صدمات اقتصادية:

ما ملامح التغيُّرات الجذرية في هيكل سلاسل التوريد العالمية؟
صدمات اقتصادية:
20 يونيو، 2022

عرض: د. إيمان أحمد عبدالحليم

ألقت جائحة كورونا، ومن بعدها الحرب الأوكرانية، تداعيات سلبية جمَّة على سلاسل التوريد العالمية، وهو ما كان له ارتدادات سلبية على الأوضاع الاقتصادية وعلى الأمن الغذائي في كثير من دول العالم. وفي ضوء التغيرات التي طرأت على سلاسل التوريد العالمية، نشر موقع “إيكونوميست” تقريرين بعنوان “تغيُّر هيكل سلاسل التوريد في العالم”، و”إعادة الهيكلة الصعبة لسلاسل التوريد العالمية”. وقد تطرَّق التقريران إلى المظاهر الرئيسية للتحول الهيكلي الجاري في سلاسل التوريد العالمية بفعل جائحة كورونا والحرب الأوكرانية، ويأتي على رأس هذه المظاهر حدوث انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1% على الأقل نتيجة الاختناقات؛ حيث تضرَّر المنتجون والمستهلكون على السواء. يُضاف إلى ذلك بدء التحول في سلاسل القيمة العالمية بالعقد الجاري، وتوجُّه الدول إلى توسيع اعتمادها على القدرات الذاتية، وسعي الشركات إلى تنويع قائمة الموردين لتأمين سلاسل التوريد. ويمكن تناول أبرز ما جاء في التقريرين على النحو الآتي:

1– ظهور مشكلات السلاسل قبيل الوباء وحرب أوكرانيا: أوضح التقرير أنه حتى قبل وباء كورونا وتبعات الحرب الأوكرانية، كانت مشكلات سلاسل التوريد العالمية قد بدأت تبرز خلال الأعوام الخمسة الماضية، ومنذ فرض الرسوم الجمركية الأمريكية على الصادرات الصينية؛ حيث كانت هناك إشارات كثيرة على تراجع وتيرة العولمة دولياً، وكانت حصة عائدات الشركات الأمريكية من الخارج ثابتة في الغالب.

وأضاف التقرير أن الأرباح المحققة في الخارج كانت تتراجع، مع حدوث ركود في تدفقات التجارة وفي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. ونوه التقرير أن أحد أسباب حدوث ذلك كان التوسع، الاعتماد على الميكنة التي قلَّلت كثافة العمالة في التصنيع، فتقلصت الميزة التنافسية للبلدان ذات الأجور المنخفضة التي أصبحت مراكز نقل إلى الخارج خلال فترة التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

2– حدوث اختناقات جديدة في السلاسل نتيجة الجائحة: وفقاً للتقرير، فإنه استكمالاً للتغيرات التي شهدتها سلاسل التوريد في الأعوام الخمسة الماضية، فإن التغيرات الأعمق ارتبطت بأثر جائحة كورونا وتداعياتها الدولية، التي أدت إلى زيادة الطلب على مجموعة معينة من السلع الخاصة باللقاحات، مع تقييد إنتاجها ونقلها. وبحسب التقرير، سارعت الحكومات في بدايات الجائحة إلى تأمين الملابس الواقية وأجهزة التنفس الصناعي في المستشفيات. وقد أدت التغيرات في أنماط الاستهلاك إلى ظهور اختناقات جديدة في سلاسل التوريد، لم ترتبط بالسلع التجارية الاعتيادية فقط.

3– إحداث حرب أوكرانيا المزيد من الصدمات للسلاسل: طبقاً للتقرير، أحدثت الحرب الأوكرانية المزيد من الصدمات في تأمين سلاسل التوريد، بالتوازي مع حدوث ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية؛ حيث كان للحرب دور كبير في تعطيل أسواق الطاقة والأغذية. وأكد التقرير أن الحرب أظهرت المخاطر الجيوسياسية نتيجة الاعتماد على الموارد من أنظمة الحكم الاستبدادية ذات الطموحات العدوانية، على حد قوله. وشدد التقرير على أن هذا الأمر ضاعف، بالتبعية، المخاوف من الاعتماد الكبير على الصين التي تتمتع ببصمة تجارية أكبر بسبعة أضعاف من روسيا، ويعتمد العالم عليها في مجموعة متنوعة من السلع من المكونات الصيدلانية النشطة إلى الليثيوم المعالج المستخدم في البطاريات.

4– انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي نتيجة الاختناقات: أوضح التقرير أن الاختناقات الحالية أدت إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1% على الأقل؛ حيث تضرر المنتجون والمستهلكون على السواء، فأدى مثلاً نقص الرقائق إلى توقف إنتاج السيارات، وانخفضت التدفقات النقدية لشركات صناعة السيارات بنسبة 80% على أساس سنوي.

ووفقاً للتقرير، يمكن أن يقلل هذا الأمر المبيعات بما يصل إلى 8 مليارات دولار، وهو ما يعادل 10% خلال الربع الحالي من العام. وأشار التقرير إلى أن السعي الحثيث وراء ميزة التكلفة أدى إلى الاعتماد على الأنظمة الاستبدادية التي تنتهك حقوق الإنسان وتستخدم التجارة وسيلةً للإكراه، ولفت إلى أن الأنظمة الاستبدادية تمثل ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

5– بدء التحول في سلاسل القيمة العالمية بالعقد الجاري: نوه التقرير أنه بعد أن كانت التكنولوجيا والاستقرار الجيوسياسي والبحث عن الكفاءة والميزة النسبية عوامل رئيسية في توسيع سلاسل التوريد العالمية ابتداءً من فترة التسعينيات، مع تخطي الشركات حدود القارات بحثاً عن مدخلات رخيصة وهوامش ربح أكبر، إلا أنه في ضوء تنامي المشكلات التي تواجه سلاسل التوريد، فمن المرجح أن يشهد العقد الجاري حتى عام 2030 فترة تحول لسلاسل القيمة العالمية.

وأضاف التقرير أن هذا التحول جارٍ بالفعل وواضح في البيانات المتعلقة بالمخزونات والاستثمار والتوظيف، وانتقال بعض مصادر الإنتاج والاستثمار من الصين إلى غيرها من الدول في آسيا وأمريكا اللاتينية، في محاولة لتنويع مصادر الاعتماد على الموارد الخارجية لتكون أكثر أمناً، وإن أثَّر ذلك على فرص الكفاءة.

6– توجُّه الدول إلى توسيع اعتمادها على القدرات الذاتية: أشار التقرير إلى أنه مع تنامي قلق صناع القرار بشأن أمن سلاسل التوريد، بدأت الدول توسع اعتمادها على الذات، ولا سيما في بعض التقنيات والأعمال الاستراتيجية، من خلال دعم الاستثمار في مثل هذه القطاعات داخل حدودها، وتقييد تصدير ثمار تلك القطاعات في بعض الأحيان.

ولفت التقرير إلى أن أكثر من 100 دولة تمثل أكثر من 90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، طوَّرت خلال الأعوام الأخيرة استراتيجيات صناعية رسمية تسمح بتوسيع نشاطها المحلي الخاص، وفقاً لمسح أجرته الأمم المتحدة؛ حيث تُدير السياسات سلسلة كاملة من الاستثمارات في الأبحاث الأساسية إلى تلك التي تحمي الصناعات الاستراتيجية من المنافسة الأجنبية.

7– السعي إلى تنويع قائمة الموردين لتأمين سلاسل التوريد: وفقاً للتقرير، تدفع التغيرات الأخيرة على الصعيد الدولي الشركات إلى إعادة تقييم رؤاها حول إذا ما كانت مخاطر تجربة نموذج جديد تتجاوز مخاطر التمسك بالنموذج القديم. وتتمثل إحدى الطرق البسيطة في توقيع العقود مع موردين إضافيين. وبحسب التقرير، يقوم 81% من قادة سلاسل التوريد – الذين شملهم الاستطلاع الذي أجرته “شركة ماكينزي” هذا العام – الآن بشراء المواد الخام من موردَين اثنين، بدلاً من الاعتماد على واحد فقط. وطبقاً للتقرير، تشير الدلائل المستقاة من بنك “جولدمان ساكس” إلى أن واشنطن توسع عدد البلدان التي تعتمد عليها في الإمدادات.

8– اتجاه الشركات إلى توسيع المخزون وبناء مخازن جديدة: نوه التقرير أن أحد المؤشرات على تحول الشركات من الكفاءة إلى المرونة هو التراكم الهائل في المخزونات الاحترازية؛ حيث تبني الشركات مخزونات لسلع ومنتجات نصف مصنعة أو مصنعة بالكامل، تُترك احتياطياً في المخازن، ويمكن بيعها إذا زاد الطلب فجأةً أو إذا فشل العرض الجديد. ولفت التقرير إلى أنه لهذا الأمر تكاليف كبيرة من حيث تقييد الأموال؛ حيث زادت أكبر 3000 شركة في العالم من حيازتها بما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي منذ عام 2019، مع ارتفاع من 6% إلى 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي منذ عام 2016.

9– تحوُّل تدفُّقات الاستثمار الأجنبي بعيداً عن الصين: أكد التقرير أن من الدلائل الأخرى على التغير الذي يشهده هيكل سلاسل التوريد العالمية، ما تُظهره الإحصائيات الرسمية عن تراجع تدفقات الاستثمار العالمي الأجنبي المباشر في الصين وتحوله إلى غيرها من الدول. وشدد التقرير على أن أحد مؤشرات ذلك هي “الحقول الخضراء”؛ فمنذ عام 2019 استحوذت الصين على أقل من 10% من التدفقات العالمية للحقول الخضراء، بانخفاض عن ذروة بلغت ما يقرب من 20% في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وأوضح التقرير أن حصة موظفي الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية المتمركزة في الصين تشهد تراجعاً ملحوظاً، في الوقت الذي تعمل فيه هذه الشركات على تعزيز التوظيف في أجزاء أخرى من آسيا. وأشار التقرير إلى توظيف هذه الشركات ما يقرب من 400 ألف شخص في الفلبين، بزيادة قدرها 10% منذ عام 2016، كما يعمل ما يقرب من 1.4 مليون شخص في الهند في الشركات الأمريكية، بزيادة تبلغ نسبتها 14% عن عام 2016.

وختاماً، رجح التقرير استمرار وجود بعض المشكلات رغم التغير القائم في سلاسل التوريد، وفسَّر ذلك بأن إعادة تصميم سلاسل التوريد تستغرق وقتاً، وأن ملاحظة التأثير تستغرق وقتاً أطول، فضلاً عن أن إعطاء الأولوية لتأمين سلاسل التوريد عن اعتبارات الكفاءة، سوف تقع تكلفته على دافعي الضرائب والشركات والمستهلكين، حتى إن كان الاقتصاد العالمي سيصبح أقل عرضةً للصدمات في وقتٍ يزيد فيه تغيُّر المناخ والتوترات الجيوسياسية من تواترها وحدتها. وأكد التقرير أن محاولات تعزيز الأمن الاقتصادي يمكن أن تؤدي إلى حدوث صدمات خاصة بها.

وشدد التقرير على وجود أهمية كبيرة للعمل على تحقيق التوازن بين اعتبارات الأمن والكفاءة مع التكلفة، وهو أمر بالغ الأهمية، يتطلَّب من الحكومات والشركات أن تضع في الاعتبار أن المرونة تأتي من التنويع لا من التركيز على توسيع أنشطتها. ونوه التقرير أنه في حين تبلغ سيطرة الأنظمة الاستبدادية في نقاط الاختناق نحو عُشر التجارة العالمية، بناءً على صادراتها من السلع التي تمتلك فيها حصة سوقية رائدة تزيد عن 10%، فإن المطلوب من الشركات هو تنويع مورديها في هذه المجالات، والسماح للسوق بالتكيُّف لتحقيق التوازن الجيد والمطلوب بين اعتبارات الكفاءة والأمن.

المصادر:

The structure of the world’s supply chains is changing, The Economist, June 16, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/briefing/2022/06/16/the–structure–of–the–worlds–supply–chains–is–changing

The tricky restructuring of global supply chains, The Economist, June 16, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/leaders/2022/06/16/the–tricky–restructuring–of–global–supply–chains


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b5%d8%af%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9/