صلاحيات الحرب:

هل ينتهي تفويض استخدام الرؤساء الأمريكيين للقوة العسكرية؟
صلاحيات الحرب:
21 أبريل، 2021

في إطار سعي الحزب الديمقراطي إلى تعديل تفويض استخدام القوة العسكرية الذي استخدمه رؤساء من الحزبين على مدار عقدين لتبرير استخدام القوة العسكرية خارج البلاد؛ عقدت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي جلسة استماع يوم 23 مارس 2021، تحت عنوان “استعادة الكونجرس صلاحيات الحرب”.

وفي هذا الإطار، قدم ثلاثة من المتخصصين بالشؤون القانونية والعسكرية شهادتهم خلال الجلسة، وهم: “جاك جولد سميث” الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة هارفارد ومساعد المدعي العام السابق بمكتب المستشار القانوني بوزارة العدل الأمريكية، و”أونا هاثاواي” أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة ييل والمستشار الخاص السابق بوزارة الدفاع الأمريكية، و”بوب باور” الأستاذ والباحث بكلية الحقوق بجامعة نيويورك والمستشار السابق للبيت الأبيض. وقد تضمنت الجلسة نقاشًا حول إشكاليات تفويضي القوة العسكرية لعامي 1991 و2002، وسبل الإصلاح المحتملة لتفويض استخدام القوة العسكرية؛ وذلك على النحو التالي:

أولًا: إشكاليات تفويض استخدام القوة العسكرية

أشارت أونا هاثاواي خلال حديثها أمام اللجنة إلى أهم إشكاليات تفويضي القوة العسكرية لعامي 1991 و2002؛ وذلك على النحو التالي:

1– تحقق أهداف التفويضَين: سمح تفويض عام 1991 للرئيس الأسبق جورج بوش الأب، آنذاك، باستخدام القوة العسكرية عملًا بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 678، وهو القرار الذي كان يهدف إلى انسحاب العراق من الكويت في موعد لا يتجاوز 15 يناير 1991.

ثم صدر تفويض استخدام القوة العسكرية في عام 2002 استجابةً للمخاوف من امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، على نحو قد يشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة وحلفائها. وقد سُمح للرئيس جورج دبليو بوش باستخدام القوة العسكرية الأمريكية على نحو ضروري وملائم لأغراض الدفاع عن الأمن القومي الأمريكي ضد تهديدات العراق المستمرة، بجانب تنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وقد تحققت أهداف التفويضين؛ حيث طُرد العراق من الكويت، كما انتهت صلاحية قرارات الأمم المتحدة المشار إليها منذ فترة طويلة. ولا يشكل العراق حاليًّا تهديدًا للولايات المتحدة أو حلفائها. وعلى الرغم من ظهور بعض التهديدات الإرهابية الجديدة في العراق بعد عام 2003، فإنها تُعالج في إطار السلطة التي ينص عليها الكونجرس في إطار تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001.

2– إساءة مستمرة لاستخدام التفويضين: ترك تفويضا استخدام القوة العسكرية لعام 1991 ثم عام 2002، الباب مفتوحًا لإساءة الاستخدام دون إعطاء الرؤساء أي أساس مشروع للعمل العسكري؛ فخلال النقاش حول توجيه ضربة قاتلة ضد قاسم سليماني في أوائل عام 2020؛ اعتمد أعضاء الإدارة الأمريكية بأسلوب غير صحيح على هذا التفويض كمصدر للشرعية القانونية. وقد كان سليماني مسؤولًا حكوميًّا إيرانيًّا وليس عراقيًّا. ومن ثم، لا يمكن القول إن استخدام القوة ضده هو استخدام للقوة للدفاع عن الأمن القومي الأمريكي ضد تهديد العراق.

3– اقتراحات بتحديد تفويض مكافحة الإرهاب وليس إلغائه: صدر تفويض استخدام القوة ضد الإرهابيين لعام 2001 بعد أيام فقط من الهجمات المروعة على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001، وقد كان غامضًا لأن البلاد لم تكن واثقة بشأن الجماعة المسؤولة عن الهجوم. وفي هذا الإطار، اتفق الحزبان الديمقراطي والجمهوري منذ فترة طويلة على أن تفويض استخدام القوة ضد الإرهابيين لعام 2001 قد عفا عليه الزمن، وقد دفع البعض بإلغائه دون بديل له.

ولكن قد يؤدي ذلك إلى اعتماد الرئيس على سلطاته بموجب المادة الثانية كقائد عام؛ لتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب التي يعتقد أنها ضرورية. وإذا تحدث الكونجرس بوضوح في تحديد نطاق وحدود سلطة مكافحة الإرهاب، فمن المرجح أن يكون في وضع قانوني أفضل للضغط ضد استخدامات الرئيس للقوة التي تتجاوز تلك السلطات الصريحة.

4– ضرورة تحديد مدة زمنية للتفويض: يجب أن يتضمن تفويض استخدام القوة العسكرية الجديد شرط إعادة التفويض؛ إذ يجب أن يبقى الكونجرس منخرطًا في عملية تحديد العمليات العسكرية في الخارج في إطار دوره الدستوري، مع عدم تفويض تلك السلطة إلى الأبد، لا سيما أن الدستور نفسه يقر مثل هذا الشرط؛ فالمادة الأولى منه تمنع الكونجرس من “دعم الجيوش” لمدة أطول من عامين. وقد كان الهدف من ذلك ضمان أن تتاح لكل عضو في الكونجرس، في وقت ما خلال فترة ولايته، الفرصة لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيواصل أي جهود عسكرية جارية.

5– وجوب تعريف العدو والأعمال العدائية: يجب على تفويض استخدام القوة العسكرية الجديد أن يُعرِّف العدو، كما ينبغي أن يشارك الكونجرس مباشرةً في تحديد متى تحارب البلاد وضد من، وكذلك ضرورة توضيح أن مفهوم المشاركة في الحرب لا يعني توسعة نطاق الحرب دون الحصول على سلطات محددة من الكونجرس.

وفي سياق متصل، يجب إخطار لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، بالتقدم المحرز في العمليات العسكرية، مع الأخذ في الاعتبار أن الحروب لا نهاية لها، ولا بد من وجود هدف واضح وقابل للتحقيق، ولا بد من إعادة تعريف مصطلح “الأعمال العدائية”؛ لأنه ترك الباب مفتوحًا أمام تفسيرات مختلفة. فعلى سبيل المثال، أثناء التدخل العسكري في ليبيا، جادلت إدارة باراك أوباما بأنها ليست بحاجة إلى إذن الكونجرس لمواصلة العمليات العسكرية لأكثر من 60 يومًا؛ لأن العمليات العسكرية الأمريكية لم تكن أعمالًا عدائية.

6– وضع آلية واضحة لتفسير قرارات البيت الأبيض في مجال الحرب: ينبغي أن تكون هناك آلية فعالة للكونجرس للطعن في تفسير القرار المنقح من جانب السلطة التنفيذية؛ فقد ظلت لفترة طويلة جدًّا تحتكر عمليًّا التفسيرات القانونية في مجال الحرب. ويُعزى ذلك جزئيًّا إلى هيمنة مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل –بوصفه مترجمًا للقانون– على السلطة التنفيذية، وإصدارها مذكرات بشأن مسائل سلطات الحرب المتنازع عليها.

ثانيًا: محددات التعامل مع استخدام القوة العسكرية

ركز جاك جولد سميث في شهادته على سبل الإصلاح المحتملة لتفويض استخدام القوة العسكرية، وهو ما يمكن الوقوف عليه تفصيلًا في النقاط التالية:

1– تحديد المقصود بمفهوم “المصلحة الوطنية”: في السنوات الأخيرة، شارك الكونجرس بنشاط في ممارسة سلطاته الدستورية المتعلقة بالحرب. وفي المقابل، سرعان ما فقد سيطرته الكبيرة عليها؛ فقد فسَّرت السلطة التنفيذية المادة الثانية من الدستور في إطار المصلحة الوطنية مع تفسير الأخيرة على نطاق واسع جدًّا، بما يشمل حماية الحلفاء ومساعدتهم، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومنع وقوع كارثة إنسانية، ودعم الأمم المتحدة، والدفاع عن النفس.

وهذا التفسير للمادة الثانية يعني أن السلطة التنفيذية، دون إذن من الكونجرس، يمكنها دفع القوة العسكرية الأمريكية حول العالم لفترات طويلة من الزمن في أي سياق ترغب فيه، كما فسَّرت السلطة التنفيذية المادة الثانية بأنها تسمح بإدخال أعداد كبيرة من القوات البرية في الصراعات الدولية دون إذن الكونجرس. وتذهب بعض الآراء إلى أبعد من تلك التفسيرات المتساهلة.

2– معالجة مشاكل “التفسير الفضفاض” لاستخدام القوة: فسَّرت السلطة التنفيذية تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001 (ردًّا على هجمات 11 سبتمبر) وتفويض عام 2002 (بشأن العراق)، بتبرير استخدام تلك القوة في مواجهة الإرهابيين، ولأغراض لا تُطابق الأهداف الأصلية التي تم منح التفويض لأجلها.

3– ضرورة استرجاع الكونجرس سلطات الحرب الدستورية: هيمنت السلطة التنفيذية على سلطات الحرب الدستورية لأسباب عديدة؛ منها تزايد حجم المسؤوليات العالمية للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وتراجع قيود الكونجرس المفروضة على استخدامها، وعدم رغبة بعض أعضاء الكونجرس في تحمُّل تبعات قرارات الحرب، وضرورة تحقيق شرط الأغلبية للتحقق من الاستخدامات الرئاسية الأحادية للقوة. ومع ذلك، يملك الكونجرس سلطة كبيرة للسيطرة على الحرب إن اختار ممارسة ذلك. في وقت مبكر من عام 1804، أيَّدت المحكمة العليا القيود التي فرضها الكونجرس على الظروف التي يمكن للبحرية الأمريكية الاستيلاء فيها على سفن العدو خلال الحرب مع فرنسا.

كما اعترف مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل (OLC) باستخدام القوة من جانب واحد. وفي المقابل، يملك الكونجرس سلطة على تمويل القوات العسكرية في الخارج، وقد سبق أن تحكم في القوات الأمريكية في لبنان والصومال. وقد كانت قيود التمويل أيضًا سببًا مباشرًا في نهاية حرب فيتنام.

4– ضرورة العمل على استبدال وإلغاء بعض التفويضات الرئاسية: ينبغي أن تكون الأولوية القصوى للكونجرس هي إلغاء واستبدال تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001 بقانون يعالج الحرب ضد الإرهابيين. وينبغي إلغاء تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2002؛ فقد سُن الأول دون رؤية واضحة لمن هو المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر 2001، ولذلك وصف العدو بعبارات عامة وواسعة، دون فرض قيود زمنية أو جغرافية. وعليه، ينبغي للكونجرس أن يستبدل مكانَ قانون تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001، نظامًا قانونيًّا جديدًا للحرب ضد الإرهابيين.

5– تحديث مستمر للمقصود بمفهوم “العدو”: ينبغي أن يتضمن الإصلاح تحديد العدو بعد ما يقرب من عشرين عامًا من هجمات 11 سبتمبر، وإنشاء آلية لتوضيح وتحديث القائمة التي قد تسفر عن استخدام الرئيسِ القوةَ العسكرية مستقبلًا، كما ينبغي للكونجرس أن يأذن صراحةً باستخدام القوة ضد القوات المرتبطة بالتنظيمات العسكرية.

6– إعادة النظر في نطاق الحرب على الإرهاب: من الضروري أن يلتزم الكونجرس والسلطة التنفيذية بإعادة النظر في نطاق الحرب ضد الإرهابيين. ومن شأن هذا أن يُتطلَّب من الرئيس أن يشرح علنًا ويدافع عن طبيعة الصراع وأسباب استمراره وكيفيته. وعلى الكونجرس أن يتحمل مسؤولياته الدستورية. ومن شأن ذلك أن يمنع الحرب المترامية الأطراف وغير المحددة المدة، مع مشاركة عامة متفرقة فقط من الكونجرس. ولا ينبغي للأخير أن يخجل من العواقب المحتملة للمداولات الديمقراطية بشأن الحرب. ولن يؤثر مثل هذا الإلغاء على سلطات الرئيس لمكافحة الإرهاب.

7– تأكيد لاستمرار العمليات العسكرية في الخارج: بصفة عامة، فإن الإصلاح المنشود لا يعني انتهاء الحروب لسببين على الأقل: أولهما استمرار الانتشار العسكري والاستخباراتي العالمي الهائل للولايات المتحدة، وثانيهما إمكانية اعتماد الرئيس على سلطة مستقلة واسعة بموجب المادة الثانية من الدستور من بين مصادر أخرى ردًّا على تهديد إرهابي متصور.

وبطبيعة الحال، يواجه الرؤساء مخاطر سياسية واسعة عندما يعتمدون على المادة الثانية وحدها لأغراض مكافحة الإرهاب تتجاوز ما أذن به الكونجرس. وعليه، ينبغي للأخير أن يأذن صراحةً للرئيس باستخدام القوة العسكرية في جميع الظروف اللازمة لحماية الأمن القومي الأمريكي، مع التركيز على تفويض صريح للقوة للدفاع عن النفس، كما يجب على الكونجرس حظر الاستخدامات الرئاسية للقوة خارج هذا التبرير، وعلى وجه الخصوص حظر التدخل الإنساني دون إذن منه.

ثالثًا: أسباب إساءة استخدام التفويضات وسُبل مواجهتها

ناقش بوب باور في شهادته الأسباب التي قادت إلى إساءة استخدام تفويضات استخدام القوة العسكرية؛ وذلك على النحو التالي:

1– صراع قديم بين الرئيس والكونجرس: كشفت إدارة دونالد ترامب عن نقاط ضعف صارخة في الضوابط القانونية والمعايير التي تحكم ممارسة المادة الثانية. وبطبيعة الحال، لا يقتصر الأمر على تلك الإدارة فحسب، بل تجاوز إلى رئاسات أخرى ممتدة على مر السنين. وقد جادل الباحث الدستوري والقاضي “ديفيد بارون” أن الأمر لا يعدو كونه “صراعًا مستمرًّا على السلطة، لكنه لم يُحسَم قط”.

2– محاولات الرؤساء تمديد تفويضات الكونجرس: باتت الفرصة سانحة لمعالجة هذا الشكل الفوضوي من السياسة الدستورية من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس، بالتعاون مع السلطة التنفيذية، مع ضرورة مراجعة قرار سلطات الحرب التي ينبغي أن تستمر في جذب انتباه الكونجرس، مع تزايد أهمية إصلاح القوات الأمريكية في العراق؛ إذ ينبغي للكونجرس أن يهتم بوجه خاص بمحاولات الرؤساء لتمديد حدود تصاريح الكونجرس لاستخدام القوة في إطار واحد، والاستجابة لمجموعة واحدة من الظروف المحددة. كما يتعين على الكونجرس أن يقاوم الادعاءات الرئاسية، ويهتم بالمساءلة الدستورية عن “الحرب إلى الأبد”. ولا يمكن للكونجرس أن يعالج ذلك بمعزل عن إصلاح تفويض استخدام القوة العسكرية.

3– أهمية تحقيق التوافق بين الحزبين لدفع الإصلاحات: لا بد من سحب رأي مكتب المستشار القانوني لعام 2001 بشأن السلطة الدستورية للرئيس للقيام بعمليات عسكرية ضد الإرهابيين والدول الداعمة لهم، وإعادة النظر في السلطات الرئاسية ذات الصلة بنشر القوة العسكرية في الدفاع عن النفس استباقيًّا. ويمكن للكونجرس أن يدفع مساعي الإصلاح إذا كان هناك اتفاق بين الحزبين والسلطة التنفيذية والكونجرس.

4– اتخاذ تدابير إضافية لمساءلة الرؤساء: لا بد أن يأخذ الكونجرس في الاعتبار، قرار تجديد سلطات الحرب الذي طال انتظاره، وأن ينظر في اتخاذ تدابير لمساءلة الرؤساء عن استخدام القوة النووية على نحو أفضل. ومع ذلك، هناك بارقة أمل إذا انتهز الكونجرس الفرصة لتحقيق ما يستطيع لإصلاح سلطات الحرب.

ختامًا، ازداد غضب الكونجرس عقب الضربات العسكرية الأمريكية على سوريا، ومع تأكيد جو بايدن انفتاح البيت الأبيض على فكرة إلغاء تفويضات الحرب الرئاسية، باتت الفرصة سانحة للإصلاح، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة مع إيران من جانب، وتشكيك المشرعين في الكونجرس في المبرر القانوني الذي ساقته إدارة الرئيس بايدن لشن الهجمات على سوريا من جانب آخر.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8/