صدام دبلوماسي:

إلى أين تتجه التوترات الراهنة بين الصين وكندا؟
صدام دبلوماسي:
21 نوفمبر، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial

بدأت تتصاعد حدة التوترات بين الصين وكندا، في الآونة الأخيرة، على هامش اللقاء الثنائي الذي عقد بين رئيس وزراء كندا “جيمس ترودو” والرئيس الصيني “شي جين بينج” أثناء مشاركتهما في قمة مجموعة العشرين في إندونيسيا. ورغم الاختلاف العقائدي والمعياري الجوهري بين الدولتين؛ حيث تختلف جذرياً نظمهما السياسية ومصالحهما الاستراتيجية باعتبار كندا تجسيداً للقيم الغربية وحليفاً رصيناً للولايات المتحدة، فإن التوترات بين البلدين بدأت تأخذ طابعاً ثنائياً خاصاً يميزها عن نهج التنافس العام الذي تتبعه الدول الغربية إزاء الصين.

ملامح التوتر

كشف اللقاء الأخير بين الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الكندي عن بعض مؤشرات التوتر في العلاقات بين الدولتين، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- اتهامات كندية للصين بالتورط في عمليات تجسس: جاء اللقاء بين “ترودو” و”شي جين بينج”، يوم 15 نوفمبر الجاري، بعد وقت قصير من إعلان الشرطة الكندية وجود شبهات باضطلاع الصين في تجنيد أحد العناصر البحثية في أكبر وحدة لإنتاج الطاقة في كندا؛ حيث أعلنت الشرطة أن هذا العنصر قد ساهم في تسريب بعض الأسرار التجارية إلى بكين. وكانت هذه الشبهات ضمن سلسلة من الاتهامات المماثلة لأنشطة بكين داخل كندا؛ إذ قام وزير الصناعة الكندي “فرانسوا فيليب شامبين” في وقت سابق من هذا الشهر بإصدار قرار وزاري لثلاث شركات صينية بالانسحاب من العمل بقطاع المعادن الحيوية في كندا؛ وذلك لأسباب تتعلق أيضاً بالأمن القومي، ناهيك عن إعلان الشرطة الفيدرالية في مطلع هذا الشهر أنها تحقق في شبكة سرية غير قانونية من رجال الأمن الصينيين في تورنتو.

2- الشكوك حول تدخل بكين في الانتخابات الكندية: فخلال الفترة الماضية صدرت العديد من الاتهامات لبكين بالتورط في بعض الأنشطة الأخرى التي من شأنها تقويض أسس الديمقراطية في كندا، ومنها على سبيل المثال تقارير الاستخبارات الكندية المقدمة للبرلمان بشأن ترجيح تدخل الصين في الانتخابات الفيدرالية لعام 2019. وبحسب التقارير التي نشرت بشأن هذه القضية، فقد مولت الصين “شبكة سرية” من مرشحين للانتخابات الفيدرالية الكندية وعملاء صينيين يعملون لصالح حملتهم.

3- انتقادات الرئيس الصيني لرئيس الوزراء الكندي: تعمقت الأزمة بين كندا والصين عقب الانتقادات المباشرة التي وجهها الرئيس الصيني لرئيس الوزراء الكندي أثناء لقاء بينهما يوم 16 نوفمبر الجاري؛ فقد أظهر تسجيل فيديو قصير محادثة بينهما يوبخ خلالها الرئيس الصيني رئيس وزراء كندا نتيجة لتناول الإعلام مضمون اللقاء الذي تم بينهما يوم 15 نوفمبر الجاري، وقال “بينج” لـ”ترودو” إن “كل شيء ناقشناه تم تسريبه إلى الصحف. وهذا غير ملائم وهذه ليست الطريقة التي أجريت بها محادثتنا، أليس كذلك؟”، وأضاف: “إذا كنت مخلصاً فيجب أن نتواصل باحترام متبادل. وإذا لم يكن كذلك، فلست متأكداً تماماً بشأن كيفية تحول الأمور”.

4- التأثير الممتد للخلافات السابقة: لا تقتصر ملامح التوترات بين البلدين على بعض العوامل الراهنة، بل إن جذورها تمتد لأزمات سابقة وفترات كان مستوى العلاقات أثناءها في أدنى مستوياته. ولعل أهم محطات هذا التراجع عام 2018 عندما ألقت كندا، بناءً على طلب من المسؤولين الأمريكيين، القبض على الرئيس التنفيذي لشركة هواوي الصينية آنذاك Meng Wanzhou في مطار فانكوفر، وهو ما أعقبه رد من بكين باعتقال مواطنين كنديين بتهمة التجسس.

وبينما انتهت المواجهة بإطلاق سراح الثلاثة العام الماضي، ظلت العلاقات متوترة بين البلدين إلى أن ظهرت هذه الخلافات على السطح من جديد بعد تردد شائعات بشأن اعتقالات صينية جديدة لمواطنين كنديين. تجدر الإشارة إلى أنه من ضمن المسائل التي خلفت توتراً عميقاً بين البلدين إعلان أوتاوا عن حظر البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس لهواوي لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي.

العوامل المفسرة

ترتبط التوترات الراهنة بين كندا والصين بعدد من العوامل التفسيرية الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- التعارض بين الصين وكندا حول القضايا الدولية: من ضمن أهم محفزات جلب هذه الخلافات إلى بؤرة الاهتمام وجود قضايا أخرى ملحة ترغب الدولتان في مناقشتها، وهي القضايا التي لم يكن من المتصور طرحها دون التطرق إلى القضايا الخلافية، ولعل أهمها: الحرب الروسية الأوكرانية وإعادة تأكيد كندا الرسائل الأمريكية بتحذير الصين من دعم روسيا بأي صورة من الصور في هذه الحرب، وتصاعد التهديدات الصاروخية لكوريا الشمالية وما يفرضه ذلك من تهديد لكندا وحلفائها في آسيا، وأهمية التنسيق بشأن مؤتمر كوب 15 للتنوع البيولوجي المقرر عقده في ديسمبر؛ حيث ستستضيف الصين وكندا بالتبادل فعاليات خاصة بهذا المؤتمر. ورغم أن اللقاء كان مقتضباً بين الزعيمين الصيني والكندي، فإن التقديرات تشير إلى أن هذا اللقاء يعتبر تدشيناً للقاءات مستقبلية أخري بين مسؤولين رفيعي المستوى في كلتا الدولتين.

2- التخوفات الكندية من النفوذ الصيني المتعاظم: لا يمكن إغفال أن التوترات الراهنة بين الدولتين تعكس تخوفات كندية من النفوذ الصيني المتعاظم، والتعاطي مع هذا النفوذ باعتباره تهديداً لها، فثمة رؤية غربية، وكندية بطبيعة الحال، ترى أن نجاح الرئيس الصيني شي جين بينج في الفوز بفترة رئاسية ثالثة عقب عقد المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني، دفع بكين إلى إعادة فتح بعض الجبهات التي كانت قد أغلقتها مؤقتاً لحين تحقيق هذا الهدف. ومن ضمن هذه الجبهات التوسع في أنشطة أمنية واستخباراتية في عدد من الدول وعلى رأسها كندا وبريطانيا وغيرهما، والعودة للأنشطة العسكرية في منطقة مضيق تايوان. ورغم التقاء الرئيس الصيني والرئيس الأمريكي على هامش أعمال قمة مجموعة الـ20، فإن هذا اللقاء جاء بعد فترة من القطيعة النسبية بعد زيارة نانسي بيلوسي لتايوان، ولم يؤد إلى مخرجات إيجابية تذكر بل كان بمنزلة تحريك للمياه الراكدة فقط.

3- تضييق الولايات المتحدة الخناق على الصين: توسعت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة في إجراءات تضييق الخناق على بكين؛ فمن جهة قامت بإطلاق استراتيجية الهندو-باسيفيك واستراتيجية الأمن القومي اللتين تضعان الصين صراحة كأكبر تهديد للمصالح الأمريكية، ومن جهة أخرى قام الكونجرس مؤخراً باعتماد قانون “مجابهة التضخم” الذي يدعم القطاعات الاقتصادية الحيوية في الولايات المتحدة – ومنها قطاع إنتاج أشباه الموصلات – في مقابل الصادرات الصينية منها، وهو ما تعتبره بكين استهدافاً مباشراً لمصالحها التجارية. وللقيام بإجراءات انتقامية غير مباشرة، محسوبة التكلفة ومحدودة النطاق، تتجه بكين لمضايقة بعض حلفاء واشنطن، ومن بينهم كندا التي كانت ترتبط بها أصلاً بعض أسباب التوتر.

مستقبل العلاقات

يمكن القول إن مستقبل التوتر الراهن بين الدولتين مرهون بسيناريوهين رئيسيين:

1- سيناريو العلاقات المتوازنة: رغم تصاعد حدة التوترات بين الدولتين فإن هناك بعض المؤشرات التي ترجح عدم تحوله إلى قطيعة جذرية أو جرح عميق في العلاقات الثنائية بين البلدين. فوسط الضغوط المتنامية لاتخاذ موقف أكثر تصادمية تجاه الصين، قررت الحكومة الفيدرالية الكندية إطلاق ما تسمى استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ التي وصفتها وزيرة الخارجية “ميلاني جولي” بأنها سترسي أسس تحدي الصين، خاصة في مجال حقوق الإنسان، لكن مع الحفاظ على إمكانيات التعاون في الأهداف العالمية المشتركة مثل تغير المناخ وغيرها.

هذا ويدعم من احتماليات اتباع كندا لهذا النهج التوفيقي قيام الولايات المتحدة نفسها باتباع نهج مماثل أعلنت عنه صراحة في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في شهر أكتوبر الماضي، التي تتضمن إشارات بشأن مواصلة التنافس مع الصين في كافة المجالات لكن مع الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة مع بكين والتعاون معها في التحديات العالمية العابرة للحدود، كما أكد الرئيس الأمريكي في لقائه الأخير مع الرئيس الصيني، على هامش قمة العشرين، أن الولايات المتحدة ستستمر في التواصل مع الصين بشأن عدد من القضايا وضمان عدم تحول التنافس بين الدولتين إلى صراع.

2- سيناريو تصعيد الأزمة: على النقيض من السيناريو السابق، فإن هناك مجموعة من العوامل الأخرى التي تدفع نحو تصعيد هذه الأزمة لتطيل مسار العلاقات بين البلدين. ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى حقيقة مفادها أنه لم تصدر كندا مطلقاً بياناً رسمياً عن اجتماع شي وترودو، وبالمثل فقد امتنعت وزارة الخارجية الصينية ووسائل الإعلام الحكومية عن نشر أي شيء يتعلق بهذه المحادثات غير الرسمية.

كما تداولت بعض وسائل الإعلام أنباءً بشأن تأكيد الرئيس الصيني ضرورة “تهيئة الظروف” أولاً قبل الحديث عن أي تعاون محتمل في قضايا أخرى مع كندا، وهو ما يعني أنه وضع مشروطيات على احتمالات تعزيز التعاون، تتسم بقدر من التعجيز في ظل عدم تصور قيام كندا بتغيير مواقفها بصورة تخلق مناخاً عاماً من الثقة كما أشار شي جين بينج.

الخلاصة: لا ينفصل مستوى التوتر العام بين كندا والصين عن النمط العام الحاكم للعلاقات بين بكين وواشنطن ودرجة الضغوط المتبادلة بينهما. هذا وإن كان من الشائع أن تلجأ بكين لبعض الأنشطة التي تعتبرها أوتاوا تعدياً صريحاً على أمنها القومي، إلا أن الانتقادات العلنية الصريحة من الرئيس الصيني لا تعتبر نهجاً معتاداً في السياسة الخارجية الصينية، وهو ما يؤشر على حجم التوتر الدفين بين البلدين. من هنا، قد يسهم فتح موضوعات التوتر بين البلدين في تخفيف حدتها حال الوصول إلى تفاهمات بشأنها، خاصة أن هناك اعتماداً تجارياً أكبر من كندا تجاه الصين؛ حيث تعتبر بكين هي ثالث أكبر شريك تجاري لكندا بينما تحل الأخيرة في المرتبة رقم 16 في قائمة أكبر الشركاء التجاريين للصين.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b5%d8%af%d8%a7%d9%85-%d8%af%d8%a8%d9%84%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%b3%d9%8a/