دبلوماسية المحافظين:

هل يؤثر تعيين "باقري كني" مساعداً لوزير الخارجية على المفاوضات النووية؟
دبلوماسية المحافظين:
23 سبتمبر، 2021

أجرت حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي تغييراً في وزارة الخارجية، بتعيين علي باقري كني الدبلوماسي المحافظ ومسؤول الاتصال بين وزارة الخارجية والرئيس الجديد إبراهيم رئيسي، مساعداً لوزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبد اللهيان للشؤون السياسية.

وربما يفرض تعيين الدبلوماسي المحافظ علي باقري كني مساعداً لوزير الخارجية للشؤون السياسية، في 15 سبتمبر الجاري، بعض التداعيات السلبية على مستقبل التفاوض مع الولايات المتحدة ومجموعة (4+1)؛ حيث قد يزيد هذا الأمر من تعثر التفاهمات بين الطرفين، ولا سيما بعد أن توقفت هذه الترتيبات إثر انتقال السلطة في إيران. ويتوازى ذلك مع تصعيد الخلاف مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي يتسم موقف إيران معها بالتعقد الشديد، ولا سيما بعد أن كشفت الوكالة، في آخر تقرير لها، عن وجود بعض آثار اليورانيوم المخصب في مواقع إيرانية لم يتم الإعلان عنها من قبل.

توترات متوقعة

من المتوقع أن يحمل تعيين باقري في هذا المنصب تداعيات وخيمة على مستقبل خطة العمل المشتركة الشاملة ومسار التفاوض مع الولايات المتحدة ومجموعة (4+1)، على خلفية معارضته الشديدة للاتفاق النووي والتفاوض مع القوى الغربية، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1– تبني مزيد من التوجهات المتشددة: من المتوقع أن يؤدي تعيين باقري كني إلى تعثر المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (4+1) بصورة مباشرة والمفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة، ولا سيما على خلفية كونه من أشد المعارضين لخطة العمل المشتركة الشاملة ومبدأ التفاوض مع القوى الغربية. ويتوازى ذلك مع الضغوط التي قد لا تبدو هينة المفروضة من قبل الكونجرس الأمريكي التي تسيطر عليه الأغلبية الجمهورية، على الرئيس جو بايدن والفريق الأمريكي المفاوض؛ حيث حذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، في 8 سبتمبر الجاري، من أن الولايات المتحدة على وشك الخروج من الاتفاق النووي، مشيراً إلى بداية نفاد الوقت أمام إيران للعودة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة.

2– تعزيز الدور الإقليمي الإيراني: يتوازى ذلك مع محاولات طهران المستمرة لتعزيز موقفها على الأرض، بما يشير إلى رغبتها في تعزيز هامش المناورة الخاص بها مع واشنطن عند استئناف المفاوضات مرة أخرى، وهو الأمر الذي تمثل في سعي الحكومة الإيرانية الجديدة إلى تطوير علاقاتها بدول الجوار، ودعم الجماعات المسلحة التابعة لها بالمنطقة؛ حيث استأنفت إيران محادثاتها مع المملكة العربية السعودية في بغداد، التي كانت قد توقفت بسبب انتقال السلطة في إيران، فضلاً عن إعلان حزب الله اللبناني، في 15 سبتمبر الجاري، عن بدء دخول أولى شحنات الوقود الإيراني إلى بيروت قادمة من سوريا عبر العراق.

 ومن هنا، يتضح مما سبق أن إيران تحاول استعادة دورها السابق قبل تكثيف العقوبات الاقتصادية من قبل الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة دونالد ترامب، ومن ثم، ترغب إيران من خلال كل هذه الجهود في إيصال رسالة غير مباشرة مفادها أنه بات لديها نقاط قوة جديدة للتفاوض، وأن ما كان يتم التفاوض عليه في الشهور الماضية مختلف عما سيتم التفاوض عليه في الفترة القادمة.

3– تصعيد التوتر مع وكالة الطاقة الذرية: بناءً على ما سبق، من المرجَّح أن يؤدي تعيين باقري في منصب نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية إلى زيادة تعقيد الموقف الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية المعقد بالفعل؛ فرغم توصل إيران، في 15 سبتمبر الجاري، إلى اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يقضي بالاستمرار في مراقبة البرنامج النووي الإيراني وفق الترتيبات السارية، بما يتضمن السماح لمفتشي الوكالة بالصيانة الفنية والتقنية لأجهزة المراقبة، واستبدال بطاقات الذاكرة لهذه الأجهزة؛ فإن إيران لم تسمح للمفتشين بالاطلاع على تسجيلات الكاميرات، على خلفية عدم التوصل إلى تفاهم بشأن خطة العمل المشتركة الشاملة، وعدم رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

وعلاوة على ذلك، انتقد مندوب إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كاظم غريب آبادي، في 17 سبتمبر الجاري، التقرير النهائي الذي صدر عن جلسات اجتماعات مجلس محافظي الوكالة –الذي كشف عن وجود جزيئات يورانيوم في مواقع نووية إيرانية قديمة، لم يتم الإعلان عنها في إيران سابقاً– واصفاً إياه بالوهمي وغير المهني. وعليه، فمن المحتمل أن تتكرر في عهد باقري التجربة غير المثمرة للمفاوضات التي شهدتها إيران في عهد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، عندما كان يقودها كل من أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي، ونائبه باقري كني؛ ما أدَّى في النهاية إلى صدور عدد من قرارات مجلس الأمن الدولي التي تم فرضها طهران.

4– انتقال الملف النووي إلى مجلس الأمن القومي: يثير تعيين باقري كني في منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية بعض التساؤلات المهمة، يتمثل أبرزها في مصير نظيره السابق وقائد وفد التفاوض الإيراني عباس عراقجي، هل سيبقى لتكملة مسيرته؟ أم سيتم الاستغناء عنه؟ ولا سيما بعد أن ظهرت بعض التسريبات التي تفيد بعودة ملف الاتفاق النووي إلى مجلس الأمن القومي مرةً أخرى. فرغم رغبة أطراف الاتفاق النووي (الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي) في استمرار عراقجي على رأس الوفد المفاوض، فإن بعض التقديرات الإيرانية كشفت عن أن الإبقاء على أحد أعضاء حكومة روحاني في الحكومة الجديدة قد يبدو أمراً بعيد المنال.

5– استمرار إيران في الالتفاف على العقوبات: ربما يشير تعيين باقري في منصبه الجديد إلى إصرار إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وعدم الاستجابة لضغوط ومطالب المجتمع الدولي، في إطار السياسة المتشددة التي يتوقع أن تتبناها في عهد الحكومة الجديدة. ومع ذلك، كشفت اتجاهات مختلفة في إيران عن أن هناك الكثير من العوامل التي من شأنها الحد من تأثير باقري على مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة ومجموعة (4+1)، يتمثل أبرزها في الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران بفعل العقوبات، وضعف فاعلية الطرق الأخرى غير الشرعية التي تتبعها إيران للالتفاف على هذه الجزاءات، فضلاً عن رغبة إيران في تهدئة الأوضاع مع واشنطن بغرض استكمال إجراءات حصولها على العضوية الكاملة بمنظمة شنجهاي، بعد أن كانت عضواً مراقباً منذ عام 2005، بسبب رفض بعض الأعضاء طلب الانضمام الإيراني، تجنباً للدخول في المواجهة الأمريكية الإيرانية.

عقلية جديدة

ختاماً، ربما يعني استبدال علي باقري مكانَ عباس عراقجي في منصب كبير المفاوضين النوويين في إيران –في جزء منه– أن شكل وطريقة التفاوض وترتيب الأولويات لن تبقى كما هي، ولا سيما في ظل وجود قائد للمفاوضات بعقلية جديدة؛ فإذا كان عراقجي قد فاوض بمنطق العقلانية السياسية، فقد يتبنى باقري منهج العقلانية الثورية. ولكن من المتوقع ألا يؤثر تعيين باقري على الموعد الوشيك لاستئناف المحادثات حول خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو السيناريو الذي تم تعزيزه من خلال الطريقة التي تمكنت بها إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية من تجنب حدوث أزمة خلال اجتماع مجلس محافظي الوكالة، الذي عُقد من 13 إلى 17 سبتمبر الجاري.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%af%d8%a8%d9%84%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%81%d8%b8%d9%8a%d9%86/