتخاذ إجراءات أكثر تصعيداً على غرار رفع مستوى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% وإنتاج أكثر من 10 كيلو من هذه الكمية، وذلك في دلالة على أن نتنياهو -بدوره- لم يتعامل بشكل أكثر إيجابية مع التحدي الإيراني.

2- الحصول على دعم عسكري أمريكي أكبر: تمارس تل أبيب ضغوطاً على الإدارة الأمريكية من أجل تسليمها أنواعاً معينة من الأسلحة ترى أنه من الضروري امتلاكها استعداداً لأي مسار محتمل قد يتجه إليه البرنامج النووي الإيراني. وربما يمكن القول إن إسرائيل تتابع الجدل الداخلي الأمريكي حول آليات التعامل مع المعضلة الإيرانية، إذ برز اتجاه يدعو إلى ضرورة رفع مستوى التسليح الإسرائيلي لمواجهة إيران.

حيث طالب دينيس روس، زميل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والمساعد الخاص للرئيس الأسبق باراك أوباما، في 23 يوليو 2021، الإدارة الأمريكية الحالية بتسليم إسرائيل القنبلة “جي بي يو 57” التي توصف بأنها القنبلة الخارقة للتحصينات، أو “خارقة الجبال”، بما يعني أنها مخصصة للتعامل مع المنشآت التي قامت إيران ببنائها تحت الأرض لحماية البرنامج النووي، على غرار مفاعل فوردو الذي عادت إيران لمواصلة عمليات التخصيب داخله في إطار تخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق رداً على العقوبات الأمريكية.

3- دفع “بايدن” لمراجعة موقفه تجاه فلسطين: ربما يكون هدف تل أبيب هو استثمار الضغوط التي تتعرض لها إدارة الرئيس بايدن في هذا التوقيت بسبب الملف الإيراني، للحصول على مكاسب سياسية أخرى لا سيما في الملف الفلسطيني، حيث ما زالت الإدارة تمنح الأولوية لـ”حل الدولتين”، الذي لا يحظى بدعم من جانب حكومة بينت، التي ترفض إقامة الدولة الفلسطينية، وتسعى لاعتبارات سياسية داخلية إلى إظهار تشددها في هذا الملف.

وربما تحاول الحكومة الإسرائيلية في هذا السياق الوصول إلى مقايضة مع الإدارة الأمريكية، مفادها انتظار نتائج الجهود التي تبذلها الإدارة للوصول إلى صفقة جديدة مع إيران في فيينا، وعدم العمل على عرقلة أية تفاهمات محتملة في هذا السياق، مقابل عدم اتخاذ خطوات إجرائية على الأرض فيما يتعلق بتفعيل “حل الدولتين” خلال المرحلة القادمة. وتدرك حكومة بينت التأثير القوي للملف الفلسطيني على تماسك الائتلاف الذي أوصلها إلى الحكم.

4- إجبار إيران على تقديم تنازلات بالمفاوضات: ربما يكون الإعلان عن رفع مستوى الموازنة العسكرية الخاصة بمواجهة البرنامج النووي الإيراني جزءاً من حرب نفسية تشنها إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل دفع إيران إلى إجراء تغيير في موقفها باتجاه إبداء مرونة أكبر في التعامل مع الملفات الشائكة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع الوضع في الاعتبار أن إيران تبدي سياسة متشددة قبل مفاوضات فيينا، وتحاول وضع شروط مسبقة قبل انعقاد المفاوضات بهدف الحصول على أعلى مستوى من العوائد الاقتصادية والاستراتيجية، وتقديم أقل قدر من التنازلات، ولا سيما فيما يتعلق بمستوى وكمية اليورانيوم المخصب. وبمعنى أدق، فإن ما يحدث الآن من تصعيد ما هو إلا حرب نفسية متبادلة بين طهران من جهة وكل من واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، أولاً لتعزيز الموقع التفاوضي قبل استئناف مباحثات فيينا، والاستعداد المسبق لما يمكن أن تنتهي إليه هذه المحادثات.

وختاماً، فإن ما سبق -في مجمله- يوحي في النهاية بأن المرحلة القادمة سوف تشهد مزيداً من التصعيد بين إيران وإسرائيل، حيث يبدو أن الأخيرة لن تتسامح بسهولة مع أي معطيات قد تنتج عن المسارات المحتملة للمفاوضات التي يتوقع استئنافها في فيينا خلال الفترة القادمة، فضلاً عن أن الأولى تبدو -بدورها- متحفزة لرفع كلفة العمليات الأمنية التي تقوم بها إسرائيل في الداخل الإيراني لتعطيل البرنامج النووي الإيراني.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af%d8%a9/