“سليماني” جديد:

لماذا يحرص النظام الإيراني على تصعيد "أحمد وحيدي"؟
“سليماني” جديد:
13 سبتمبر، 2021

بعد أن اختاره الرئيس الإيراني الجديد “إبراهيم رئيسي” وزيراً للداخلية في حكومته، وحاز ثقةَ مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، في أغسطس الفائت، كان لافتاً أن النظام اتخذ قرارين آخرين من شأنهما تصعيد “أحمد وحيدي” (اسمه الحقيقي أحمد شاه شراغي) داخل هيكل المؤسستين الأمنية والعسكرية في آن واحد. إذ أصدر المرشد الأعلى للجمهورية “علي خامنئي”، في 8 سبتمبر الجاري، قراراً بتعيين “وحيدي” نائباً للقائد العام للقوات المسلحة. وبعد ذلك بثلاثة أيام، أصدر “رئيسي” قراراً بتعيين “وحيدي” رئيساً لمجلس الأمن الداخلي بكامل الصلاحيات، كما جاء في بيان القرار.

ويبدو أن النظام الإيراني يتجه إلى تعزيز موقع “أحمد وحيدي”، وزير الداخلية الجديد ونائب القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس الأمن الداخلي، وهو أحد المسؤولين الذين صدرت بحقهم مذكرة توقيف من الإنتربول بسبب دوره في تفجير المركز اليهودي بالأرجنتين عام 1994. ويطرح اتجاه النظام الإيراني إلى تصعيد “أحمد وحيدي” وتعزيز موقعه بداخله في هذا التوقيت دلالات عديدة، وتتضح تلك الدلالات عبر ما يلي:

1- ملء فراغ “سليماني” داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية: أحدث مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري السابق “قاسم سليماني”، في 3 يناير 2020، في العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة، فراغاً كبيراً داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية بصفة عامة، والحرس الثوري على سبيل الخصوص. وقد فشل القائد الجديد لفيلق القدس “إسماعيل قاآني” في ملء الفراغ الناتج عن غياب “سليماني”، على نحو تسبب في ارتباك واضح في إدارة العمليات الخارجية الإيرانية في دول الأزمات. وقد كان “وحيدي” قائداً لفيلق القدس قبل أن يسلم قيادته إلى “قاسم سليماني”. ومن هنا فقد اكتسب خبرة كبيرة في إدارة العمليات الخارجية لإيران عن طريق الفيلق. وربما يكون تعيينه في هذا التوقيت نائباً للقائد العام للشؤون العسكرية آلية جديدة يحاول من خلالها النظام احتواء الخلل الذي تسبب فيه مقتل “سليماني” قبل نحو عام ونصف.

2- مواجهة إسرائيل بغض النظر عن فشل أو نجاح التوصل للاتفاق النووي: ترى إيران أن التصعيد مع إسرائيل سوف يستمر، سواء نجحت المفاوضات التي تجري مع القوى الدولية في فيينا للوصول إلى صفقة جديدة تعزز من احتمال استمرار العمل بالاتفاق النووي، أو فشلت. ففي الحالتين، فإن إسرائيل لا تبدو راضية عن استمرار نشاط البرنامج النووي بهذا المستوى، خاصة بعد نجاح إيران في إنتاج نحو 10 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ونحو 84 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، فضلاً عن استخدام أجهزة طرد مركزي من طرازات متقدمة تساهم في تسريع عمليات التخصيب ورفع مستواها، على غرار “IR4″ و”IR6”.

وهنا، فإن إيران لا تستبعد أن تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات أمنية داخل أراضيها، على غرار العمليات التي قامت بها في الفترة الماضية، حيث هاجمت مفاعل ناتانز مرتين في يوليو 2020 وأبريل 2021، واغتالت العالم النووي رئيس وحدة البحوث والتطوير في وزارة الدفاع “محسن فخري زاده” في نوفمبر من العام نفسه، وقبلها نجحت في الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني في يناير 2018. وقد اعتبر النظام أن أحد الأسباب الأساسية التي عزّزت من قدرة إسرائيل على تنفيذ العمليات الاستخباراتية النوعية، يكمن في غياب التنسيق اللازم بين الأجهزة الأمنية المختلفة، لدرجة أن “محسن رضائي” قائد الحرس الثوري السابق أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام قال، في 14 أبريل 2021: “إيران تعاني من التلوث الأمني”، في إشارة إلى أن غياب التنسيق وتصاعد حدة الصراع بين الأجهزة الأمنية سمح لإسرائيل بتنفيذ تلك العمليات.

3- الاستعداد للتوصل إلى تفاهمات مع التنظيمات العنيفة في أفغانستان: رغم أن إيران عزفت عن إبداء موقف متحفظ تجاه نجاح حركة طالبان في السيطرة على الحكم داخل أفغانستان، في 15 أغسطس الفائت؛ إلا أن هناك مخاوف إيرانية تجاه ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات على المستوى الأمني، خاصة فيما يتعلق بعودة التنظيمات الإرهابية إلى تعزيز نشاطها وقدراتها خلال المرحلة القادمة. وهنا، فإن إيران تسعى إلى الحفاظ على التفاهمات التي سبق أن توصلت إليها مع تلك التنظيمات، ولا سيما تنظيم القاعدة، والتي حالت دون تعرضها لعمليات إرهابية من جانب التنظيم خلال الأعوام العشرين الماضية، رغم وجود عناصره ومقاتليه في الدول المحيطة بها، ولا سيما العراق وأفغانستان.

وقد كان لافتاً أن تقارير عديدة تشير إلى أن “أحمد وحيدي” تحديداً نجح في تأسيس قنوات تواصل مع زعيم تنظيم القاعدة “أيمن الظواهري”، بل إنه كان سبباً في استقبال إيران عدداً من قيادات ومقاتلي التنظيم خلال فترة الحرب الأمريكية على أفغانستان، حيث سعت إيران إلى استثمار ذلك لتحقيق هدفين؛ يتمثل أولهما في امتلاك ورقة ضغط قوية في مواجهة التنظيم لمنعه من مهاجمة أراضيها أو مصالحها في الخارج، وهو ما تحقق فعلاً. فيما يتمثل الهدف الثاني في تعزيز قدرة طهران على مساومة القوى الأخرى، لا سيما الولايات المتحدة، في ظل اقتراب الأخيرة من الحدود الإيرانية في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي لكلٍّ من أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003.

4- ترتيب الانتقال في حال غياب المرشد الأعلى عن المشهد: ربما تشير تلك القرارات إلى أن النظام يحاول الاستعداد مبكراً للمرحلة الانتقالية التي قد تعقب غياب المرشد الأعلى للجمهورية “علي خامنئي” عن المشهد، في أي وقت، حيث يسعى النظام إلى تأمين انتقال السلطة بشكل سلس لا يتسبب في أزمة داخلية، لا سيما في ظل الضغوط القوية التي يتعرض لها النظام على الساحتين الداخلية والخارجية. ومن هنا، تعمد النظام تعزيز القبضة الداخلية للحرس الثوري على الساحات المختلفة، لتعزيز قدرة الأخير على تمرير عملية انتقال السلطة التي لن تكون، في كل الأحوال، بعيدة عن حساباته ومصالحه، حيث قد يُضطر -في النهاية- إلى التدخل مباشرة لاختيار من سيتولى منصب الإرشاد بعد “خامنئي”.

وربما لا ينفصل ذلك عن تصعيد “إبراهيم رئيسي” أيضاً إلى سدة الرئاسة في هذا التوقيت، على نحو يعكس محاولة لتعزيز موقع ما يمكن أن يطلق عليهم “الخامنئيون” داخل النظام، خاصة أن المرشد قد تكون لديه رغبة في استمرار نفوذ عائلته داخل النظام، لا سيما “مجتبى” الابن الأكبر، الذي قد يكون أحد المرشحين لخلافته.

5- تحدي القوى الدولية الساعية لفرض عقوبات على الرموز الإيرانية: يسعى النظام عبر تعزيز سلطات “وحيدي”، وبعض المسؤولين الآخرين؛ إلى تأكيد تحديه للانتقادات التي توجهها القوى الدولية لمثل تلك الخطوات، ويحاول -في هذا السياق- الإشارة إلى أن العقوبات المفروضة على بعضهم لن تمنعه من تصعيدهم إلى مراكز السلطة في الدولة. وقد كان تعيين “وحيدي” نفسه في منصب وزير الداخلية مثار انتقادات خارجية، قادتها الأرجنتين تحديداً، التي أصدرت وزارة خارجيتها، في 11 أغسطس الفائت، بياناً جاء فيه أن “الحكومة برئاسة ألبرتو فرنانديز تعتبر أن تعيين أحمد وحيدي لتولي منصب في الحكومة الإيرانية، وتحديداً وزارة الداخلية، يُشكل إهانة للقضاء الأرجنتيني وضحايا الاعتداء الإرهابي ضد الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية”، في إشارة إلى المركز اليهودي الذي تم تفجيره في 18 يوليو 1994، والذي أصدر الإنتربول بموجبه مذكرة توقيف بحق “وحيدي”.

في ضوء ذلك، يمكن القول -في النهاية- إن تصعيد “أحمد وحيدي” وتعزيز موقعه داخل مؤسسات النظام، يُوحي بأن الأخير يحاول من جديد استنساخ تجربة “سليماني”، الذي كان مسؤولاً عن إدارة العمليات الخارجية الإيرانية بشكل عام، وأن التصعيد سوف يمثل نهجاً مستمراً من جانب النظام، حتى لو تقلصت حدة التوتر مع القوى الدولية في حالة الوصول إلى صفقة نووية جديدة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/