دروس أفغانستان:

كيف يرى الداخل الأمريكي الانسحاب من مناطق الصراعات؟
دروس أفغانستان:
18 أغسطس، 2021

عقد “إنترريجونال” للتحليلات الاستراتيجية يوم الثلاثاء الموافق 17 أغسطس 2021 حلقة نقاشية بعنوان “استراتيجية الخروج: دوافع وتداعيات الانسحاب الأمريكي من مناطق الصراعات في الشرق الأوسط”، حيث تمت استضافة “ديل سبروسانسكي” مدير تحرير دورية “تقرير واشنطن عن شؤون الشرق الأوسط”، بالعاصمة الأمريكية واشنطن، وقد أدارت الورشة “أ.جميلة سيف” مسؤول التعاون الأكاديمي بإنترريجونال وحضرها أعضاء فريق العمل في المقر والباحثين غير المقيمين، وتمثلت أبرز الاتجاهات الرئيسية في النقاش فيما يلي:

1- دعم غالبية الأمريكيين وقف “الحروب اللانهائية“: أشار المتحدث الرئيسي إلى أن غالبية الأمريكيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي يدعمون الانسحاب الذي بدأت مراحله الأولى خلال فترة حكم ترامب الذي دعم التفاوض مع طالبان. ويوجد لدى الأمريكيين توجه بضرورة وقف الانخراط في حروب لا ترتبط مباشرة بمصالح الولايات المتحدة.

2- هامشية الملف الأفغاني لدى الرأي العام: لا تشغل أفغانستان مساحة كبيرة من نقاش الرأي العام الأمريكي والأسئلة الأكثر إلحاحاً لديهم لماذا تستمر القوات الأمريكية هناك من الأساس؟ وأين هي أفغانستان على الخريطة؟ واستطلاعات الرأي العام لن تتأثر طويلاً بالانسحاب بحيث لن يؤثر الملف الأفغاني كثيراً في انتخابات التجديد النصفي القادمة.

3- أولوية الاقتصاد وحسابات التكلفة والعائد: تقوم تفضيلات الرأي العام الأمريكي على التكلفة المالية أولاً والمكاسب المتحققة ولذلك فإن خطاب بايدن حول تحمل تكلفة 2 تريليون دولار على مدار 20 عاماً في أفغانستان لاقى تأييد من الرأي العام الأمريكي.

4- التكلفة العسكرية غير المرئية للحرب: ذكر المتحدث أن قوات الجيش الأمريكي تعاني العديد من المشكلات النفسية والاجتماعية بسبب الحروب مثل الانتحار واضطرابات ما بعد الصدمة بالإضافة لخسائر الأطراف في العمليات القتالية وهو ما يرفع فاتورة إعادة تأهيل العائدين من الحرب.

ويدعم قطاع واسع من الأمريكيين إعادة تخصيص المبالغ التي يتم إنفاقها في حروب خارجية على البنية التحتية وفرص العمل وتحفيز الاقتصاد. (Funding Life not Destruction).

5- تفضيل الاستثمار في الداخل الأمريكي: يفضل الأمريكيون في المرحلة الراهنة استثمار الفوائض المالية في الداخل الأمريكي وتجنب الاستثمار في السياسة الخارجية سواء المساعدات، أو الدبلوماسية أو الحرب أو أي حلول مكلفة قد تترتب عليها رفع ميزانيات وزارات الدفاع والخارجية.

6- استدعاء مواقف العسكريين ضمن “أوراق أفغانستان”: رأى المشاركون أن الجيش الأمريكي كان لديه منذ فترة مواقف داعيه للانسحاب، ولكن بطريقة أكثر تنظيماً، وتمت الإشارة إلى “أوراق أفغانستان” (Afghanistan Papers) التي تم تسريبها للإعلام ونشرتها واشنطن بوست في 2019 وأكدت أن قيادات عليا بالقوات المسلحة الأمريكية رأت أن الحرب في أفغانستان غير قابلة للانتصار وأنها تفتقد معايير تحقيق نتيجة حاسمة، حيث كانت القيادات منخرطة في التلاعب بتقارير العمليات الميدانية لتضليل الرأي العام بشأن النتائج المتحققة هناك.

7- انتقاد “الصقور” لتكرار “لحظة سايجون”: تتمثل أبرز الجماعات ضمن معسكر رافضي الانسحاب من أفغانستان في المحافظين الجدد والصقور في الحزب الجمهوري وبعض الجماعات الداعمة لتوظيف القوة العسكرية في السياسة الأمريكية مثل المركب الصناعي العسكري واللوبي الإسرائيلي. كما تتباين أسباب الرفض ما بين الخوف على صورة ومكانة الولايات المتحدة في العالم والسخط على تكرار “لحظة سايجون” (Saigon Moment) في أفغانستان والتحسب لمكاسب خصوم الولايات المتحدة من الموقف الراهن أو الخوف من العودة للسياسات الانعزالية ووقف التدخل العسكري لحماية حلفاء واشنطن.

8- الإخفاق الاستخباراتي في توقع سرعة سقوط كابول: أشار المشاركون إلى أنه على الرغم من الوجود الأمريكي لمدة 20 عاماً على الأرض في أفغانستان أخفقت أجهزة الاستخبارات في توقع سرعة سقوط كابول وهو ما يكشف الفجوة بين التقديرات الاستخباراتية والتطورات الفعلية وأن طالبان كانت أكثر قوة مما تم تقديره.

9- انقسامات نخبوية عقب “خطاب بايدن”: انقسم المتابعون لمعسكرين الأول هو يرى أن بايدن واثق من قراره ويدعمه بقوة ويقدم رؤية مقنعة والآخر يرى أن موقف باين يتسم بالبرود واللامبالاة وعدم مراعاة الاعتبارات الإنسانية في القضية. لكن الجدل هذا نخبوي ويقتصر على الدوائر المهتمة بصنع القرار في واشنطن. ويتصل ذلك برصد التناقضات بين أطروحات “أمريكا عائدة” للسياسة العالمية التي يتبناها بايدن كشعار لسياسته الخارجية والمشهد الفوضوي للانسحاب من أفغانستان.

10- نهاية عصر إعادة بناء الدول والأنظمة: رأى المشاركون أن صناع القرار في واشنطن قد توصلوا لقناعة نهائية مفادها أن إعادة بناء الدول ونظم الحكم غير ممكن ومكلف للغاية وأن الولايات المتحدة لن تقدم مجدداً على القيام بمهام من هذا النوع باعتبارها غير مجدية وتنتهي بإخفاق محقق مثل ما حدث في أفغانستان.

11- عصر الانخراط المشروط في الشرق الأوسط: أشار المشاركون إلى أن الانسحاب لا يعني نهاية الانخراط في شؤون الشرق الأوسط لكن سيتم وضع شروط مرتبطة بالمصالح الأمريكية ورؤيتها لمدى التزامهم بقواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها على الأقل شكلياً.

12- تراجع الثقة ومصداقية الردع الأمريكي: حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا لم يعد لديهم ثقة في التزامات واشنطن الدفاعية تجاههم في مواجهة التهديدات، كما ستعزز قوة دول مثل روسيا والصين وإيران في تحدي السياسات الأمريكية والضغط على دول الجوار وتهديد أمنهم بسبب تصدع الردع الأمريكي.

ختاماً، اتفق المشاركون على أن السياسة الخارجية الأمريكية تمر بمرحلة انتقالية وستتجه في المرحلة المقبلة للسعي لتحقيق توازن ما بين الانعزالية والتدخل وستراجع أولوياتها فيما يتعلق بحسابات التكلفة والعوائد للتدخل العسكري في أقاليم العالم وهو ما ستستغله دول مثل روسيا والصين وإيران في التوسع والتمدد في الأقاليم المجاورة لها لاستغلال الحسابات المعقدة للسياسة الخارجية الأمريكية وتفضيل واشنطن الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والإجراءات العسكرية ما دون الانخراط العسكري المباشر.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%af%d8%b1%d9%88%d8%b3-%d8%a3%d9%81%d8%ba%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86/