خيار مُتصاعد:

هل تنسحب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي؟
خيار مُتصاعد:
17 أكتوبر، 2021

رغم أن إيران لا تزال في حاجة إلى استمرار العمل بالاتفاق النووي، والوصول إلى صفقةٍ جديدةٍ مع القوى الدولية –باعتبار أن ذلك هو السبيل الأساسي لرفع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها وعودتها إلى المنظومة الاقتصادية الدولية– فإن ذلك لا ينفي، في الوقت نفسه، أن إيران بدأت تفكر في خياراتٍ أخرى في التعامل مع تلك القوى، مثل الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، في ظل عدم ثقتها بالوصول إلى اتفاقٍ نوويٍّ يشمل ضماناتٍ تستطيع التعويل عليها، مثل عدم خروج الولايات المتحدة مجدداً من الاتفاق، وعدم التعرض لعقوباتٍ جديدةٍ من جانبها.

مماطلة مقصودة

لا تزال إيران تماطل في تحديد موعد استئناف المفاوضات مع القوى الدولية حول الاتفاق النووي، على نحوٍ بدا جلياً في تصريحات المسؤولين الإيرانيين والأوروبيين، بعد الزيارة التي قام بها مفاوض الاتحاد الأوروبي المكلف بالملف الإيراني؛ إنريكي مورا، إلى طهران في 14 أكتوبر 2021؛ حيث كشفت عن أن إيران تريد في البداية إجراء مباحثاتٍ مع الدول الأوروبية قبل أن تستأنف الجولة السابعة من المفاوضات التي توقفت في 20 يونيو الماضي. ومعنى ذلك، أن وقتاً آخَرَ سوف يُهدر قبل استئناف المفاوضات، وهو ما دفع المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين إلى التحذير من خطورة نفاد الوقت لإنقاذ الاتفاق النووي من خطر الانهيار.

وفي الواقع، فإن ذلك بدأ يتوازى مع بروز اتجاهٍ في إيران جدَّد دعوته مرةً أخرى إلى الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وقد انعكس ذلك في المقال الذي كتبه رئيس تحرير صحيفة كيهان (الدنيا)؛ حسين شريعتمداري، في 15 أكتوبر 2021، ودعا فيه إلى التفكير في هذا الخيار، مستنداً في هذا السياق إلى أن الانضمام إلى المعاهدة فرض على إيران قيوداً شديدةً، وألزمها بتعهداتٍ في الوقت الذي تمتلك فيه أطرافٌ أخرى ليست عضواً في المعاهدة –مثل إسرائيل– خياراتٍ أوسع في التعامل مع الملف النووي، سواءٌ الذي تمتلكه الأخيرة أو الذي تحاول الأولى تطويره.

وفي رؤيته، فإن رفض الوكالة الدولية للطاقة الذرية الطلبَ الذي تقدمت به إيران لإصدار قرار إدانةٍ ضد العمليات الأمنية التي وجهت فيها اتهاماتٍ مباشرةً إلى إسرائيل؛ يمثل إشارةً إلى أن العوائد التي حصلت عليها إيران من الانضمام إلى المعاهدة كانت أقل بكثيرٍ من التي حققتها إسرائيل من رفض الانضمام إليها.

واللافت في هذا السياق، هو أن هذا الاتجاه ليس جديداً على الساحة السياسية الإيرانية، بل إنه متجددٌ، ويتصاعد النقاش حوله كلما حدث تطورٌ في الملف النووي، على غرار الضغوط التي تحاول الدول الغربية ممارستها في الوقت الحالي على إيران من أجل استئناف المفاوضات الخاصة بالاتفاق النووي. بل إن وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، سبق أن وجه، في 20 يناير 2020، تهديداً بالانسحاب من المعاهدة إذا أصرت الدول الغربية على نقل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن مجدداً.

اعتبارات عديدة

يمكن تفسير بروز هذا الاتجاه مجدداً على الساحة الإيرانية في هذا التوقيت تحديداً، في ضوء اعتباراتٍ عديدةٍ يتمثل أبرزها في:

1– تجنب أخطاء حكومة “روحاني”: يرى هذا الاتجاه أن الحكومة السابقة برئاسة حسن روحاني ارتكبت أخطاءً فادحةً بالوصول إلى هذا الاتفاق الذي يتضمن، في رؤيته، من الثغرات أكثر ما يتضمن من بنودٍ. ووفقاً لذلك، فإن إيران قدمت –طبقاً لهذا الاتفاق– تنازلاتٍ لا تحظى في مقابلها بعوائدَ كبيرةٍ كما تعهدت الدول الغربية، على غرار تخفيض مستوى تخصيب اليورانيوم من 20% إلى 3.67%، والالتزام باستخدام أجهزة الطرد المركزي من الطراز الأول فقط “IR 1″، وحصر عمليات التخصيب في نطاق مفاعل نطنز فقط.

ومن هنا، ربما يمكن تفسير حرص الحكومة الجديدة على استبعاد عددٍ كبيرٍ من المسؤولين الإيرانيين الذين دعموا الاتفاق النووي، على غرار عباس عراقجي مساعد وزير الخارجية السابق رئيس وفد التفاوض حتى الجولة السادسة، بجانب علي لاريجاني الذي رُفض ترشيحه للانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، وتم استبعاده مؤخراً من الإشراف على ملف اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع الصين التي تم توقيعها في 27 مارس الماضي لمدة 25 عاماً.

2– رفض السياسة الغربية المزدوجة: يرى هذا الاتجاه أن الدول الغربية كان لها دورٌ رئيسيٌّ في مساعدة بعض الدول النووية على الوصول إلى مرحلة امتلاك القنبلة النووية تحديداً. وفي رؤيتها، فإن كلاًّ من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، كان لها الإسهام الأبرز في هذا الصدد في حالتَي الهند وباكستان بجانب إسرائيل بالطبع؛ ما يعني أن هذه الدول تتبنى سياسةً مزدوجةً في هذا الصدد. ففي الوقت الذي اتخذت فيه إجراءاتٍ تنفيذيةً في هذا الإطار، لا تزال تضع العقبات أمام تطوير إيران قدراتها النووية، رغم أن الأخيرة لا تزال عضواً في معاهدة حظر الانتشار النووي.

3– ضغوط الانسحاب الأمريكي المتكرر: لا تستبعد الحكومة الإيرانية الحالية أن تواجه احتمال انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من جديدٍ من الاتفاق النووي؛ إذ لا يوجد –وفق رؤيتها– ما يضمن أن تبقى واشنطن ملتزمةً بالاتفاق، وألا تفرض مجدداً عقوباتٍ أمريكيةً تُنتج قيوداً شديدةً على التعاملات الاقتصادية الإيرانية مع الخارج، خاصةً بعد أن ثبت أن كثيراً من دول العالم حرصت على الالتزام بالعقوبات الأمريكية، وكان آخرها كوريا الجنوبية التي لا تزال ترفض طلب إيران بالحصول على 7.8 مليار دولار هي مستحقاتها المُجمَّدة نظير صادراتها النفطية إلى سيول.

ومن هنا، يمكن تفسير أسباب حديث بعض الاتجاهات داخل طهران عن ضرورة الحصول على ضماناتٍ من جانب الإدارة الأمريكية بعدم الانسحاب مجدداً من الاتفاق النووي في حالة الوصول إلى صفقة في فيينا، وهو ما رفضته الأخيرة، لا سيما أنها لا تمتلك ترف تقديم مثل تلك الضمانات، في ظل الضغوط الداخلية التي تتعرض لها من جانب الجمهوريين وبعض الديمقراطيين الرافضين للوصول إلى صفقةٍ جديدةٍ مع طهران.

4– تصاعد القلق من الحصار الإسرائيلي: ربما يمكن تفسير أسباب التصعيد الإيراني المفاجئ ضد أذربيجان في هذا التوقيت، في ضوء تزايد مخاوف إيران مما يمكن تسميته “الحصار الإسرائيلي”. ففضلاً عن أن إيران ترى أنها المستهدف الأول من توقيع اتفاقيات السلام الإسرائيلية مع العديد من الدول العربية، لا سيما الإمارات والبحرين، باعتبار أن ذلك يساهم في السماح لإسرائيل بموطئ قدمٍ في منطقة الخليج؛ فإن علاقاتها قويةٌ بكل من تركيا وأذربيجان، بجانب ما تشير إليه تقارير عديدةٌ من وجودها في شمال العراق.

ومن هنا، يمكن تفسير الحملات الإيرانية المستمرة على الخطوات التي تُتخذ في إطار اتفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل، على غرار عقد لقاءٍ ثلاثيٍّ جمع بين وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ونظيريه: الإسرائيلي يائير لابيد، والأمريكي أنتوني بلينكن، في 13 أكتوبر 2021، وهو اللقاء الذي حذر خلاله “لابيد” من خطورة وصول إيران إلى مرحلة امتلاك القنبلة النووية؛ حيث أشار إلى أن إسرائيل لديها خياراتٌ أخرى في حالة فشل الدبلوماسية في تسوية أزمة البرنامج النووي الإيراني.

 5– تبني إيران النموذج الكوري الشمالي: ربما يرى هذا الاتجاه أن السبب الأساسي الذي حال دون قيام الولايات المتحدة الأمريكية بغزو كوريا الشمالية أو توجيه ضرباتٍ عسكريةٍ لها، هو امتلاكها القنبلة النووية، والقدرة على تهديد المصالح الأمريكية، وأن السبب الذي سمح لواشنطن بغزو العراق في عام 2003، هو افتقاده تلك القدرة. وهنا، فإن إيران لم تستبعد أبداً أن تكون هدفاً لعملٍ عسكريٍّ أمريكيٍّ حتى في الوقت الذي وصلت فيه التفاهمات السرية بين الطرفين إلى مستوى غير مسبوقٍ، على غرار ما حدث في منتصف الثمانينيات خلال فترة الحرب مع العراق، أو ما قبل الوصول إلى الاتفاق النووي في 14 يوليو 2015.

وهنا، فإن الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى علي خامنئي بشأن تحريم إنتاج وتخزين الأسلحة النووية، لا تمثل قيداً على إيران في هذا السياق؛ فهذه الفتوى مرنةٌ، ويمكن الرجوع عنها بالاستناد إلى أسبابٍ مختلفةٍ قد تتبناها إيران إذا وصلت إلى نتيجةٍ أنه من الضروري الوصول إلى مرحلة إنتاج القنبلة فعلاً.

وربما يستند هذا الاتجاه إلى مبررٍ آخر هو أن إيران محاطةٌ بدولٍ تمتلك أسلحةً نوويةً أو توجد على أرضها قدراتٌ عسكريةٌ نوعيةٌ. ففضلاً عن أن باكستان وروسيا والهند –وهي من دول الجوار وجوار الجوار بالنسبة إلى إيران– دولٌ نوويةٌ، فإن تركيا عضوٌ في حلف الناتو؛ ما يوفر لها موقعاً رئيسياً في توازنات القوى في هذه المنطقة، بجانب إسرائيل النووية، والقوات الأمريكية الموجودة في منطقة الخليج.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن ما يعبر عنه هذا الاتجاه ما هو إلا أفكارٌ يتم الدعوة لتحويلها إلى إجراءاتٍ تنفيذيةٍ على الأرض، ولم تُقدِم حكومة إبراهيم رئيسي بعدُ على تبنيها. لكن هذا التيار باتت له مساحةٌ من التأثير، فضلاً عن أنه له جمهورٌ يتزايد يوماً بعد يوم، بفعل الإجراءات العقابية الأمريكية، وتزايد الشعور بالحصار الإسرائيلي. وفي كل الأحوال، تبقى هذه الأفكار مجرد خيارٍ ضمن خياراتٍ عديدةٍ قد تكون مطروحةً حالياً أمام حكومة رئيسي، لا سيما في حالة فشل المفاوضات في فيينا.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d9%8f%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b9%d8%af/