سؤال الضرورة:

هل يمكن للمنطقة العربية الاستغناء عن أمريكا؟
سؤال الضرورة:
23 سبتمبر، 2021

هل يمكن لنا الاستغناء عن الرهان على الولايات المتحدة الاميركية أو البحث عن بديل لدورها؟

سؤال الضرورة الأعظم الذي تفرضه علينا بقوة مشهدية وآثار الارتباك والاضطراب والخلل التي تسببه سياسة واشنطن الحالية المسماة “بالواقعية الجديدة”.

هذه السياسة هي تنويع قديم على مبادئ راسخة في الاستراتيجية الاميركية تعتمد على التركيز بقوة على مناطق اهتمام جيواستراتيجية في العالم والعمل بكل قوة للسيطرة والهيمنة عليها، ثم يتم التخلي عنها وإحلالها بمراكز تواجد استراتيجي أخرى تمثل الأولويات الجديدة والمتغيرة للمصالح العليا الاميركية في حقبة ما.

هنا يصح السؤال لو كنت حاكماً عربياً أو مدير جهاز استخبارات عربي أو مستشار أمن قومي أو وزير خارجية أو رئيس أركان لجيش عربي كيف تقيّم الدور الاميركي؟ هل تعتبره دور:

١- حليف موثوق بشكل استراتيجي؟

٢- تاجر مصالح وبائع سلاح رئيسي؟

٣- خصم أو عدو؟

٤- قوة عظمى لا يستهان بها يستحسن التعامل معها بحرص وحياد؟

هنا، يجب أن تقول بموضوعية إنّ الاميركيين في سياستهم لا يحبون ولا يكرهون وليست لديهم عداوات دائمة أو تحالفات دائمة، انها كما يقول كيسينجر: “تبقى حركة مصالح قبل أي شيء وكل شيء”. بهذا المفهوم الصحيح لمحرك ودافع السياسة الخارجية الاميركية نقول: “إنّ السلوك الاميركي عابر للانحياز او الكراهية لنا لكنه مبني بالدرجة الاولى على قدرة هذه العلاقة في خدمة المصالح العليا الاميركية بالدرجة الاولى قبل أي شيء آخر”.

وحتى لا يطرح اي مراقب سؤال: ولكن لماذا هذا الانحياز الكامل لإسرائيل؟

نقول إنّ العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا تندرج تحت بند العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، لكنها مسألة عميقة تتصل بالتركيبة الداخلية للمجتمع الاميركي، وهي ذات أبعاد سياسية واقتصادية ودينية وعرقية متداخلة ومتشابكة بشكل معقد يتأثر بشبكة نفوذ اللوبي اليهودي – الصهيوني – المسيحي في المؤسسات ومفاصل صناعة القرار.

من هنا نصل الى حقيقتين لا يمكن تجاهلهما:

الأولى: ان الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم وحتى ٣ حقب على الاقل هي لاعب مركزي وأساسي يحدد قواعد التوازن الدولي والعلاقات بين الكبار والصغار.

الثاني: ان الولايات المتحدة لم تعد وحدها المهيمن على تقرير واقع العالم، وأنّ القوى الصاعدة في هذا العالم وعلى رأسها الصين، روسيا، الهند، اليابان وكوريا الجنوبية، مع مجتمعات أقلية صاعدة في افريقيا وشرق آسيا سوف تخصم من الانفراد الاميركي بالقرار.

خلاصة القول إنّ دور الولايات المتحدة لا يمكن الاستغناء عنه، ولكن لن يعد وحده ودون سواه القوة المهيمنة على القرار الدولي، وبالتالي على مصائر البلاد والعباد في الشرق الاوسط. هنا لا بد من مراعاة عوامل أساسية عدة ونحن نعد “للتعامل الجديد” مع “الواقعية الجديدة” للسياسة الاميركية.

أولاً: إياك ان تصل في خلافك مع الاميركيين الى مرحلة العقوبات او الاستدراج نحو حرب بالوكالة في المنطقة.

ثانياً: إياك أن تدخل في محاور أقليمية أو دولية هدفها الاول هو ممارسة كل اشكال الصراع مع الولايات المتحدة لأنّ “الحماقة السياسية” في واشنطن قد تكلفك الكثير.

ثالثاً: لا تراهن مطلقاً على الساسة الاميركيين سواء كانوا ديموقراطيين أو جمهوريين.

رابعاً: لا تبني تقييم علاقاتك مع الولايات المتحدة على فرد، فالرئيس الاميركي ليس صاحب قراره والبيت الابيض ليس المؤسسة الوحيدة المؤثرة في صناعة القرار.

خامساً: لا تحاول التدخل في علاقة واشنطن بتل أبيب لأنها مسألة شديدة الخصوصية ترتبط بالسياسة والتوازنات الداخلية الاميركية اكثر من كونها ملفاً في السياسة الخارجية.

سادساً: اي قوى صاعدة مثل الصين او روسيا او الاتحاد الاوروبي تستحق تدعيم شبكة المصالح معها في كافة المجالات، لكن لا تعتقد ولو للحظة واحدة انهم اكثر طهارة او مبدئية من الاميركيين.

سابعاً: تأكد دائماً ان الجميع يبحثون عن خدمة مصالحهم بالدرجة الاولى حتى لو كان ثمن ذلك هو هلاكك!

ثامناً: تعريف القوة في الحقب المقبلة هو القوة الاقتصادية بالدرجة الاولى، ومدى قدرة نظامك على إحداث الاستقرار الداخلي عبر نظام قوي ومتماسك في الداخل.

تاسعاً: لا يجب أن يعتمد اي حاكم في حماية نفسه ونظامه على أي قوى دولية او إقليمية كائناً من كانت.

عاشراً: تعامل مع الجميع في البيع والشراء، في التعاون وفي التنسيق، ولا تسيّس الاقتصاد، ولكن حوّل العلاقات السياسية الى منافع حقيقية لبلادك وشعبك.

وختاماً، نقول لا يوجد منذ بداية الخلق وحتى قيام الساعة نظام حكم، واقتصاد دولة قائم بذاته وليس بحاجة الى التعاون مع الغير. هذا كله لا يعني ان نتاجر في السيادة او نقايض على مصالح الوطن ولا يجب ايضاً ان نلعب لعبة المواجهات العنترية!! إنه عالم جديد تماماً، في حالة سيولة مالية يتشكل وفق ضغوط وصراعات ومقايضات وصفقات خطرة، أصعب ما فيها انها تتم في غياب كامل منا، وغيبوبة سياسية سببها الاول والاخير اننا ما زلنا نعتقد ان قواعد النظام القديم لم تتغيّر بعد!

المصدر: جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونية


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%b1%d9%88%d8%b1%d8%a9/