ذاكرة العنف:

ما التداعيات المحتمَلة للانتخابات في كينيا؟
ذاكرة العنف:
17 أغسطس، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


أُجريت الانتخابات العامَّة في كينيا في التاسع من أغسطس الجاري، وهي الانتخابات التي تُعَد السابعة من نوعها عقب التحوُّل إلى نظام التعددية الحزبية منذ مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين. واستهدفت هذه الانتخابات اختيار رئيس جديد للدولة عقب انتهاء الولاية الثانية للرئيس “أوهورو كينياتا” الذي تولى المسؤولية السياسية في الدولة خلال ولايتين رئاسيتين منذ عام 2013، وكذلك اختيار أعضاء السلطة التشريعية المُكوَّنة من مجلسين (الجمعية الوطنية، ومجلس الشيوخ)، فضلاً عن اختيار أعضاء المجالس المحلية. وقد فرضت النتائج المترتبة على هذه الانتخابات حالة من المخاوف، ولا سيما في ضوء التجارب الانتخابية السابقة خلال مدة العقد والنصف الأخيرة، التي صاحبتها حالة من عدم الاستقرار في الدولة.

نتائج الانتخابات

أعلنت اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود في كينيا، في 15 أغسطس الجاري، نتائج الانتخابات العامة التي شهدت مشاركة ضئيلة نسبياً بلغت نحو (65%)، وأسفرت عن فوز المرشح “وليام روتو” بالانتخابات الرئاسية، ليصبح بذلك الرئيس الخامس لكينيا منذ الاستقلال، الذي حسم المنصب لصالحه من الجولة الأولى للانتخابات؛ وذلك بعد حصوله على نحو  (7 ملايين و176 ألفاً و141) صوتاً، وهو ما يمثل (50.49%) من إجمالي الأصوات، متغلباً بفارق ضئيل على زعيم المعارضة المخضرم ورئيس الوزراء السابق “رايلا أودينجا” الحاصل على نحو (6 ملايين و942 ألفاً و930) صوتاً بنسبة (48.8%) من إجمالي الأصوات، الذي كان يخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الخامسة في تاريخه؛ حيث سبق أن شارك في أربعة انتخابات سابقة كانت أولاها في عام  1997، وآخرها في عام 2017، بيد أنه لم يتمكَّن من حسم مقعد الرئاسة لصالحه في أيٍّ منها.

وتجدر الإشارة إلى أن المرشح الفائز “روتو” يُعَد نائب الرئيس الكيني المنتهية ولايته “كينياتا”، ويبلغ من العمر (55) عاماً، وينتمي إلى جماعة “كالينجين” الإثنية التي تعد ثالث أكبر جماعة إثنية في الدولة بنسبة (13.4%) من إجمالي السكان، وقد عمل مدرساً سابقاً، وحصل على درجة الدكتوراه في علم البيئة النباتية من جامعة “نيروبي”، ولديه خبرة بالعمل السياسي؛ حيث شغل منصب وزير الزراعة ووزير التعليم العالي فى عهد الرئيس الأسبق “مواى كيباكي”، كما انضم إلى حزب “اليوبيل” الذي يقوده الرئيس المنتهية ولايته “كينياتا”، وشغل مع الأخير منصب نائب رئيس الدولة لدورتين رئاسيتين منذ عام 2013، لكنه ترك هذا الحزب إثر خلافات نشبت بينهما، وانضم إلى “التحالف الديمقراطي المتحد” United Democratic Alliance، وأصبح مرشحه في هذه الانتخابات الرئاسية.

وعلى مستوى الانتخابات البرلمانية حصل ائتلاف “كينيا أولاً” (Kenya Kwanza) الذي ينتمى إليه الرئيس “روتو” على العدد الأكبر من المقاعد في مجلس الشيوخ؛ حيث حصل على (33) مقعداً؛ وذلك من إجمالي (68) مقعداً، وتمكَّن من الحصول على المركز الثاني من حيث عدد المقاعد في الجمعية الوطنية؛ حيث حصل على (159) مقعداً من إجمالي (350) مقعداً؛ وذلك في مقابل حصول تحالف “إعلان الوحدة” (Azimio la Umoja) التابع للمرشح “أدوينجا” على العدد الأكبر بحصوله على (162) مقعداً.

اعتبارات انتخابية حاسمة

ثمة جملة من الاعتبارات رجحت كفة المرشح الفائز “روتو” – الذي يعد ثاني أصغر رئيس لكينيا بعد فوز الرئيس المنتهية ولايته “كينياتا” في عام 2013 عن عمر يناهز الخمسين – على حساب نظيره مرشح المعارضة “أودينجا” في الانتخابات الرئاسية، وهي الاعتبارات التي يمكن إجمالها فيما يأتي:

1– اعتماد المرشح الفائز على النهج الشعبوي: اعتمد المرشح الفائز “روتو”، خلال حملته الانتخابية على هذا النهج بدرجة كبيرة على نحو جعله يتمتع بقاعدة تأييد واسعة لدى الناخبين في كينيا؛ إذ عمل على الترويج لانحداره من أصول بسيطة؛ حيث عمل بائع دجاج في صغره حتى أصبح من كبار رجال المال والأعمال، كما عيَّن عضو البرلمان الشاب “ريجاثي جاشاجوا” المنتمى إلى جماعة “كيكويو” نائباً له، الذي يتمتع بقبول في أوساط الشباب والبسطاء. وقد ركز في هذا النهج تركيزاً رئيسياً على تجاوز سياسات النخب أو السلالات الحاكمة التقليدية في كينيا، التي ارتبطت ارتباطاً مباشراً بالمرشح المنافس له “أودينجا”، الذي اعتمد اعتماداً رئيسياً على النهج النخبوي، ولا سيما في ضوء الدعم الذي يحظى به من الرئيس المنتهية ولايته “كينياتا”، وهو ما جعل استطلاعات الرأي التي جرت قبل إجراء الانتخابات تُرجِّح فوزه بنسبة كبيرة.

2– تأثيرات العامل الإثني: كان من المتوقع أن يؤدي تأييد الرئيس المنتهية ولايتة “كينياتا” المنتمي إلى جماعة “كيكويو” إلى جذب الدعم للمرشح “أودينجا” من قبل جماعته التي تعد بمنزلة أكبر جماعة إثنية؛ حيث تمثل نحو (17.1%) من إجمالي السكان، وهو ما يجعلها مؤثرة في الأصوات الانتخابية. ولكن الجماعة الإثنية التي ينتمي إليها “أودينجا” – وهي جماعة “لو” التي تعد رابع أكبر جماعة إثنية؛ حيث تمثل نحو (10.7%) من إجمالي السكان – كانت على خلاف سياسي مع جماعة “كيكويو” منذ عقود زمنية، ولم تكن المصالحة بين الجماعتين بعد التنافس لفترات طويلة كافية لرأب الصدع، وهو ما أثر تأثيراً مباشراً على فرص حسم “أودينجا” منصب الرئاسة؛ حيث اكتسح “روتو” التصويت في مناطق جماعة “كيكويو” عبر مناشدة الكينيين من الناحية الاقتصادية لا من الناحية الإثنية التقليدية فقط؛ وذلك على الرغم من قيام “أودينجا” بتعيين نائبته “مارثا كاروا” المنتمية إلى جماعة “كيكويو”، التي كانت تعمل وزيرةً سابقةً للعدل. 

3– التأثير العكسي لدعم الرئيس الأسبق “كينياتا”: شكَّل الدعم المُقدَّم من الرئيس المنتهية ولايته “كينياتا”للمرشح المعارض “أودينجا” نوعاً من التأثير السلبي المحتمل على قدرته على حسم مقعد الرئاسة لصالحه؛ حيث إن هذا الدعم اعتبرته قطاعات عريضة من الناخبين دلالة على استمرارية السياسات المتبعة من قبل نظام حكم “كينياتا”؛ وذلك في حال فوز المرشح “أودينجا”، وهو ما يعني محدودية فرص تبني التغيير أو نهج جديد ومغاير بشأن معالجة الأزمات والمشكلات القائمة على المستويات المختلفة، ولا سيما على المستويَين الاقتصادي والأمني في الدولة. 

4– الرصيد السياسي السابق للمرشح الفائز “روتو”: يرتبط ذلك بمعارضته حملة غير شعبية استمرت عاماً من قبل الرئيس المنتهية ولايته “كينياتا” ونائبه “أودينجا” لتغيير الدستور في وقت كان فيه العديد من الكينيين يعانون من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، بما في ذلك فقدان الوظائف؛ وذلك عقب جائحة كورونا. وقد قضت المحكمة العليا في النهاية بأن هذه الخطوة غير دستورية، وهو ما ساهم في دعم حملته الانتخابية كثيراً. ويُضاف إلى ذلك تبرئته وإسقاط التهم الموجهة إليه في عام  2016 في إطار المحاكمة التي خضع لها مع الرئيس الأسبق “كينياتا” جنباً إلى جنب في المحكمة الجنائية الدولية بهولندا في عام 2013؛ وذلك بتهمة ارتكاب جرائم مزعومة ضد الإنسانية عقب أعمال عنف دامية شهدتها الانتخابات التي أُجريت في عام 2007.

5– انقسام بين أعضاء اللجنة الانتخابية بسبب نتائج الانتخابات: حيثتأخَّر إعلان النتائج لأكثر من ساعتين بعد الموعد النهائي الدستوري  بفعل الاختلاف بين أعضاء اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود الكينية على النتائج المعلنة؛ حيث رفض أربعة من أعضاء هذه اللجنة البالغ عدهم سبعة أعضاء التصديق على النتائج التي أعلنها رئيس اللجنة “وفولا تشيبوكاتي”؛ إذ أكدوا أنها لا تتسم بالشفافية والنزاهة. وكانت نائبة رئيس اللجنة “جوليانا شيريرا” من بين الذين اختلفوا مع النتائج، لكن لم تقدم أي دليل على وجود مخالفات. وفي هذا الإطار، أعلن رئيس اللجنة الانتخابية عن تلقيه تهديدات، لكنه أكد أنها لم تشكل عائقاً أمام أداء مهامه، وأشار إلى إصابة اثنَين من المفوضين الانتخابيين والمدير التنفيذي للجنة.

6– رفض تحالف المرشح المنافس “أودينجا” الاعتراف بنتائج الانتخابات: وهو ما كان قائماً في مرحلةٍ ما قبل إعلان النتائج، واستمرَّ في مرحلة ما بعد إعلانها؛ حيث حدثت حالة من الفوضى في إطار مركز الفرز الوطني لفترة وجيزة؛ وذلك بعد وقت قصير من رفض أنصار “أودينجا” النتائج المعلنة من قِبل اللجنة الانتخابية، كما أعلن “أودينجا”، في بيانه الأول عقب إعلان النتائج، عن رفضه الاعتراف بفوز المرشح “روتو” رئيساً للدولة، وأشار إلى تجاوز رئيس اللجنة الانتخابية “وفولا تشيبوكاتي” الدستورَ من خلال إعلان النتائج من طرف واحد دون إخضاعها للمراجعة والمناقشة من قبل المفوضين أو أعضاء اللجنة الانتخابية.

7– اندلاع احتجاجات من قِبل أنصار المرشح “أودينجا”: على الرغم من دعوة  أنصاره إلى الحفاظ على السلام والهدوء من أجل اتباع السبل الدستورية بشأن التعامل مع النتائج المعلنة، اندلعت احتجاجات على نحو كبير في مدينة “كيسومو” التي تُعَد معقلاً للمرشح المعارض “أودينجا”، وفي أجزاء من العاصمة “نيروبي”؛ وذلك على الرغم وجود احتفالات في أجزاء أخرى من البلاد، ولا سيما في إطار منطقة “وادي ريفت” أحد معاقل المرشح الفائز “روتو”، وفي المنطقة الوسطى أحد معاقل نائبه “ريجاثي جاتشاجوا”.

تداعيات محتملة

يطرح فوز الرئيس “روتو” العديد من التداعليات المحتملة على المشهد السياسى الداخلي في كينيا، وهي التداعيات التي يمكن تحديدها في النقاط الآتية:

1– إمكانية تفشي حالة من عدم الاستقرار في الدولة: ثمة مخاوف من أن تؤدي المزاعم المحتملة إلى التلاعب في الانتخابات من قِبل المرشح “أودينجا” وأنصاره إلى طعن قانوني أو حتى أعمال عنف واسعة النطاق، على نحو ما شهدته البلاد عقب انتخابات 2007، التي قُتل خلالها ما لا يقل عن (1200) شخص، ولجأ نحو (600) ألف شخص للفرار من منازلهم، أو تؤدي إلى تكرار سيناريو إعادة الانتخابات بقرار من المحكمة العليا على نحو ما حدث في عام 2017 الذي صاحبته أعمال عنف في الدولة أسفرت عن سقوط أكثر من مائة شخص، وهو ما يجعل كينيا تواجه ما يقرب من ثلاثة أسابيع مقبلة حاسمة تسودها حالة من عدم اليقين المشوب بالحذر، ولا سيما إذا قدم المرشح “أودينجا” التماساً في غضون أسبوع من تاريخ إعلان النتائج إلى المحكمة العليا، التي يفترض أن تبت في الالتماسات أو الطعون الانتخابية خلال أسبوعين من تاريخ تقديمه إليها.

 ويُرجَّح لجوء المرشح “أودينجا” إلى هذا المسار في ضوء ما أدلى به في بيانه الأول عقب إعلان النتائج؛ حيث أشار إلى أنه سيسعى وراء جميع الخيارات الدستورية المتاحة، وقيامه مسبقاً بتقديم طعون انتخابية في عامي 2013 و2017، فضلاً عن شعوره بصعوبة ترشحه مستقبلاً للمرة السادسة في الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في عام 2027، ولا سيما في ضوء كبر سنه؛ حيث إنه في سن السابعة والسبعين.

2– تنامي الضغوط الشعبية بشأن معالجة المشكلات الاقتصادية المُلحَّة: من المُتوقَّع أن تتزايد هذه الضعوط على الرئيس “روتو” في بداية ولايته الرئاسية،  وخاصةً في ضوء الأوضاع الاقتصادية الصعبة في كينيا؛ حيث إنها مثقلة بالدين العام بأكثر من (8.5) تريليون شلن (55 مليار جنيه إسترليني)، وتشهد تزايداً في معدلات البطالة بين الشباب التي تصل إلى نحو (40%) بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين (18–34) عاماً، كما أن الاقتصاد لا يخلق وظائف كافية لاستيعاب (800) ألف شاب ينضمون إلى سوق العمل كل عام، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود ارتفاعاً كبيراً، لا سيما في ضوء التأثيرات المتنامية للحرب الروسية–الأوكرانية على أفريقيا، التي بدأت منذ أواخر فبراير الماضي، وفاقمت التداعيات الصعبة لجائحة كورونا على مختلف المستويات.

3– تبلور مساعٍ لتحقيق التوازن بين الجماعات الإثنية في الدولة: من المتوقع أن يشكل هذا الجانب أولوية من الأولويات الرئيسية المطروحة على جدول أعمال الرئيس “روتو”، وهو ما تبلور في الخطاب الأول له؛ حيث أكد تبني سياسة الانفتاح على الجميع دون استثناء، وتولي إدارة الدولة عبر حكومة تتسم بالشفافة والديمقراطية، وتعمل مع المعارضة السياسية على نحوٍ يُمكِّن الأخيرة من مراقبة عمل هذه الحكومة.

وهو ما يعنى إدراكه حقيقة أن التباينات المجتمعية – وعلى رأسها الإثنية – تشكل عاملاً رئيسياً في السياسة الكينية؛ فعلى الرغم من انتمائه إلى جماعة “كالينجين” الإثنية، سيسعى إلى تأكيد أن حكومته تمثل الجماعات الإثنية المختلفة في الدولة، وعلى رأسها جماعة ” كيكويو ” التي اختار نائبه منها، والتي تلعب دوراً مؤثراً في الحياة السياسية منذ الاستقلال في عام 1963؛ حيث كان ينتمي إليها أربعة رؤساء سابقون، كان آخرهم الرئيس السابق “كينياتا”، وكذلك جماعة “لوو” التي ينتمي إليه المرشح الخاسر “أودينجا”، ولا سيما في ضوء عدم قدوم أي مرشح من  هذه الجماعة لمنصب الرئاسة في تاريخ كينيا، وهو ما يجعلها قد تشعر بنوع من التهميش والظلم.

وختاماً، تطرح الرؤية المستقبلية للمشهد السياسي في كينيا، عقب إعلان نتائج الانتخابات، حالة من الترقب المشوب بالحذر والحيطة من تكرار سيناريو  عدم الاستقرار الداخلي في الدولة عبر توظيف العنف المصاحب للعمليات الانتخابية على نحو ما حدث من قبل. ويتوقَّف هذا الأمر على النتائج المرتقبة للمسار الدستوري الذي سيلجأ إليه المرشح الخاسر “أودينجا” وسيلةً للتعبير عن اعتراضه على نتائج الانتخابات؛ حيث إن البتَّ بشأن مدى صحة هذه النتائج من عدمه، سيكون له تأثير مباشر على الوضع القادم في الدولة على كافة الأصعدة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d9%81/