سياسة اللا موقف:

لماذا تخشى تل أبيب من تفاقُم الأزمة الأوكرانية؟
سياسة اللا موقف:
22 فبراير، 2022

تتعدَّد عوامل “قلق” الحكومة الإسرائيلية من تطورات الأزمة الأوكرانية، في ظل العلاقات الإسرائيلية القوية بأطراف الأزمة، ومخاوف تل أبيب من استمرار تراجُع مكانة الولايات المتحدة في العالم؛ ما قد يؤدي إلى تقليص الدعم الأمريكي لإسرائيل، وتسريع انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي قد يترك تل أبيب “وجهاً لوجه” أمام القوى المناوئة لها في المنطقة. كما تخشى تل أبيب من ارتدادات سلبية محتملة للأزمة الأوكرانية على التفاهمات مع روسيا في سوريا؛ ما قد يحد من هامش المناورة أمامها الذي اعتادته في السنوات الأخيرة، كما تخشى تل أبيب من ارتدادات محتملة للأزمة الأوكرانية على الداخل الإسرائيلي مع وجود نحو مليون يهودي من أصل روسي في إسرائيل، والقلق من موجة هجرة يهودية جديدة من أوكرانيا إذا تفاقمت الأوضاع. كل هذه العوامل تدفع تل أبيب إلى محاولة المحافظة على مسافة واحدة من أطراف الأزمة الأوكرانية، والعمل بقدر الإمكان على منع تفاقهما إلى حرب شاملة؛ فبالرغم من إعلان وزير الخارجية الإسرائيلي؛ يائير لابيد، في 20 فبراير 2022، أن موقف بلاده سيتطابق مع موقف الغرب حال “اندلاع حرب بين روسيا وأوكرانيا”، فإن جميع المؤشرات تؤكد أن إسرائيل حريصة على تبني “سياسة الحياد” تجاه الأزمة؛ الأمر الذي دفع بعض المسؤولين الأوكرانيين إلى اتهامها بالتماهي مع الرؤية الروسية للأزمة.

حياد مُتعمد

يمكن الوقوف على أبرز ملامح الموقف الإسرائيلي تجاه تطورات الأزمة الأوكرانية؛ وذلك على النحو التالي:

1– تعمُّد تل أبيب التزام الصمت تجاه الأزمة: يُلاحظ أنه بالرغم من اتخاذ العديد من الدول مواقف واضحة تجاه الأزمة الأوكرانية، فإن المسؤولين الإسرائيليين تعمَّدوا التزام الصمت حيالها، وعدم الإعلان عن أي مواقف رسمية قد تبدو منحازة إلى أي من أطراف الصراع بما قد يؤثر بالسلب على العلاقات الإسرائيلية المميزة بروسيا أو تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وعلاقاتها الوطيدة بحلف الناتو وأوكرانيا التي يعيش فيها نحو عشرات آلاف اليهود، كما أن الرئيس الأوكراني الحالي فولوديمير زيلينسكي يهودي الديانة، ولديه علاقات وثيقة بقادة إسرائيل.

2– السعي إلى لعب دور الوساطة بين موسكو وكييف: اتساقاً مع العلاقات القوية التي تجمع تل أبيب بكل من موسكو وكييف، فقد سعت –أكثر من مرة– إلى لعب دور الوساطة وتقريب وجهات النظر بين الطرفين؛ حيث حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت عقد قمة أوكرانية روسية؛ وذلك أثناء زيارته إلى روسيا في شهر أكتوبر الماضي، وهو ما رفضه الرئيس الروسي. جدير بالذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو قد عرض الأمر نفسه على الرئيس الروسي الذي رفض طلبه أيضاً.

3– رفض تزويد كييف بالأسلحة الإسرائيلية: تُشير المعطيات إلى أنه مع تصاعُد التوترات بين موسكو وكييف، منذ ضم الأولى شبه جزيرة القرم، ثم الحرب في دونباس؛ حرصت الحكومات الإسرائيلية على التدقيق في تعاونها الدفاعي مع الجانب الأوكراني، وقد تجلَّى ذلك بوضوح في الأزمة الحالية؛ إذ أشارت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية إلى أن تل أبيب رفضت تزويد أوكرانيا بمنظومة القبة الحديدية. وفي رسالة طمأنة أخرى إلى موسكو، أشارت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن تل أبيب حظرت على الدول التي تشتري السلاح الإسرائيلي إعادة تصديره إلى أوكرانيا، لا سيما دول البلطيق؛ حيث يبدو أن كييف كان تنوي الحصول على صواريخ مضادة للدبابات وطائرات وأسلحة إسرائيلية أخرى من دول البلطيق.

4– خلافات دبلوماسية محدودة بين تل أبيب وكييف: انعكست تطورات الأزمة الأوكرانية بوضوح على العلاقات الإسرائيلية–الأوكرانية، التي تُعتبر علاقات قوية تقليديّاً؛ حيث شهدت العلاقات بعض “الخلافات الدبلوماسية” المحدودة في الأسابيع الأخيرة؛ فقد استدعت تل أبيب السفير الأوكراني لديها لجلسة “توبيخ” يوم 4 فبراير 2021؛ وذلك بعد انتقاد الأخير السياسة الإسرائيلية تجاه الأزمة؛ حيث سبق أن اتهم السفير الأوكراني وزير الخارجية الإسرائيلية “يائير لابيد” بأنه يتبنَّى وجهات النظر الروسية تجاه الأزمة، كما انتقد السفير الأوكراني وصف “لابيد” للأزمة بأنها “نزاع” بين روسيا وأوكرانيا، وليست “حرباً” أو “غزواً” روسيّاً لبلاده.

وفي 17 من فبراير 2021، استدعت كييف السفير الإسرائيلي لديها لجلسة “توبيخ” كذلك؛ حيث طلبت الخارجية الأوكرانية من السفير الإسرائيلي توضيحاً بشأن التقارير التي كشفت عن طلب تل أبيب من روسيا المساعدة في توفير ممرات آمنة لرعاياها في أوكرانيا إذا حدث غزو روسي لأوكرانيا.

دوافع متعددة

ثمة دوافع متعددة وراء الموقف الإسرائيلي “المُحايد” في الأزمة الأوكرانية الحالية، وهو ما يُمكن تناوله على النحو التالي:

1– الحفاظ على المصالح الإسرائيلية مع أطراف الأزمة: ترتبط إسرائيل بعلاقات قوية ووطيدة بجميع أطراف الأزمة الحالية؛ حيث تربطها بموسكو مصالح سياسية متشعبة؛ لعل أبرزها التفاهمات بينهما في سوريا، كما تجمع البلدين علاقات اقتصادية متنامية؛ حيث يشتركان في مشاريع تجارية تتراوح بين مليارين و3 مليارات دولار في السنة، كما أشار الرئيس بوتين في أكتوبر الماضي إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تزايد بنسبة 50% في الأشهر السبعة الأولى من عام 2021، بالرغم من الجائحة، كما يتطلَّع البلَدان إلى تعميق التعاون في المجالات المختلفة، لا سيما فيما يتعلق بالتكنولوجيات الحديثة.

وبالإضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة وحلف الناتو، ترتبط إسرائيل بعلاقات اقتصادية وسياسية متميزة مع أوكرانيا، وهو ما تجلَّى في اعتراف كييف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل” عام 2020. ومن ثم فإن اتخاذ إسرائيل موقفاً محايداً في الأزمة الحالية، ينبُع من حرصها على الحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية بأطراف الأزمة، لا سيما أن مئات الآلاف من اليهود يعيشون في روسيا وأوكرانيا، ويرتبطون بعلاقات متميزة بإسرائيل.

2– القلق من استفادة طهران من الأزمة الأوكرانية: لعل من دوافع “الحياد” الإسرائيلي في الأزمة الأوكرانية الحالية، والخشية من تفاقمها، القلق من استفادة إيران من تطورات الأزمة الحالية، بالحصول على المزيد من التنازلات من الإدارة الأمريكية في المفاوضات النووية الحالية، في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بالأزمة، والرغبة في إحياء الاتفاق النووي مرةً أخرى، أملاً في احتواء إيران إذا تفاقمت الأوضاع مع روسيا وربما الصين، لا سيما أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، ومن ثم قد تساهم في مد أوروبا بالغاز إذا تطور الصراع حول أوكرانيا وقطعت موسكو إمدادات الغاز عن أوروبا. كما تخشى تل أبيب من أن يؤدي تفاقُم الأزمة الأوكرانية إلى تزايُد دعم روسيا والصين لإيران التي تنظران إليها باعتبارها حليفاً لهما في مواجهة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تسريع الانسحاب الأمريكي من المنطقة، والانشغال عن أنشطة طهران، كما تخشى تل أبيب من أن يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى تسارع تقارب إيران مع بعض الدول العربية، لا سيما بعد التحسن الأخير في العلاقات الإماراتية–الإيرانية، وجولات المفاوضات المتكررة بين الرياض وطهران.

3– السعي إلى الحفاظ على التفاهمات مع موسكو في سوريا: ترتبط إسرائيل وروسيا بتفاهمات مشتركة في سوريا؛ الأمر الذي منح الطيران الإسرائيلي حرية عمل واضحة في الساحة السورية؛ حيث استهدفت عشرات الغارات الإسرائيلية مواقع للجيش السوري وإيران ووكلاءها في سوريا في السنوات الماضية، في ظل حرص تل أبيب على عرقلة “التموضع” الإيراني الدائم في الأراضي السورية، ومنع نقل أسلحة دقيقة إلى “حزب الله” في لبنان. وعليه، فإن إسرائيل تتجنَّب اتخاذ أي مواقف في الأزمة الأوكرانية قد تتسبب في إثارة “غضب” موسكو، وهو الأمر الذي قد ينعكس سلباً على التفاهمات المشتركة بينهما في سوريا، ويهدد حرية عمل الطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية التي تسيطر عليها روسيا إلى حد كبير. جدير بالذكر أن العديد من الأوساط الإسرائيلية قد اعتبرت قيام القوات الجوية الروسية والسورية بدوريات مشتركة فوق الجولان مؤخراً، رسالة إلى تل أبيب؛ الأمر الذي قد يساهم في الحد من الضربات الإسرائيلية المتكررة في الأراضي السورية.

4– الخشية من انشغال الولايات المتحدة عن دعم إسرائيل: ثمة اتفاق بين العديد من الباحثين على أن الأزمة الأوكرانية الحالية ربما تساهم في تشكيل ملامح النظام الدولي في الفترة القادمة، بل قد تُعتبر –بالإضافة إلى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان– إحدى المحطَّات البارزة في النظام الدولي الجديد، الذي تقود الصين وروسيا إعادة هيكلته من جديد، في ظل التراجع الواضح لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية. وفي ظل الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، فإن تل أبيب ربما تخشى من أن يؤدي تطور مُجريات الأزمة الأوكرانية لحرب شاملة إلى المزيد من هذا التراجع، على النحو الذي يؤدي إلى انشغال واشنطن وتراجُع دعمها لإسرائيل، وتركها “وجهاً لوجه” أمام خصومها الإقليميين بقيادة إيران وحلفائها، الذين تجمعهم علاقات جيدة بروسيا والصين.

5– مخاوف من حدوث أزمات داخلية في إسرائيل: يُقدر عدد المواطنين اليهود في أوكرانيا بما بين 150 و250 ألفًا، منهم نحو 10–15 ألف إسرائيلي. وتخشى تل أبيب من أن يؤدي تفاقُم الأزمة الأوكرانية إلى موجة هجرة يهودية جديدة إلى إسرائيل بموجب قانون “العودة”؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة في إسرائيل ويُقلِّص النفوذ الذي تحظى به في أوكرانيا في ظل وجود هؤلاء المواطنين. وفي هذا الصدد، أفادت عدة تقارير بأن الحكومة والجيش الإسرائيلي، بالإضافة إلى الوكالة اليهودية، وضعوا “خطة طارئة” لاستيعاب موجة هجرة جديدة من أوكرانيا، كما يعيش في إسرائيل نحو مليون يهودي من أصل روسي، ويتوقع أن يدعم هؤلاء روسيا بصورة أساسية، وقد يعترضون على أي دعم إسرائيلي لأوكرانيا ضد روسيا.

أكثر المتضررين

وفي الختام، تبدو تل أبيب من أكثر المتضررين من الأزمة الأوكرانية الحالية، بالنظر إلى علاقاتها القوية بأطراف الأزمة، والارتدادات السلبية المحتملة على مصالحها المباشرة، أو عن طريق تخفيف الضغوط ومنح فرص أكبر لأعدائها، ولا سيما إيران. كل هذه الأمور تدفع تل أبيب إلى محاولة “إمساك العصا من الوسط” بقدر الإمكان، وتبني سياسة “اللا موقف”، بيد أن أي تطور محتمل للأزمة قد يفرض على الحكومة الإسرائيلية المزيد من الضغوط، ويقلل الهامش المتاح أمامها للمناورة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7-%d9%85%d9%88%d9%82%d9%81/