سياقات مُحفّزة:

لماذا تتصاعد وتيرة الانفتاح العربي على سوريا؟
سياقات مُحفّزة:
11 أكتوبر، 2021

كشفت مجموعة من الوقائع خلال الفترة الأخيرة عن ملامح تعاطٍ عربي مختلف مع تطورات الأزمة السورية، ويدلل على ذلك التقارب الأردني السوري على مستويات مختلفة، وإدخال سوريا ضمن مشاريع اقتصادية عربية، والمحادثات السورية الإماراتية الأخيرة لتفعيل مجلس رجال الأعمال، والدفع العربي نحو عودة سوريا إلى الجامعة العربية. ويمكن تفسير سعي العديد من الدول العربية إلى الانفتاح على النظام السوري من خلال عدد من المداخل، يأتي على رأسها الاتساق مع طبيعة المرحلة الحالية في سوريا؛ حيث هدوء المعارك وتسيد الجيش السوري المشهد العسكري. يُضاف إلى ذلك وجود مصالح اقتصادية محفزة على تطوير العلاقات، فضلاً عن انشغال صناع القرار العرب بالخطر الإرهابي في سوريا.

وفي ذات السياق، سيبقى التحدي الرئيسي الذي يعترض مسعى الدول العربية إلى تطوير العلاقات مع الحكومة السورية، هو كيفية رؤية الجانب الأمريكي لهذا التقارب، ومدى تعرض الانفتاح الاقتصادي العربي على سوريا لعقوبات قيصر، بجانب النفوذ الإيراني القوي في سوريا؛ ما يعني أن طهران تمتلك القدرة على ممارسة ضغوط مختلفة على النظام الحاكم في سوريا لمنعه من مقايضة شرعيته العربية بها.

مظاهر معبرة

يمكن استعراض أبرز المظاهر المعبرة عن التطلع العربي الحالي إلى الانفتاح على سوريا؛ وذلك من خلال ما يلي:

1- التقارب الأردني السوري على مستويات مختلفة: شهدت الأيام الأخيرة حالة من التقارب غير المسبوق بين عمان ودمشق منذ اندلاع الأزمة السورية. ويتضح ذلك من خلال الاتصال الهاتفي الذي جمع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس السوري بشار الأسد يوم 3 أكتوبر الجاري، وهو الأول من نوعه منذ عام 2011. ويأتي هذا الاتصال بعد أيام قليلة من زيارة وفود رسمية أمنية واقتصادية رفيعة من سوريا إلى الأردن، كان آخرها زيارة الوفد الوزاري الاقتصادي السوري إلى عمان، وزيارة وزير الدفاع السوري وقائد الجيش إلى الأردن. وأسهم هذا الحراك في اتخاذ قرار استئناف فتح معبر جابر الحدودي، واستئناف رحلات خطوط الطيران بين مطاري دمشق الدولي والملكة علياء.

2- إدخال سوريا ضمن مشاريع اقتصادية عربية: يدلل على ذلك إعلان الحكومة السورية، يوم 4 سبتمبر الماضي، أنها ترحب بطلب لبنان استيراد الغاز المصري عبر أراضيها بهدف توليد الطاقة؛ وذلك بعد أن قام وزراء لبنانيون بزيارة هي الأعلى إلى دمشق منذ سنوات. وكان أبرز ملامح التعاون في هذا الملف في الأيام الأخيرة، الاجتماع الذي عُقد مطلع الشهر الجاري لوزراء الطاقة في دول خط الغاز العربي (مصر والأردن وسوريا ولبنان)، والذي تم خلاله تأكيد الاتفاق على إيصال الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، والتعهد بتنفيذ خطة عمل وجدول زمني بهذا الخصوص.

3- إجراء محادثات اقتصادية بين دمشق وأبوظبي: التقى وزير الاقتصاد السوري محمد سامر الخليل، يوم 5 أكتوبر الجاري، نظيره الإماراتي عبد الله طوق على هامش أعمال معرض إكسبو دبي 2020. وحسب بيان صدر عن الحكومة السورية، فقد تناول “اللقاء الاتفاق على إعادة تشكيل وتفعيل مجلس رجال الأعمال السوري الإماراتي؛ وذلك بهدف تشجيع التبادل التجاري والاستثمار والتعاون على الصعيد الاقتصادي بين البلدين”. ووفقاً للبيان “شدد الخليل خلال اللقاء على أهمية العلاقات السورية الإماراتية وقدم عرضاً لأحدث القوانين في سوريا، ولا سيما قانون الاستثمار الذي يؤمن بيئة استثمارية مناسبة وجاذبة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ويشجع المستثمرين على إقامة المشاريع في كل المجالات من خلال تقديم تسهيلات وامتيازات كبيرة”.

4- الدفع العربي نحو عودة سوريا إلى الجامعة العربية: تتمثل أبرز المؤشرات الدالة على ذلك في تأكيد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين -يوم 23 سبتمبر الماضي خلال لقائه نظيره السوري فيصل المقداد على هامش أعمال الدورة الـ76 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك- أن بلاده تعمل من أجل عودة سوريا لشغل مقعدها في الجامعة العربية. ويُشار في هذا الصدد إلى أن دمشق تحاول البناء على المواقف العربية في هذا الصدد من أجل تعزيز فرص عودتها إلى الجامعة العربية، ويتسق مع ذلك تصريحات المقداد، يوم 7 أكتوبر الجاري، التي أكد خلالها أن قرار خروج بلاده من الجامعة العربية ليس بإجماع عربي.

ويُشار في هذا الصدد إلى إقدام موريتانيا، في منتصف مارس الماضي، على تعيين سفير جديد لها في دمشق، في أول إجراء من نوعه منذ اندلاع الأزمة السورية. كما شهد مسار العلاقات بين سوريا وسلطنة عُمان تطورات إيجابية، كانت قد بدأت مع خطوة تعيين سفير للسلطنة في دمشق، لتتوالى بعد ذلك الزيارات الرسمية بين البلدين على أعلى المستويات. وأبدت دول عربية أخرى بوضوح مطلع العام الجاري، وعلى رأسها الإمارات، امتعاضها من الدور السلبي الذي تلعبه عقوبات قيصر الأمريكية، وتأثيرات ذلك السلبية على التعاون العربي مع دمشق.

مداخل تفسيرية

يمكن تفسير سعي العديد من الدول العربية إلى  الانفتاح على النظام السوري من خلال عدد من المداخل، يمكن توضيحها عبر ما يلي:

1- الاتساق مع طبيعة المرحلة الحالية في سوريا: تتمثل أحد دوافع العالم العربي إلى تغيير سياسته تجاه سوريا في حرصه على الاتساق مع طبيعة المرحلة الحالية في الساحة السورية، المرتبطة بهدوء المعارك، وسعي الأطراف المنخرطة في الأزمة إلى ترتيب أوراقها بما يكفل لها الإبقاء على نفوذها ومصالحها في مواجهة الأطراف الأخرى. وبات من الطبيعي أن تتقارب الدول العربية مع النظام السوري في ضوء الواقع الميداني الحالي، الذي بات يميل بشدة إلى صف النظام، والذي يعنى عملياً كذلك أن النظام انتصر في الميدان وأنه لم يعد هناك فرصة للحديث عن إمكانية هزيمته مرة أخرى.

ويتسيد الجيش السوري المشهد العسكري بصورة شبه شاملة، خاصةً أنه بات يسيطر على مساحة تُقدر نسبتها، وفقاً للتقديرات المختلفة، بنحو 63% من مساحة الأرض السورية، التي تعتبر أعلى نسبة سيطرة للجيش السوري على الإطلاق منذ اندلاع الصراع، فضلاً عن ثبات مساحة سيطرة المعارضة عند نحو 11% من مساحة سوريا. ومن ثم يأتي الحرص العربي على تطوير العلاقات مع دمشق اتساقاً مع التطورات الميدانية الحالية في الساحة السورية.

2- مصالح اقتصادية محفزة على تطوير العلاقات: يبدو أن للمصالح الاقتصادية دوراً رئيسياً في تشجيع الدول العربية على تطوير العلاقات مع الجانب السوري، ويدلل على ذلك أن جميع محاولات التقارب العربي الحالية مع النظام مدفوعة بأهداف اقتصادية. ويمكن ربط ذلك بالتساهل الأمريكي في الفترة الأخيرة بشأن عقوبات قيصر والدول المتعاونة اقتصادياً مع النظام السوري. ويتضح ذلك من خلال عدم ممانعة واشنطن تمرير الغاز إلى لبنان عبر الأراضي السورية. ويُضاف إلى ذلك تأكيد تقارير صحفية يوم 18 سبتمبر الماضي أن الولايات المتحدة تدرس رفع جزء من العقوبات الأمريكية عن النظام السوري المرتبطة بقانون قيصر. ونوهت تلك التقارير بأن هذا التوجه ظهر بعد جلسة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، عُقدت في 16 سبتمبر الماضي.

3- انشغال عربي بالخطر الإرهابي في سوريا: يحتل الخطر الإرهابي مكانة متقدمة في فكر صناع القرار في العالم العربي، وهو الأمر الذي قد يكون أحد مبررات الرغبة الراهنة في تطوير العلاقات مع الحكومة السورية؛ وذلك على اعتبار أن تمدد الخطر الإرهابي بسوريا مجدداً ستنتقل تبعيته بالتأكيد إلى الدول العربية القريبة جغرافياً من البؤرة السورية. ومن الملاحظ في هذا الصدد استمرار قدرة فلول وخلايا تنظيم داعش المتبقية في سوريا على شن هجمات جديدة رغم أن التنظيم هُزم في عام 2019، وهو أمر يزيد المخاوف من فكرة العودة المفاجئة والقوية للتنظيم التي يمكن أن تهدد المنجزات العسكرية السابقة بالنسبة إلى محاربته على الساحتين العراقية والسورية.

4- حراك روسي لدعم المساعي العربية: يتواكب الانفتاح العربي على سوريا مع حراك روسي قوي في الفترة الأخيرة من أجل الدفع نحو إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وبلورة موقف عربي جماعي بهذا الخصوص خلال القمة العربية المقبلة في الجزائر. وقد بدأ هذا الحراك بوضوح خلال الجولة الخليجية التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مارس الماضي، التي شملت السعودية والإمارات وقطر، وتم الترويج الروسي خلالها بقوة لأهمية عودة سوريا إلى الجامعة العربية. وتتمثل آخر أبرز مؤشرات ذلك في تأكيد وزير الخارجية المصري سامح شكري -يوم 5 أكتوبر الجاري في معرض تعليقه على مشاوراته الأخيرة في موسكو- أن هناك رؤية مشتركة بين القاهرة وموسكو فيما يخص عودة دمشق إلى نطاقها العربي.

وختاماً، من الواضح أن الجانب العربي يرى أن الفرصة سانحة لتطوير العلاقات مع دمشق؛ وذلك في ضوء السياق السوري والإقليمي الحالي المُحفز على ذلك. وسيبقى التحدي الرئيسي الذي يعترض مسعى الدول العربية إلى تطوير العلاقات مع الحكومة السورية هو كيفية رؤية الجانب الأمريكي لهذا التقارب، ومدى تعرض الانفتاح الاقتصادي العربي على سوريا لعقوبات قيصر. يُضاف إلى ذلك استمرار تعويل النظام السوري على الدعم الإيراني والنفوذ الإيراني المتغلغل بدرجة كبيرة في المؤسسة العسكرية والاقتصادية وحتى السياسية؛ ما يعني أن طهران تمتلك القدرة على ممارسة ضغوط مختلفة على النظام الحاكم في سوريا لمنعه من مقايضة شرعيته العربية بها.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%8f%d8%ad%d9%81%d9%91%d8%b2%d8%a9/