رؤية “كليفرلي”:

ما أهم توجُّهات وزير الخارجية البريطاني الجديد؟
رؤية “كليفرلي”:
28 سبتمبر، 2022

اختارت رئيسة الوزراء البريطانية “ليز تراس” تشكيلة حكومتها، في 6 سبتمبر 2022، بعد انتخابها زعيمةً لحزب المحافظين خلفاً لـ”بوريس جونسون”، بعد أن كلَّفتها بذلك الملكة الراحلة “إليزابيث الثانية” قُبيل وفاتها في 8 سبتمبر، إلا أن هيكل الحكومة جاء مميزاً وفريداً؛ حيث غلب على طبيعة أعضائه كونهم “أهلًا لثقة” تراس، فضلاً عن غياب أصحاب البشرة البيضاء للمرة الأولى عن المناصب الرئيسية في السلطة التنفيذية؛ إذ تتولى “سويلا بريفرمان” المولودة في الهند وزارة الداخلية، و”كواسي كوارتنج” حقيبة الخزانة، و”جيمس كليفرلي” وزارة الخارجية خلفاً لتراس نفسها، الذي يُعَد الحليف القديم لبوريس جونسون والداعم القوي لها.

ويعكس قرار تعيين “كليفرلي” الذي كان يشغل منصب وزير التعليم، سياسة “تراس” القائمة على الاعتماد على السياسيين الداعمين لها، وخصوصاً الذين دعموا حملتها في وجه منافسها “ريشي سوناك”. وبالرغم من ثناء المراقبين والخبراء على هذه الخطوة؛ ليس فقط لكون “كليفرلي” من أمهر الشخصيات السياسية الموجودة في دولة بريطانيا، لكن أيضاً لتدرُّجه في المناصب السياسية المختلفة التي تتصل بالعلاقات الدولية والسياسة الخارجية، إلا أن اضطراب الأحداث وتسارعها على الساحات البريطانية والأوروبية والدولية، يضع على عاتقه عدة تحديات؛ ما أدى إلى إثارة العديد من التساؤلات حول دور “كليفرلي” في تحقيق أهداف بريطانيا، فضلاً عن رؤيته إلى القضايا المختلفة موضع اهتمام السياسة الخارجية البريطانية.

نشأة تقليدية

وُلد “كليفرلي” في 4 سبتمبر 1969، بحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية، بمدينة لويشام في لندن لوالد بريطاني يدعى “جيمس فيليب”، ووالدة من سيراليون تدعى “إيفلين سونا”. وتلقَّى “كليفرلي” تعليمه في مدرستي ريفرستون وكولف الخاصتين، وكلتاهما في “لي جرين” بلندن، ثم انضم إلى الجيش، إلا أنه لم يَحْظَ بمسيرة عسكرية كاملة بسبب إصابة في الساق عام 1989. التحق بعد ذلك بكلية الفنون التطبيقية في غرب لندن؛ حيث حصل على بكالوريوس في إدارة الضيافة، والتقى “سوزانا سباركس” التي تزوجها عام 2000، وأنجبا ولدين؛ هما فريدي وروبرت. وبعد تخرجه، بدأ كليفرلي مسيرة مهنية في قطاع النشر الورقي والرقمي، وقد تولى إدارة مواقع إلكترونية لمساعدة الشركات الصغيرة على النمو.

رغم إصابته في نهاية الثمانينيات، صمَّم “كليفرلي” على الانضمام إلى جيش الاحتياط البري البريطاني عام 1991. وتم تكليفه في البداية ملازماً ثانياً، ثم أصبح ملازماً ثانياً فنياً في يناير 1993، ثم ترقَّى إلى رتبة ملازم أول في أكتوبر 1993، ثم إلى رتبة نقيب في مايو 1998، ومنها إلى رتبة رائد في نوفمبر 2003. وحتى عام 2005، كان قائد البطارية 266 التابعة للمدفعية الملكية، ثم تمَّت ترقيته إلى رتبة عقيد في الأول من مارس 2015.

سياسي مخضرم

تُراهِن “ليز تراس” على مساهمة “جيمس كليفرلي” في تطوير العلاقات الإقليمية والدولية لبريطانيا. ويرجع هذا الأمر إلى العديد من المقومات الشخصية والخبرات العملية التي يمتلكها، ومن أبرزها ما يأتي:

1– الخبرة بالشؤون المحلية: يُعَد “كليفرلي” سياسياً محافظاً مخضرماً؛ حيث كان فيما سبق عضواً في هيئة لندن التشريعية عن دائرة بيكسلي وبروملي من عام 2008 حتى عام 2016. وعمل “كليفرلي” في عام 2012 رئيساً لهيئة الإطفاء في لندن بتعيين من “بوريس جونسون” عمدة لندن آنذاك.

لكن في 2015 أصبح عضواً في البرلمان البريطاني عن دائرة “برينتري” الانتخابية في إيسيكس شمال شرق العاصمة، ومن ثم تقلَّد في 2018 منصب نائب رئيس حزب المحافظين، وتولى منصب الرئيس المساعد لحزب المحافظين في 2019 بجانب بن إليوت، ثم وزيراً للدولة للتنمية الدولية في 2020، وقُبيل تعيينه وزيراً للخارجية، تولى “كليفرلي” وزارة الدولة للتعليم في يوليو 2022.

2– الإلمام بالشؤون الشرق أوسطية: شغل “كليفرلي” منصب وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فبراير 2020، واستمرَّ في هذا المنصب المندرج تحت وزارة الخارجية حتى فبراير 2022، ثم تولى منصب وزير أوروبا وأمريكا الشمالية في فبراير 2022، وكان خلال هذه الفترة يتولى عقد اجتماعات الشرق الأوسط، نظراً إلى تمتُّعه بمهارات إقناعية كبيرة. وكذلك يتميز “كليفرلي” بامتلاكه خبرة عالية جداً ومباشرة في التعامل مع إيران.

3– جهوده بشأن البريكست: تبنَّى كليفرلي شعار “بريطانيا العالمية” بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي “بريكست”، ملتزماً بـ”استعادة” مكانة بلاده على الساحة الدولية بعد تحرُّرها من قيود الاتحاد الأوروبي؛ لذلك دعا إلى التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لعام 2016؛ حيث رأى أنه رغم التحديات فإن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، أقل ضرراً من التراجع عن تنفيذ “بريكست”، وتولى منصب الوكيل البرلماني لوزارة خروج الدولة من الاتحاد الأوروبي من أبريل إلى يوليو في عام 2019، عقب استقالة كريس هيتون هاريس، كما شغل “كليفرلي” منصب وكيل وزارة الخارجية البرلمانية للخروج من الاتحاد الأوروبي خلال الفترة من 4 أبريل 2019–24 يوليو 2019 في إدارة رئيسة الوزراء “تيريزا ماي”، وكذلك تولى منصب وزير الدولة للشؤون الأوروبية في 2022.

اتجاهات رئيسية

لا شك أن “كليفرلي” يتولى منصبه في توقيت حرج وذاخر بالأحداث؛ فبالإضافة إلى الحرب في أوكرانيا والعلاقات المتوترة بدرجة متزايدة مع الصين، سيتعين عليه إدارة المواجهة مع الاتحاد الأوروبي بشأن وضع أيرلندا الشمالية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ لذلك يُعوِّل “كليفرلي” على الخبرة التي اكتسبها في وزارة الخارجية خلال السنتين الماضيتين، وزيراً لشؤون الشرق الأوسط، ثم لشؤون أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي الوقت الذي لم يعلن فيه “كليفرلي” بعدُ عن أولويات وزارته، فإن من المتوقع أنها ستسير في فلك السياسات الخارجية التي اعتمدتها ليز تراس، عند شغلها منصب وزير الخارجية في حكومة جونسون؛ وذلك على النحو الآتي:

1– دعم استمرار التقارب البريطاني–الخليجي: انخرط “كليفرلي” في مباحثات اقتصادية واستثمارية مع دول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، خلال توليه منصب وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2020؛ وذلك لبحث تعزيز التعاون التجاري لحقبة ما بعد “بريكست”.

كذلك قاد “كليفرلي” مباحثات لإطلاق مراجعة مشتركة للعلاقات التجارية والاستثمارية، وهي إحدى الآليات التي ستتيح إيجاد طرق لزيادة التجارة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، وأوضح في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، في فبراير 2021، أن بلاده “حريصة جداً على تعزيز العلاقة التجارية القوية جداً بالفعل، وتوسيع هذه الشراكة إلى مجالات تحظى باهتمام في الخليج، بما في ذلك الطاقة الخضراء والتعليم والرعاية الصحية، فضلاً عن مجالات التعاون الاقتصادي التقليدية”. وكذلك أشار “كليفرلي” إلى أن “المملكة العربية السعودية اقتصاد رئيسي في الساحة العالمية، ومن الضروري للغاية أن نحافظ على علاقة قوية وإيجابية معها”.

ومؤخراً، ترأس “كليفرلي” الاجتماع الوزاري بين الترويكا الخليجية والمملكة المتحدة على هامش الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك؛ حيث جرى خلال الاجتماع استعراض العلاقات الودية بين دول المجلس والمملكة المتحدة، وسبل تعزيزها في كافة مجالات التعاون، كما تطرق اللقاء إلى العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. وفي سياق آخر، أعرب “كليفرلي” عن شكره وعرفانه للأمير “محمد بن سلمان” ولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء، على دوره في عودة خمسة مواطنين بريطانيين كانوا محتجزين في شرق أوكرانيا، في إطار عملية تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا.

2– تأييد الاتفاق النووي الإيراني: في حين يعتقد بعض الخبراء أن “ليز تراس” قد تتخذ موقفاً أكثر صرامةً تجاه إيران من رئيس الوزراء السابق “بوريس جونسون”، فإن تاريخها الطويل من البرجماتية يشير إلى أنها قد تحاول صياغة نهج مشترك مع إدارة بايدن وفرنسا وألمانيا. ومن المتوقع أن يكون “كليفرلي” المؤيد القوي لتراس، راغباً في اتخاذ مثل هذا النهج.

لذلك على الرغم من تأكيد “كليفرلي” أن الاتفاق النووي سوف يعود إذا بقيت تصرفات إيران إيجابية، عاد ليقول: “للأسف، لم نشهد تقدُّماً للمفاوضات بالسرعة التي كنا نأملها.. لقد توقفت”، وأضاف أن “الأمر في أيدي الإيرانيين الآن؛ فهناك عرض معقول وعملي للغاية مطروح على الطاولة، وعلى الإيرانيين أن ينتهزوا الفرصة للتحرك في اتجاه أفضل”؛ إذ تدعم إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق؛ حيث ستتمتع إيران بتخفيف العقوبات مقابل قيود صارمة على برنامجها النووي، لكنها تقول إنها لا تستطيع ضمان ما سيفعله أيٌّ من الرؤساء المستقبليين.

وعلى الصعيد الآخر، علَّق “كليفرلي” على الاحتجاجات الشعبية الأخيرة التي تعصف بإيران بعد وفاة “مهساء أميني” التي اعتقلتها شرطة الأخلاق، داعياً القيادة الإيرانية إلى اختيار “مسار آخر”، وملاحظة عدم رضا الشعب عن الاتجاه الذي تسلكه الدولة، قائلاً: “يمكنهم التخلي عن تطلعاتهم إلى الحصول على أسلحة نووية، والتوقف عن قمع الأصوات داخل بلادهم، ووقف أنشطتهم المزعزعة للاستقرار”.

3– علاقات تعاونية مع الدول العربية: خلال شَغله منصب وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عمل “كليفرلي” على تعزيز علاقة بلاده بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأجرى خلال هذه الفترة زيارات إلى عدة دول عربية. وهو ما تجلَّى في لقاء “كليفرلي” نظيره المصري “سامح شكري” في نيويورك؛ حيث تطلع الوزير البريطاني إلى تعزيز التعاون في مجال السياحة والاستثمارات، كما تبادلا الرؤى ووجهات النظر حول عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية وتداعياتها على الاقتصاد العالمي.

4– تأييد استمرار التعاون البريطاني–الأمريكي: يحرص “كليفرلي” على تعزيز التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في الملفات المشتركة. وعلى هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، التقى “كليفرلي” في 20 سبتمبر 2022، نظيره الأمريكي “أنتوني بلينكن” في مدينة نيويورك؛ لتأكيد دعمهما الثابت الطويل الأمد لأوكرانيا، والحفاظ على وحدة الشركاء لضمان فشل الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في حربه غير الشرعية.

كما أكد “كليفرلي” مجدداً التزام المملكة المتحدة بالحفاظ على النظام الدولي القائم على قواعد السلام والاستقرار، خاصةً عبر مضيق تايوان وخارجه، والتحديات التي تطرحها جمهورية الصين الشعبية بوجه عام، حسبما أعلنت مجموعة السبع الشهر الماضي. وناقش الجانبان التهديد الذي يُشكِّله استمرار إيران في التصعيد النووي على الأمن والسلم الدوليَّين، وأكد كلاهما التزامهما بأمن “شركائنا في الشرق الأوسط”.

5– الحذر من تزايد النفوذ الصيني: عُرِف “كليفرلي” بمخاوفه من نفوذ الصين؛ حيث اقترح سابقاً فرض حظر على 30 معهداً كونفوشيوسياً في بريطانيا. وعلى الرغم من أن تراس لم تُبْدِ مخاوف في هذا الشأن بأسلوب علني، فإن “كليفرلي” جادل بأن “تراس كانت تركز على بكين (لبعض الوقت). وإننا نحتاج إلى النظر إلى تأثير الصين؛ ليس فقط على المسرح العالمي، بل هنا في المملكة المتحدة”.

وكذلك أعرب “كليفرلي” عن قلقه بشأن التوترات الحالية في مضيق تايوان؛ وذلك في اجتماعه مع وزير الخارجية الصيني “وانج يي” على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنه أوضح أيضاً أهمية المشاركة البنَّاءة مع الصين، بصفتها أحد أعضاء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن في القضايا الرئيسية، في التحديات الخارجية والأمنية وتغير المناخ والصحة العالمية.

6– الدعم غير المشروط لأوكرانيا: قبل أيام من شن روسيا حرباً على أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، تسلَّم “كليفرلي” منصب وزير الدولة لشؤون أوروبا وأمريكا الشمالية، ولم يتأخَّر عن المساهمة في دفع جهود حكومته لحشد الدعم لأوكرانيا، وفرض أكبر حزمة عقوبات غربية على روسيا.

كما خصص “كليفرلي” أول تعليق له، عقب انتخاب تراس زعيمةً لحزب المحافظين، للحديث عن الحرب الروسية–الأوكرانية، وقال إن “علينا، بكل تأكيد، أن نقف بثبات في دعمنا للرئيس (فولوديمير زيلينسكي) وشعب أوكرانيا”، مؤكداً: “ليس لديَّ شك في أننا سنستمر حلفاء أقوياء لكييف كما كنا في عهد بوريس جونسون”. وكذلك شدد “كليفرلي” على التزام المملكة المتحدة بالعمل مع الحلفاء لمحاسبة روسيا والسعي إلى تحقيق العدالة للضحايا، كما حذر من تلاعب موسكو بنتائج الاستفتاءات الخاصة حتى تصبح المناطق التي تسيطر عليها في شرق وجنوب أوكرانيا جزءاً من أرضها.

وتعليقاً على تصريح الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” الأخير حول استعداده لاستخدام جميع الوسائل المتاحة في حالة وجود تهديد لسلامة روسيا، واتهامه الغرب باستخدامه الابتزاز النووي وأسلحة الدمار الشامل ضد موسكو؛ قال “كليفرلي” إن “الغرب لم يهدد روسيا بتاتاً ولم يحاول التعدي على سلامتها الإقليمية، لكننا سنواصل دعم الأوكرانيين”، إلا أن دور “كليفرلي” المؤيد لأوكرانيا أثار انتقادات واسعة؛ إذ واجه برنامج اللجوء عدة تحديات عند إطلاقه، وتأخَّر في نظر آلاف الطلبات.

وإجمالاً لما سبق، فإنه على الرغم من طموحات السياسيين نحو تغييرات إيجابية سوف ينفذها “كليفرلي” سيكون لها كبير الأثر على علاقات بريطانيا بالدول الخارجية، وزيادة ثقلها السياسي التاريخي، خاصةً أنه يتمتَّع بمهارات إقناعية كبيرة.. فإن هناك توجهاً آخر يرى أن تراس اختارت “كليفرلي” لتحتفظ لنفسها بصنع القرار؛ الأمر الذي يضع على عاتقه مزيداً من التحديات لإثبات جدارته بهذا المنصب الحيوي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b1%d8%a4%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%84%d9%8a%d9%81%d8%b1%d9%84%d9%8a/