ضبابية واشنطن:

هل فشلت إدارة بايدن في تبني سياسة خارجية فاعلة؟
ضبابية واشنطن:
14 يوليو، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن انتقادات مختلفة على صعيد السياسة الخارجية، وهو ما برز بوضوح مع الانسحاب من أفغانستان ثم التعامل مع التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا وصولاً إلى تذبذب السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط. وفي ضوء هذا، نشر موقع “فورين بوليسي”، في 12 يوليو 2022، مقالاً للكاتب “ستيفن والت”، وهو كاتب عمود في “فورين بوليسي”، وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة “هارفارد”، بعنوان “بايدن يحتاج إلى مهندسين معماريين، لا إلى ميكانيكيين، لإصلاح السياسة الخارجية للولايات المتحدة”. ويمكن استعراض أبرز ما جاء في المقال على النحو الآتي:

1– عدم امتلاك إدارة بايدن استراتيجية خارجية واضحة: بحسبالمقال، فإنه مع بدء الرئيس الأمريكي “جو بايدن” جولته إلى الشرق الأوسط، فإن الجولة تلقي الضوء مجدداً على مدى وفائه بالوعود التي قطعها عند انتخابه، بأن إدارته ستسعى إلى توحيد العالم الديمقراطي، توازياً مع التركيز على قضايا المنافسة مع الصين، وبأن تكون لقضايا المناخ الأولوية، وكذلك العمل على إنهاء “الحروب إلى الأبد”، وتحقيق التسوية النووية المنشودة مع إيران، وعلى أن تكون قضايا حقوق الإنسان “في قلب السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية.

ولكن رغم تنفيذ “بايدن” بعض وعوده في وقت مبكر؛ إذ أنهى مثلاً الحرب في أفغانستان، ونجح في استعادة ثقة الحلفاء الأوروبيين التي توترت خلال إدارة “ترامب”، واستغل الحرب في أوكرانيا لتقوية التحالف عبر الأطلسي، مع عودة واشنطن إلى “اتفاقية باريس”، لكن بوجه عام، يرى “ستيفن والت” أن الدلائل قليلة على أن لدى إدارته استراتيجية خارجية واضحة وناجحة خلال فترة العام ونصف العام الماضية.

2– مسؤولية سياسات واشنطن عن اندلاع الحرب الأوكرانية: وفق المقال، فإنه بالرغم من نجاح إدارة “بايدن” في تنسيق الرد على التدخل الروسي في أوكرانيا مع الحلفاء الأوروبيين عبر “حلف الناتو”، بدءاً من الاستخدام الفعَّال للمعلومات الاستخباراتية في الفترة التي سبقت الحرب، لكن مع ذلك من الصعب – بحسب “والت” – عدم النظر إلى التدخل الروسي باعتباره حرباً وقائية كلاسيكية، وغزواً غير قانوني جرى لعرقلة الجهود الأمريكية المتسارعة لتسليح أوكرانيا وإدخالها في الفلك الغربي.

ومع عدم الاعتداد بمخاوف “بوتين” وتحذيراته، فإن رفض الإدارة المتكرر حتى التفكير في إنهاء “سياسة الباب المفتوح” لحلف “الناتو”، كانت من أسباب اندلاع الحرب، وبعد إقناع أوكرانيا بالتخلي عن الأسلحة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي السابق في التسعينيات، ومن ثم إزالة رادع قوي للهجوم الروسي في المستقبل، فإن فشل الغرب في الاعتراف بالمخاوف الروسية أو توقع كيفية رد موسكو؛ مثَّل استراتيجية استثنائية لسوء التقدير، بحسب “والت”.

3– عدم تحقيق انتصار غربي حاسم ضد موسكو في أوكرانيا: لفت المقال إلى أنه رغم المقاومة الأوكرانية البطولية ومليارات الدولارات من المساعدات العسكرية الغربية، فإن ذلك لم يمنع روسيا من الاستيلاء على جزء كبير من الأراضي الأوكرانية. حتى إن كانت العقوبات ستُضعف روسيا بمرور الوقت، لكن من غير المُحتمَل أن تؤدي تلك العقوبات إلى إزاحة بوتين عن الحكم أو إقناعه بالانسحاب من أوكرانيا. فلن تكون النتيجة انتصاراً غربياً حاسماً، بل ستكون حالة من الجمود طويلة الأمد. والتكلفة التي ستتكبَّدها أوكرانيا ستكون كبيرة؛ ما يصعب معه اعتبار النهج الأمريكي في أوكرانيا نجاحاً كبيراً في السياسة الخارجية، حتى لو انتهى الأمر بروسيا في وضع أسوأ بكثير.

4– صعوبة اعتماد واشنطن على التحالف عبر الأطلسي: بجانب ما سبق، فإن هناك حدوداً لاعتماد واشنطن على تحالفها مع شركائها الأوروبيين عبر “حلف الناتو”؛ فرغم القدرات الكامنة التي تملكها الديمقراطيات الثرية في أوروبا للدفاع عن نفسها، فإن مسؤولية الدفاع الكبرى لا تزال ملقاة على كاهل واشنطن. وحتى مع المفهوم الاستراتيجي الجديد اللامع للحلف، لا يمتلك أعضاؤه الأوروبيون القدرات اللازمة لمطابقة خطابهم مع هذا المفهوم. ومع إرسال واشنطن المزيد من القوات والأموال والأسلحة إلى القارة، فإن الشكوك تستمر في وفاء الحلفاء الأوروبيين بتنفيذ تعهداتهم وإعادة بناء قواتهم، بحسب الرؤية التي يعرضها “والت”.

5– محدودية السياسات الأمريكية في مواجهة الصين بآسيا: يشير “والت” إلى أن السياسة الأمريكية تجاه آسيا ليست بأفضل حال؛ فرغم تعهد “بايدن” بالتركيز على المنافسة مع الصين عند توليه المنصب، فإنه لا يُلحَظ وجود استراتيجية واضحة ومتماسكة تجاه آسيا ذات مضمون حقيقي؛ فلا يزال الحوار الأمني الرباعي (الذي يجري تداوله بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند) منتدى للتشاور فقط وليس تحالفاً حقيقياً، ولن تؤثر صفقة AUKUS التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة على توازن القوة البحرية في آسيا لمدة عقد أو أكثر.

هذا وفي الوقت الذي تواصل فيه الصين تقوية بصمتها الاقتصادية في المنطقة، فإن الولايات المتحدة تكتفي بمبادرات محدودة، مثل الإطار الاقتصادي الحديث لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، ومساعي سد فجوات الوجود الصيني في أماكن مثل جزر سليمان. ونظراً إلى أن تعهدات الولايات المتحدة ليست جزءاً لا يتجزأ من اتفاقيات التجارة الرسمية التي وافق عليها الكونجرس، فإن الشركاء الآسيويين قلقون من أن رئيساً جديداً قد يُغيِّر مساره؛ وذلك ما قد يدفع الحلفاء الآسيويين إلى استنتاج أن الولايات المتحدة ببساطة لا تستطيع توفير الوصول إلى السوق أو فرص الاستثمار التي يمكن أن تقدمها الصين.

6– تبني بايدن نهجاً قريباً من نهج ترامب إزاء الشرق الأوسط: فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فقد تعهد “بايدن” عند توليه منصبه باستعادة الاتفاق النووي مع إيران واتخاذ موقف صارم تجاه القادة المستبدين في المنطقة، وتحدَّث هو ووزير خارجيته “أنتوني بلينكن” كثيراً عن حقوق الإنسان والحاجة إلى إعادة بناء “النظام القائم على القواعد”، لكن من الناحية الواقعية، يشير “والت” إلى أن تعامل “بايدن” و”بلينكن” مع قضايا المنطقة لم يختلف كثيراً عن نهج “ترامب”، مع تردد الإدارة الأمريكية في العودة إلى الاتفاق النووي حتى عندما كان الرئيس الإيراني السابق “حسن روحاني” لا يزال في منصبه، حتى تلاشت احتمالات التوصل إلى اتفاق جديد تقريباً؛ ما جعل إيران أقرب بكثير إلى قنبلة من أي وقت مضى.

7– مُطالَبة بعض دول المنطقة بالتزامات أمنية أمريكية جديدة: وفق المقال، فإنه في حين تواصل الولايات المتحدة دعمها الضمني للحرب السعودية في اليمن، وتستمر ردود الفعل الأمريكية الفاترة تجاه جهود إسرائيل الدؤوبة لمصادرة المزيد من أراضي الضفة الغربية، والأخطر أنه مع قرار “بايدن” زيارة إسرائيل والسعودية هذا الأسبوع؛ فقد يدفع ذلك مُضِيفيه إلى الضغط عليه لأجل التزامات أمنية جديدة يمكن أن تجر الولايات المتحدة بسهولة إلى الصراع الإقليمي التالي، خصوصاً مع إيران المسلحة نووياً؛ الأمر الذي قد يجبر الإدارة إما على شن حرب وقائية، أو قبول حقيقة وجود إيران مسلحة نووياً.

8– تراجع واشنطن عن تعهداتها الديمقراطية مع الانقسام الداخلي: فيما شدد فريق “بايدن” مراراً على أهمية إرساء القيم الديمقراطية للولايات المتحدة وتوحيد “العالم الحر” ضد الاستبداد، لم يَسْعَ إلى وضع تلك الأهداف موضع التنفيذ على نحو جاد، رغم المساعدة غير المقصودة التي تلقَّاها من أشخاص مثل “بوتين” والرئيس الصيني “شي جين بينج”، فيما كانت القمة من أجل الديمقراطية، التي عقدتها الإدارة عبر الإنترنت، قاصرة في تحقيق إنجازات ذات مغزى، وتم تقويض أهداف القمة الأخيرة للأمريكتَين مع رفض قادة المكسيك وهندوراس وجواتيمالا والسلفادور الحضور، بل إن بعض القادة الذين حضروا استغلوا الفرصة لانتقاد دور الولايات المتحدة في المنطقة. والأهم أنه في الوقت الذي تتوقع فيه الولايات المتحدة أن تتبنى الدول الأخرى “القيم الديمقراطية”، فإن أمريكا نفسها منقسمة بشدة، بل تتجه نحو حكم الأقلية الدائمة، بحسب وجهة نظر “والت”.

9– مواجهة فريق عمل الإدارة الأمريكية مشكلة التفكير الجماعي: يعزو “والت” عدم النجاح الكافي للإدارة الأمريكية في وضع استراتيجية خارجية فاعلة، إلى مشكلة التفكير الجماعي لعناصر تلك الإدارة؛ ذلك أن “بايدن” جمَّع عن عمد فريقاً من الذين يرون العالم بالطريقة ذاتها، ويشعرون بارتياح كبير للاستعارات التقليدية التي شكَّلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة لعقود، غير أن العبارات الشائعة مثل “القيادة العالمية” و”القيم المشتركة” و”النظام القائم على القواعد” و”العالم الحر” ليست بديلاً عن وضع منطق استراتيجي يقوم على مجموعة من المبادئ التي تُشكِّل النهج تجاه الشؤون الدولية المختلفة، مع وضع الخطوات السياسية المُصمَّمة لجعل البلاد أكثر أمناً أو ازدهاراً.

وختاماً.. بحسب “والت”، فإن “بايدن” وفريقه يُشكِّلون مجموعة من الميكانيكيين المهرة، بمعنى أنهم يعرفون كيفية تشغيل آلية السياسة الخارجية، لكن المؤسسات المحلية والدولية التي تم تدريبهم على تشغيلها لم تعد مناسبة لغرضهم، في حين أن ما يحتاجه “بايدن” ليس ميكانيكياً بل مهندسين معماريين: أشخاصاً لديهم خيال ورؤية لإنشاء ترتيبات ومقاربات جديدة تتناسب على نحو أفضل مع تحديات اليوم.

المصدر:

Stephen M. Walt, Biden Needs Architects, Not Mechanics, to Fix U.S. Foreign Policy, Foreign Policy, July 12, 2022, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2022/07/12/biden–foreign–policy–outdated–groupthink/


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b6%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d8%b4%d9%86%d8%b7%d9%86/