عودة بغداد:

لماذا تزايد الانفتاح العربي على العراق؟
عودة بغداد:
6 أبريل، 2021

تزايدَ الانفتاح بشكل ملحوظ على العراق من قِبَل العديد من القوى الرئيسية العربية في الشرق الأوسط، مثل مصر والإمارات والسعودية والأردن، في الثلث الأخير من العام الماضي، والثلث الأول من عام 2021، على نحو ما انعكس في انعقاد قممٍ على مستوى القيادات السياسية، وتنظيم زيارات متبادلة لتدعيم العلاقات الأمنية والمصالح الاقتصادية والتفاهمات في مجال الطاقة، وهو ما توازى معه اهتمامٌ من قِبَل القوى الدولية –وخاصةً الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا– بما يجري في العراق، داخليًّا وخارجيًّا؛ الأمر الذي يثير التساؤل بشأن تفسير تصاعُد أهمية العراق بالنسبة إلى السياسات الخارجية للقوى الإقليمية والدولية في هذا التوقيت.


وفي هذا السياق، يمكن القول إن هناك ثلاث اعتبارات حاكمة لهذا الانفتاح العربي على العراق: يتعلق الاعتبار الأول بالدول العربية ذاتها، التي تحاول تصحيح وضع الاختلال الاستراتيجي لمرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق والاحتلال الأمريكي له؛ حينما قامت إيران بملء الفراغ الناتج عن غياب الدول العربية عن التفاعلات الجارية على الساحة العراقية؛ إذ أسهم ذلك في تمدد طهران على مدى العقدين الماضيين بقدر لم يعد ينافسه قوى إقليمية أخرى. ومن ثم، تسعى الدول العربية الرئيسية إلى موازنةٍ نسبيةٍ لنفوذ طهران، والتخفيف من الاعتماد على الأخيرة عبر تدعيم المصالح المشتركة؛ حيث تعتبر العراق بمنزلة “الرئة الاقتصادية” لإيران.
كما أن هناك أهمية لضخ استثمارات عربية في شرايين الاقتصاد العراقي بعد الدمار الذي تعرَّض له، وخاصةً في المناطق التي خضعت لتنظيم داعش الذي كان يطمح إلى ترسيخ دولة الخلافة على مدى ثلاث سنوات، لا سيما في ظل تعاظم نفوذه في دولة جوار عربية “سوريا”؛ الأمر الذي يتطلب الإسراع في زيادة الدعم العربي لمشروعات إعادة إعمار العراق عبر شركات المقاولات التي لديها خبرة في هذا المجال، بما يؤدي إلى عودة النازحين إلى مناطق إقامتهم من ناحية، والمساعدة في مطاردة فلول داعش التي تسعى إلى معاودة عملياتها الإرهابية مرةً أخرى بعد تصدُّع “السيادة الترابية” للتنظيم.


ويُعَد العراق في هذا السياق بمنزلة صندوق أسرار معلومات لأجهزة الأمن في المنطقة، خاصةً في ظل انتماء مقاتلي داعش إلى جنسيات عربية وغربية، ووجود علاقات لهؤلاء بعناصر داخل كل دولة أو جوارها أو “جوار الجوار” في ظل جغرافيا متحركة. ووفقًا لذلك، فإن وجود قنوات اتصال مفتوحة بين أجهزة الأمن ونظيرتها العراقية، يعزز قدرات الدول العربية في مواجهة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وأخطرها تنظيم داعش. ولعل إطلاق القاهرة المنتدى العربي الاستخباري يصب في هذا الإطار.


في حين يتمثَّل الاعتبار الثاني في العراق الذي تغيَّرت نخبته الحاكمة بدرجةٍ ما بعد رحيل حكومة نوري المالكي في عام 2014 ومجيء حكومات أكثر انفتاحًا على الدول العربية؛ لإدراكها أهمية عروبة العراق، وهو ما برز بعد تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة في مايو 2020؛ حيث تسعى الأخيرة إلى إعادة التوازن في علاقاتها الخارجية، لا سيما مع المحيط العربي، علاوةً على احتياج الحكومة العراقية إلى مساعدات واستثمارات عربية لإحلال الاستقرار في البلاد، فضلًا عن الدخول في ترتيبات جديدة مع دول عربية، مثل مشروع “الشام الجديد” أو “المشرق الجديد” الذي يضم العراق والأردن ومصر، ويهدف إلى زيادة التعاون الاقتصادي، وخاصةً في الطاقة والكهرباء.


أما الاعتبار الثالث فيخص السياقات الإقليمية التي يغلب عليها التأزُّم والتعقيد، وتتطلب تعاونًا وتنسيقًا مشتركًا في مواجهة تحديات ضاغطة، سواءٌ كانت سياسية، أو أمنية، أو اقتصادية، أو صحية. ولعل ذلك يفسر إرسال مساعدات طبية من قبل بعض الدول العربية، مثل الإمارات ومصر، إلى العراق، في إطار تصاعد ما يطلق عليه “دبلوماسية الصحة” التي أفرزتها أزمة كوفيد–19. فضلًا على ذلك أن التعاون العربي العراقي يسهم في الحد من تدخلات القوى الإقليمية، وخاصة النفوذ التركي في شمال العراق، وكذلك فإن تعزيز العلاقات العربية بالعراق يؤدي، بدرجة، ما إلى إخراجه من معادلة التوتر بين واشنطن وطهران في الإقليم، بدلًا من أن يكون “ساحة للمواجهة”.


خلاصة القول أن هناك مصلحة عربية تتعلق بتعافي العراق من الأزمات الداخلية والخارجية التي واجهته طوال الفترة الماضية؛ فمثلما كان العراق مصدر تهديد للدول العربية خلال حكم صدام حسين، صار أكثر تهديدًا للأمن الوطني وللأمن القومي العربي في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، بأشكال مختلفة، وهو ما أدركته الدول العربية بضرورة إدماج العراق في المنظومة العربية، وتعزيز مؤشرات استقراره وانفتاحه على دول جواره، وفقًا لمنافع مشتركة متمثلة أساسًا في درء تهديدات الأمن، وزيادة شبكات الاقتصاد، وخاصةً تنويع طرق تصدير نفطه، تجنبًا للتهديدات التي أثارتها التوتُّرات بين واشنطن وطهران، على خلفية “استهداف الناقلات”.غير أن هناك عقبات تواجه هذا الانفتاح العربي المتزايد على العراق، ومنها هشاشة التركيبة السياسية داخل العراق التي تُضعِف التوافق بشأن السياسة الخارجية، مثلما هو الحال بالنسبة إلى القضايا الداخلية، وعدم وجود كتلة نيابية داعمة للكاظمي، في الوقت الذي تحظى فيه الكتل الموالية لإيران، بنصيب كبير داخل البرلمان، وخاصةً كتلتي “الفتح” و”دولة القانون”، بما يدفعها إلى عرقلة أي اتفاقيات أو تفاهمات تُبرِمُها الحكومة العراقية مع الدول العربية إذا شعرت أن هذه الاتفاقيات يمكن أن تشكل خصمًا من رصيدها، أو من المكاسب الاقتصادية لإيران في العراق.. هذا بخلاف ممانعة الميليشيات المُسلَّحة العراقية الموالية لإيران للتقارب العربي العراقي.


https://www.interregional.com/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%af%d9%85%d8%a7%d8%ac/