سياقات محفزة:

لماذا عادت حركة الشباب إلى استهداف إثيوبيا من جديد؟
سياقات محفزة:
2 أغسطس، 2022

تعمل حركة الشباب الصومالية منذ عام 2007 على التوغل وتعزيز وجودها التنظيمي داخل الأراضي الإثيوبية، واعتمدت في البداية على الخلايا التنظيمية وتشكيل ما تسمى الجبهة الإثيوبية؛ حيث بدأ زعيم الحركة السابق أحمد عبدي غودان في تدريب الجبهة لتنفيذ هجمات داخل الأراضي الإثيوبية، لكنه فشل في تحقيق الكثير بسبب قوة الاستخبارات الإثيوبية. ثم كلف غودان فيما بعد جهاز الأمنيات – وهو جناح استخبارات الحركة – بتنفيذ هجمات في العمق الإثيوبي، لا سيما محاولة تفجير ملعب لكرة القدم في أديس أبابا في عام 2013 ومحاولة تنفيذ هجوم انتحاري ضد مركز تجاري كبير في أديس أبابا في عام 2014.

وحاولت الحركة في الفترة الأخيرة استهداف إثيوبيا مجدداً؛ حيث تسلل أكثر من 200 عنصر من عناصر حركة الشباب الإرهابية، في 20 يوليو الماضي، إلى العمق الإثيوبي بعد عبورهم الحدود المشتركة مع إثيوبيا في محافظة هيران بوسط الصومال. وفي 26 يوليو الماضي، شنت الحركة هجوماً عبر الحدود مع مقاطعة فيرفير بشرق إثيوبيا. وتشير التقديرات إلى مقتل ما لا يقل عن 85 عنصراً من عناصر حركة الشباب، الذين حاولوا عبور الحدود مع إثيوبيا، خلال معارك ضد الجيش الإثيوبي.

عوامل مفسرة

أثارت مساعي حركة الشباب الإرهابية لاستهداف إثيوبيا من جديد تساؤلات عديدة حول دوافع الحركة لذلك. وفي هذا الإطار، يمكن فهم تصعيد الحركة هجماتها ضد إثيوبيا من خلال ما يأتي:

1- تنامي القدرات العسكرية والبشرية للحركة: تتشكل الحركة حالياً من 7000- 12000 عنصر، وتنفق نحو 24 مليون دولار سنوياً – أي نحو ربع ميزانيتها – على شراء الأسلحة والمتفجرات والطائرات بدون طيار، كما تمتلك الحركة قدرة كبيرة على التخطيط المدروس الذي يسبق الهجمات. وعلى سبيل المثال، بدأت محاولات الحركة الأخيرة لاختراق العمق الإثيوبي عندما أغلق مقاتلو الحركة شبكات الهاتف في ولاية جنوب غرب الصومال قبل شن هجمات مفاجئة على بلدتي ييد وآتو وقرية واشاكو الصومالية التي تقع على الحدود الصومالية الإثيوبية وتحميها قوة الأمن التابعة لشرطة ليو الإثيوبية.

ونقلت تقارير صحفية عن مسؤولين ما يفيد بأن الحركة قامت بصرف انتباه قوات شرطة ليو عندما عبرت وحدات أخرى من حركة الشباب مدججة بالسلاح الحدود دون معارضة، مشيرة إلى أن عناصر الحركة الذين دخلوا إثيوبيا لم يشاركوا في هجمات ييد وآتو وواشاكو. وأكدت هذه التقارير أنه كانت هناك مجموعتان: الأولى كانت تقاتل على الحدود، والثانية نفَذت في الداخل الإثيوبي وتوجهت إلى منطقة بيل، بين ولايتي الصومال وأوروميا الإثيوبيتين.

2- استغلال الحركة الاضطرابات في إثيوبيا: تركز قوات الجيش الإثيوبي على حشد جهودها العسكرية في صراعها على جبهة تيجراي في شمال البلاد؛ الأمر الذي وجدت فيه الحركة التوقيت المناسب لشن هذا الهجوم. ويُشار في هذا الصدد إلى أن الصراع في شمال إثيوبيا بين القوات الحكومية الفيدرالية وجبهة تيجراي أدى إلى إضعاف القوات الإثيوبية، وهو ما خلق حالة من عدم الاستقرار المستمر في البلاد. وفي الوقت نفسه، لا يزال الرئيس الصومالي الجديد يواجه تحدي تحقيق الاستقرار السياسي والمصالحة الداخلية ولا يجد فرصة سانحة حتى الآن للتفرغ لمواجهة عمليات الحركة في الداخل الإثيوبي.

3- إرسال رسالة تحذيرية إلى الولايات المتحدة: يبدو أن الحركة تستهدف من وراء استهدافها إثيوبيا تحذير الولايات المتحدة، لا سيما بعد قرار إدارة بايدن إعادة نشر قوات أمريكية في الصومال في مايو الماضي بعد قرار للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ديسمبر 2020 بإنهاء وجود القوات الأمريكية في الصومال. ويبدو أن الحركة أرادت أن ترسل من خلال هذا الهجوم رسالة محددة مفادها أنها لا تزال قادرة على شن هجمات أوسع من الأراضي الصومالية، ويمكنها تهديد المصالح الأمريكية في القرن الأفريقي.

4- إثبات القدرة على فتح أكثر من جبهة قتال: تريد الحركة عبر محاولاتها الأخيرة لاستهداف إثيوبيا أن تُظهر قدرتها على العمل في إثيوبيا وكذلك الصومال وكينيا في وقت واحد، وهي تطمح منذ فترة طويلة إلى اختراق إثيوبيا ورفع علمها وتأسيس وجود نشط فيها. وبرغم تعرض الحركة لضربات عسكرية متكررة، استطاعت من خلال محاولاتها الأخيرة إثبات قدرتها على شن عمليات عسكرية كبيرة داخل إثيوبيا مستقبلاً، وتستعين في ذلك بمبالغات صادرة عن بعض التقارير؛ حيث أشارت تقارير سابقة إلى توغل بعض وحدات الحركة لمسافة تصل إلى 100 كيلومتر داخل إثيوبيا.

مخاطر محتملة

تنطوي هجمات حركة الشباب الأخيرة على إثيوبيا على العديد من المخاطر المحتملة، يمكن استعراضها عبر ما يأتي:

1- تكريس وجود عسكري للحركة في إثيوبيا: قد تكرس هجمات الحركة على إثيوبيا وجوداً عسكرياً للحركة فيها، خاصةً مع تأكيد تقارير أن مقاتلي الحركة الذين عبروا إلى شرق إثيوبيا ينشطون داخل البلاد على الرغم من تأكيدات صادرة عن بعض المسؤولين الإثيوبيين أن العناصر التي تسللت في البلاد تم تدميرهم. ويشير بعض المراقبين إلى أن الهجمات المحتملة للحركة مستقبلاً سيصعب صدها من قبل قوات الأمن الإثيوبية المحلية – وبالتحديد شرطة ليو في منطقتي الصومال وأوروميا – ما لم تتمكن أديس أبابا من تحمل تكاليف إعادة نشر وحدات عسكرية قادرة أكثر من أي وقت على صد هجمات الحركة، وما لم يتحقق ذلك فقد تنجح حركة الشباب في تأسيس وجود عسكري في إثيوبيا للمرة الأولى.

2- توسيع عمليات الحركة في القرن الأفريقي: قد تتمكن الحركة في الفترة المقبلة من توسيع عملياتها في القرن الأفريقي؛ حيث تخطط حركة الشباب أيضاً لتوسيع عملياتها في جيبوتي، وقد كان الهجوم على الأراضي الإثيوبية مفاجئاً يصعب التنبؤ به، وهناك قلق متزايد من تنامي قوة وتأثير الحركة داخل تنظيم القاعدة نفسه؛ حيث أشارت تقارير سابقة إلى أن زعيم الحركة أحمد الدرعي المعروف أيضاً باسم أحمد عمر أبو عبيدة، جزء من لجنة حطين التابعة للقاعدة، التي تدير العمليات الدولية للتنظيم. كما أشارت تقارير إلى أن حركة الشباب تقوم بتمويل القاعدة بشكل مباشر من إيراداتها. وقد يساعد التنسيق العسكري للحركة مع القاعدة على شن أهداف جديدة في القرن الأفريقي.

3- تحالف الشباب مع المتمردين الإثيوبيين: ثمة قلق إثيوبي من نجاح حركة الشباب قي التحالف مع الجماعات المتمردة الإثيوبية. وهناك خطر كبير من أن يتحالف الجناح الأكثر تطرفاً في أورومو مع حركة الشباب. ويُشار في هذا الإطار إلى أن السلطات الإثيوبية تتهم الجماعات المسلحة العاملة في البلاد بإقامة صلات مع حركة الشباب. وفي 8 يوليو الجاري، قالت قوات الأمن الإثيوبية إنها أحبطت محاولات متكررة من قبل حركة الشباب لإقامة علاقات مع متمردي جبهة تحرير تيجراي.

ضغوط ملحة

إجمالاً.. يمكن القول إن حكومة آبي أحمد تواجه تحديات أمنية وسياسية متنامية بعد اتجاه حركة الشباب إلى تصعيد عملياتها الإرهابية واختراق العمق الإثيوبي، مستغلة حالة الاضطراب الأمني والتوتر السياسي الذي تشهده البلاد. وتواجه الحكومة الإثيوبية خطر تحالف حركة الشباب مع الجماعات المتمردة في الداخل الإثيوبي، وهو ما سيفرض على الجيش الإثيوبي، حال حدوثه، القتال على أكثر من جبهة. ولا شك أن هذا التصعيد الجديد من جانب حركة الشباب سيفرض ضغوطاً ملحة على حكومة آبي أحمد، تتمثل في ضرورة ضمان استمرار تأهب قوات الجيش لمواجهة أي تصعيد محتمل من جانب الجماعات المتمردة؛ وذلك في الوقت الذي تبدو فيه هذه القوات منهكة من الحرب على جبهة تيجراي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%ad%d9%81%d8%b2%d8%a9/