سيطرة المحافظين:

ملامح التصادم بين إدارة "بايدن" والمحكمة العليا الأمريكية
سيطرة المحافظين:
4 يوليو، 2022

تعددت انتقادات إدارة الرئيس جو بايدن لأحكام المحكمة العليا الأمريكية؛ التي يسيطر عليها التيار المحافظ بعد تعيين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ثلاثة قضاة محافظين بها، ليكون إجماليهم ستة مقابل ثلاثة ليبراليين، بشأن حق الإجهاض، وحق حمل السلاح المنصوص عليه في الدستور الأمريكي؛ فقد وصفت الإدارة تلك الأحكام بأنها غير دستورية، وهو ما أدى إلى تعالي الأصوات المطالبة بإصلاح المحكمة العليا، مع بعض المقترحات بزيادة عدد أعضائها لموازنة التيار المحافظ. وهو ما يعكس في مجمله إمكانية توظيف قرارات المحكمة العليا من جانب الحزبين الجمهوري والديمقراطي للحصول على دعم أكبر من جانب الناخبين في المعارك الانتخابية المقبلة، في ظل توقعات بتصاعد الصدام بين إدارة بايدن والمحكمة العليا لاسيما في ضوء تعدد القضايا محل الخلاف بين الطرفين.

مؤشرات الصدام

هناك العديد من المؤشرات الدالة على تكرار الصدام بين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن والمحكمة العليا في البلاد، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1-رفض قرار المحكمة العليا بشأن حق الإجهاض: وصف الرئيس الأمريكي جو بايدن، قرار المحكمة العليا الأمريكية إلغاء حق الإجهاض بأنه “خطأ مأساوي”؛ إذ من المتوقع أن يسلب نحو 36 مليون امرأة في سن الإنجاب إمكانية الإجهاض في ولاياتهن. وعليه، قال “بايدن” إن “الحكم يُعرِّض صحة المرأة وحياتها للخطر”، وأضاف: “إنه تطبيق لأيديولوجيا متطرفة”، كما قال إنه سيعمل على ضمان عدم تمكن المسؤولين الحكوميين والمحليين من منع النساء من السفر لإجراء عمليات إجهاض في ولايات تشرع الإجراء، وإنه سيحمي حق وصول النساء إلى وسائل منع الحمل والأدوية التي تُسقط الحمل قبل انقضاء مدة 10 أسابيع، كما وصف حكم المحكمة العليا الأمريكية بأنه أخذ حقاً دستورياً من الأمريكيين كان معترفاً به بالفعل، وأضاف أنهم “لم يقيدوه، بل ألغوه.. وهذا لم يحدث لأي حق مهم للغاية للأمريكيين، ولكنهم فعلوا ذلك”. كما دعا “بايدن” الكونجرس إلى التدخل لإعادة إحياء قانون الإجهاض؛ لأن المحكمة العليا تعمدت حرمان الأمريكيات من هذا الحق.

2-دعوة بايدن المواطنين للاحتجاج ضد قرار المحكمة العليا: دعا “بايدن” المواطنين الأمريكيين إلى الاحتجاج بأسلوب سلمي ضد قرار المحكمة العليا الأمريكية الخاص بإلغاء الحق في الإجهاض، واعتبر يوم إلغاء هذا الحق يوماً حزيناً للولايات المتحدة، وأعرب عن أسفه لقرار المحكمة العليا الأمريكية إلغاء هذا الحق؛ لكونه “أمراً مشيناً” سيعيد الولايات المتحدة ثمانية قرون للوراء. وفي اتجاه مضاد لاحترام قرارات المحكمة العليا إعمالاً لمبدأ استقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات، أتت دعوات الاحتجاج من الرئيس نفسه، وهو ما وصفه البعض بمحاولة استرضاء الرأي العام على حساب القضاء الأمريكي.

3-انتقاد إلغاء قانون الرقابة على الأسلحة النارية: عبر الرئيس الأمريكي عن خيبة أمل بالغة من قرار المحكمة العليا الأمريكية إلغاء قانون الرقابة على الأسلحة النارية في ولاية نيويورك باعتباره غير دستوري، وقال إنه “يشعر بخيبة أمل بالغة من قرار المحكمة العليا الذي يتعارض مع الفطرة السليمة”، كما قال للصحفيين: “كنت أتحدث إلى حاكمة نيويورك كاثي هوشول حول هذا الأمر.. أشعر بخيبة أمل من قرار المحكمة العليا بشأن الأسلحة”، وإن وجد في قوانين السلاح السارية في 40 ولاية أخرى بعض العزاء. كما وصف “بايدن” هذا القرار بأنه صدر دون التفكير فيه بدقة، مشيراً إلى ضرورة فعل المزيد لحماية الأمريكيين، قائلاً إنه “يشعر بخيبة أمل شديدة؛ فبعد أكثر من قرن، اختارت المحكمة العليا للولايات المتحدة إسقاط سلطة نيويورك الراسخة لحماية مواطنيها. هذا الحكم يتعارض مع المنطق السليم والدستور، وينبغي أن يزعجنا جميعاً بشدة”.

4-تعدد مجالات الصدام المحتمل بين الجانبين: تدرس السلطة القضائية مدى تمكن إدارة “بايدن” من إنهاء سياسة الحدود المعروفة باسم “ابق في المكسيك”؛ إذ يمكن لوزارة الأمن الداخلي إعادة بعض المواطنين غير المكسيكيين الذين دخلوا الولايات المتحدة إلى بلادهم بدلاً من احتجازهم أو إطلاق سراحهم؛ ما يطرح تساؤلات عدة على صعيد قانون الهجرة، بل على صعيد سيطرة الرئيس على السياسة وعلاقاته الدبلوماسية بالدول المجاورة. كما ينظر القضاء في مسألة تنظيم انبعاثات الكربون من محطات الطاقة الحالية في نزاع قد يضر بجهود الإدارة الأمريكية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية.

دلالات بارزة

يمكن الوقوف على أبرز دلالات الصدام بين إدارة بايدن والقضاء الأمريكي في الفترة الماضية، وهو أمر مرجح للتصاعد خلال الفترة المقبلة، وذلك على النحو التالي:

1-تأثُّر المواطنين بشكل مباشر بقرارات المحكمة العليا: يرجع الصدام بين بايدن والسلطة القضائية إلى حقيقة مفادها أن قرارَي المحكمة العليا المتتاليين يمسان حياة المواطنين مباشرةً؛ فقد كبَّل أحدهما أيدي الولايات الديمقراطية بشأن تنظيم حمل الأسلحة وأطلق الآخر أيدي الولايات الجمهورية في حظر الإجهاض؛ ما يعكس الكيفية التي يمكن بها للمحكمة (المؤلفة من ستة قضاة محافظين وثلاثة تقدميين) أن تعيد تشكيل حياة الأمريكيين؛ إذ يمكنها إمالة السياسات نحو اليمين في المسائل الحساسة وسط تخوفات من أن تحبط المحكمة العليا الأولويات الليبرالية أو تقلب مسارها في السنوات القليلة المقبلة.

2-حشد “الديمقراطيين” المواطنين لصالحهم في الانتخابات: انتقد بايدن “الأيديولوجيا المتطرفة” للمحكمة العليا ذات الميول المحافظة التي شكَّلها بنسبة كبيرة سلفه الجمهوري “دونالد ترامب”. وفي هذا الإطار، يأمل “بايدن” وديمقراطيون آخرون استغلال الغضب الشعبي من قرارَي المحكمة العليا لحشد الناخبين في انتخابات التجديد النصفي المرتقبة، في ظل تزايد المخاوف من فقدان سيطرة الديمقراطيين على كل من مجلسي النواب والشيوخ.

3-استجابة متأخرة لإدارة بايدن بشأن قرارات المحكمة: تبعاً لصحيفة “نيويورك تايمز”، كان أمام الرئيس وقيادة حزبه الديمقراطي عدة أشهر للاستعداد لسقوط قانون الإجهاض. وحتى عقب تسريب مسودة الحكم في مايو 2022، كان أمام “بايدن” وقيادة الحزب الديمقراطي عدة أسابيع كي يضعوا خططاً بغية مواجهة ذلك القرار الذي طالما اعتُبر غير ممكن، وإن أصبح محتملاً على نحو مفاجئ. ووفقاً للصحيفة أيضاً، أتى الرد الأولي للرئيس وحزبه في صورة توسلات للتصويت، ودعوات لتقديم تبرعات انتخابية إلى الحزب، وتصوير الجمهوريين بالمتطرفين، وانتقاد أحكام القضاء.

4-بحث إدارة بايدن عن بدائل قانونية محتملة: من شأن الصدام مع المحكمة العليا أن يدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن بدائل محتملة، لا سيما مع تعالي أصوات مختلف الأطياف السياسية المطالبة باتخاذ إجراءات شاملة؛ منها على سبيل المثال توسيع عضوية المحكمة العليا، وإعلان الصحة العامة والطوارئ الوطنية، وإنشاء عيادات للإجهاض على الأراضي الفيدرالية، وتوفير وصول أسهل إلى أدوية الإجهاض، وغير ذلك.

ختاماً، يمكن تفسير الصدام بين الإدارة الأمريكية والمحكمة العليا –على سبيل التحديد – في ضوء رغبة الأخيرة في التخلي عن سابقة راسخة لدفع أجندة يمينية متطرفة لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الأمريكيين، وهو ما يفرض على الديمقراطيين اتخاذ جملة من السياسات المستقبلية الرامية إلى استباق الصدام المحتمل، لا سيما على صعيد قضايا أخرى على غرار قضايا الهجرة والبيئة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b3%d9%8a%d8%b7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%81%d8%b8%d9%8a%d9%86/