ساحة للتنافس:

دلالات تعيين سفير أمريكي جديد لشؤون منطقة القطب الشمالي
ساحة للتنافس:
1 سبتمبر، 2022

تعتزم الولايات المتحدة تعيين سفير جديد لشؤون منطقة القطب الشمالي، على خلفية تزايد الأهمية الاستراتيجية للمنطقة من ناحية، وتصاعد النشاط العسكري الروسي فيها من ناحية ثانية. ومن المتوقع أن يحل السفير الأمريكي المتجول محل منصب المنسق الأمريكي لشؤون القطب الشمالي الذي يشغله في الوقت الراهن الدبلوماسي “جيم ديهارت”؛ وذلك عقب موافقة مجلس الشيوخ؛ حيث أكدت وزارة الخارجية الأمريكية، في 27 أغسطس 2022، أن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” يخطط لرفع منصب منسق القطب الشمالي من خلال تعيين سفير متجول لتلك المنطقة عقب موافقة مجلس الشيوخ.

عوامل محفزة

ثمة جملة من الأسباب دفعت الإدارة الأمريكية إلى استحداث منصب السفير الأمريكي لشؤون منطقة القطب الشمالي، ويمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي:

1- إدراك واشنطن الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي: يرجع تعيين سفير أمريكي جديد لمنطقة القطب الشمالي إلى الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للمنطقة، وهو ما أكده وزير الخارجة الأمريكي “أنتوني بلينكن” بالقول إن “السلام والاستقرار في المنطقة لهما أهمية استراتيجية حاسمة للولايات المتحدة”، كما سبق أن أكد “بلينكن” في اجتماع لمجلس القطب الشمالي في عام 2021 في أيسلندا أن “دول المنطقة لديها مسؤولية لضمان التعاون السلمي”، وأضاف: “لقد استحوذ القطب الشمالي بوصفه منطقة منافسة استراتيجية على اهتمام العالم، لكنه أكثر من منطقة ذات أهمية استراتيجية أو اقتصادية؛ إنها موطن شعبنا، ويقع على عاتقنا مسؤولية حماية هذا التعاون السلمي والبناء عليه بوصفنا جيراناً وشركاء”.

2- وجود رغبة في تعزيز النفوذ الأمريكي في القطب الشمالي: تهدف الإدارة الأمريكية من وراء تعيين سفير أمريكي جديد لمنطقة القطب الشمالي إلى تعزيز السياسة الأمريكية في المنطقة من جهة، وتكثيف الدبلوماسية الأمريكية فيها، لا سيما في ظل الحضور الروسي والصيني في المنطقة القطبية مع ظهور ممرات مائية من جراء التغيرات المناخية من جهة ثانية. ومن الملاحظ إدراك واشنطن عدم قدرتها على مجاراة الجانبين الروسي والصيني في المنطقة، وهو الأمر الذي أكده وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “ريكس تيلرسون” في ديسمبر 2017 حينما قال إن “البيت الأبيض أدرك خطأ أسلافه، ويحاول الآن بقوة اللحاق بمنافسيه في السباق إلى ثروات القطب الشمالي”.

3- الاتساق مع تعليق المشاركة في مجلس القطب الشمالي: جاء الإعلان عن منصب السفير الأمريكي الجديد لمنطقة القطب الشمالي في الوقت الذي بدأت فيه محادثات لعدة أيام في جرينلاند بشأن تلك المنطقة. وتتسق هذه الخطوة مع تعليق سبع دول على رأسها الولايات المتحدة من أصل ثمان يتشكل منها مجلس القطب الشمالي، مشاركتها في وقت سابق من العام الجاري من جراء تولي روسيا الرئاسة الدورية لهذا المجلس على خلفية الحرب الروسية–الأوكرانية، كما سبق أن أشار السفير الروسي في واشنطن “أناتولي أنطونوف” إلى قلق بلاده من الخطط الرامية إلى استئناف عمل المجلس دون مشاركتها، وحذر من أن القرارات التي سيتم اتخاذها لن تكون شرعية؛ لانتهاكها مبدأ الإجماع المنصوص عليه في وثيقة تأسيس المجلس.

4- السعي إلى تقوية علاقات واشنطن ودول القطب الشمالي: وفقاً لنائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية “فيدانت باتيل”، فإن السفير الأمريكي الجديد سيتعامل مع دول القطب الشمالي السبع الأخرى (كندا، والدنمارك، وفنلندا، وأيسلندا، والنرويج، والسويد، وروسيا)، بالإضافة إلى مجموعات السكان الأصليين ومن لهم مصالح هناك. أو بعبارة ثانية، فإن مهمة السفير الجديد تتمثل في التعامل مع دول القطب الشمالي ومجموعات السكان الأصليين وأصحاب المصلحة الآخرين، لا سيما في ظل تزايد حدة المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا بالتزامن مع الحرب الروسية–الأوكرانية.

مزاحمة دولية

يأتي استحداث الولايات المتحدة منصب السفير الأمريكي لشؤون منطقة القطب الشمالي في وقت يتزايد فيه التنافس الدولي على هذه المنطقة الاستراتيجية؛ فمن شأن التغيرات المناخية وذوبان الجليد أن يضفي على القطب الشمالي المزيد من الأهمية الاستراتيجية مع تزايد سهولة الوصول إلى المنطقة بفعل وجود المزيد من الممرات المائية التي كان يستحيل عبورها أمام السفن التجارية والعسكرية.

ولا شك أن التنافس الاستراتيجي على المنطقة، لا سيما من قبل الصين والولايات المتحدة وروسيا، سيسهم في تحديد ملامح الجغرافيا السياسية لعقود مقبلة. وتتضح أبرز ملامح المنافسة الدولية لواشنطن في المنطقة عبر النقاط التالية:                                          

1- تنويع روسيا أدوات ومداخل تعزيز نفوذها في المنطقة: تعزز موسكو وجودها بالقرب من القطب الشمالي من خلال نشر غواصات وطائرات حربية مجهزة، واستخدام أعالي الشمال منصة اختبار لأحدث الأسلحة بما في ذلك الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتطوير أكبر أسطول لكاسحات الجليد في العالم، وتشييد القواعد العسكرية القطبية، وإعادة فتح وتحديث قواعد جوية كانت مهجورة بعد الحقبة السوفييتية، وبناء 13 قاعدة جديدة، والإعلان عن عقيدة بحرية جديدة في شهر يوليو الماضي، وتسيير الرحلات العلمية إلى المنطقة.

وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، عززت روسيا انتشارها العسكري في تلك المنطقة من خلال نشر غواصاتها في المحيطين الأطلسي والهادئ، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة تهديداً استراتيجياً عبر عنه الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرج” بالقول إن “قدرات روسيا في الشمال تمثل تحدياً استراتيجياً للتحالف العسكري”، وتشمل التحديات فتح وإعادة فتح المئات من المواقع العسكرية القطبية الجديدة والقديمة العائدة إلى الحقبة السوفييتية السابقة، لا سيما أن موسكو تخطط لإنشاء طريق البحر الشمالي (NSR) الذي قد ينافس قناة السويس.

2- بناء الصين محطات أبحاث بهدف استكشاف الثروات: تبني الصين محطات أبحاث في القطب الشمالي لأغراض الشحن واستكشاف الموارد والوصول إلى أكبر قدر ممكن من الثروات الطبيعية المختبئة تحت سطح الجليد التي تُقدر بنحو 90 مليار برميل من النفط و47 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. ولا شك أن وجود المزيد من الممرات المائية سيسمح بتعميق الحضور الصيني في المنطقة، وسيدفعها إلى استكشاف طرق شحن قد تغير ممرات وطرق التجارة الدولية على نحو يقلل من أمد الرحلات التجارية ذات التكلفة المادية المرتفعة، وسيدفعها نحو تكثيف مساعيها للتنقيب عن النفط والموارد والماس والأسماك وغير ذلك من موارد طبيعية. ومن الجدير بالذكر أن بكين تطلق على نفسها اسم “دولة قريبة من القطب الشمالي”، وسبق أن تعهدت بتكثيف العمليات التدريبية مع موسكو في القطب الشمالي باعتبار ذلك أحد أشكال الشراكة الاستراتيجية بينهما.

صراع محتدم

وختاماً، يأتي استحداث منصب سفير أمريكي لمنطقة القطب الشمالي في إطار تكثيف الولايات المتحدة دبلوماسيتها على خلفية الحضور الروسي والصيني في المنطقة، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، وتؤكد فيه الوقائع اتجاه الحرب صوب حرب استنزاف طويلة الأمد. ويشير هذا الأمر إلى أن تدهور العلاقات الروسية مع الغرب سينصرف إلى جميع المجالات تقريباً، وسيلقي بظلال ثقيلة على جميع الملفات الإقليمية والدولية، ومنها الصراع في منطقة القطب الشمالي التي تتحول إلى ساحة صراع محتدمة بعد أن كانت حتى وقت قريب المنطقة الأقل تضرراً من الحرب الروسية–الأوكرانية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%aa%d9%86%d8%a7%d9%81%d8%b3/