طمأنة الحلفاء:

إدارة القيادة المركزية الأمريكية للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط
طمأنة الحلفاء:
6 أكتوبر، 2021

دأبت القيادة المركزية الأمريكية على مدار الأشهر القليلة الماضية، ولا سيما في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، على تكثيف تحركاتها ومناوراتها العسكرية مع عدد من الدول البارزة في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها إسرائيل ومصر والسعودية. كما استحدثت فرقة عسكرية متطورة تدمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها من بين أمور أخرى بهدف ردع إيران، وذلك لتهدئة مخاوف حلفائها في المنطقة من انسحاب أمريكي محتمل من المنطقة، أو تخلِّي واشنطن عن التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها التقليديين بالشرق الأوسط.

في ضوء ذلك، تتضح أبرز ملامح تحركات القيادة المركزية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية من خلال ما يلي:

1- تطمينات بشأن سحب القوات القتالية من العراق: أعلن الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، بعد لقائه رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي”، بالبيت الأبيض، في 26 يوليو 2021، عن سحب القوات القتالية الأمريكية من العراق بنهاية العام الجاري. ويأتي ذلك الأمر في سياق مسعى البيت الأبيض لتقليل الوجود العسكري في الشرق الأوسط. وقد قُوبل الإعلان الأمريكي عن الانسحاب من العراق بمعارضة من جانب الأكراد وبعض القوى المتخوفة من خطر إحياء تنظيم “داعش” والتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية العراقية.

وفي هذا الإطار، دأبت القيادة المركزية الأمريكية مؤخراً على تأكيد أن انسحاب قواتها من العراق لن يؤثر على العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد. وبرزت تلك التأكيدات بشكل جلي خلال زيارة وفد عسكري أمريكي للعراق، مطلع سبتمبر 2021، برئاسة قائد القيادة المركزية الجنرال “كينيث ماكنزي”، حيث أكد الوفد الأمريكي على أهمية تكاتف الجهود الدولية ضد خطر الإرهاب والفكر التكفيري المتطرف اللذين يهددان منطقة الشرق الأوسط من ناحية، وتحول مهمة التحالف الدولي إلى المشورة والتدريب والتعاون الاستخباري من ناحية ثانية.

2- تطوير التعاون العسكري مع دول الشرق الأوسط: شاركت القيادة المركزية الأمريكية في مناورات “النجم الساطع 2021″، التي أُجريت في قاعدة “محمد نجيب” بصحراء مصر الغربية بمشاركة 21 دولة بنطاق المنطقة الشمالية العسكرية، خلال الفترة 2-17 سبتمبر 2021، واستهدفت واشنطن من وراء ذلك تعزيز تعاونها العسكري مع دول الشرق الأوسط. يُذكر أن أول مناورة من سلسلة “النجم الساطع” قد أُجريت في عام 1980، وتُعد مناورات العام الحالي هي النسخة السابعة عشرة لها، وهي واحدة من أكبر وأهم التدريبات العسكرية على المستوى العالمي بالنظر إلى حجم القوات المشاركة. كما أجرى الأسطول الخامس الأمريكي وسلاح البحرية الإسرائيلي مناورات مشتركة في البحر الأحمر في سبتمبر 2021، وخلالها تم التدريب على عدد من السيناريوهات مثل الدفاع والإنقاذ، وذلك من خلال عمل مشترك وعملياتي بين الأسطولين.

3- تشكيل وحدات عسكرية جديدة في الخليج العربي: أعلنت القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية، في 9 سبتمبر 2021، أن الأسطول الخامس التابع لها شكل “قوة المهام الـ59” في الخليج بقيادة خبير الروبوتات “مايكل براسور”، بهدف دمج الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في نطاق عملياته. وتتزايد أهمية هذه القوة لكونها هي الأولى من نوعها في البحرية الأمريكية، إذ تستخدم الطائرات بدون طيار وغيرها من الوسائل التي لا تحتاج إلى تدخل العنصر البشري.

وعلى خلفية الإعلان عن القوة العسكرية الأمريكية البحرية المسيرة في الخليج العربي، أكد الناطق باسم الأسطول الخامس “تيم هوكينز”، على أنها قوة عمل مكرسة لدمج سريع للأنظمة غير المأهولة المسيرة عن بعد والذكاء الاصطناعي مع العمليات البحرية في منطقة الأسطول. وتشير الأنظمة غير المأهولة إلى أنظمة يمكن استخدامها تحت الماء وعليه وفوقه، في إشارة إلى طائرات مسيرة ووسائل أخرى يمكن التحكم بها عن بعد. وتستهدف الولايات المتحدة من وراء ذلك إحكام رقابتها على الأنشطة وأنماط الحياة البحرية والساحلية، وهو أمر تتزايد أهميته بفعل اتجاه القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني إلى تمويه أصولها كي تبدو مدنية لتغطية عملياتها.

4- تعزيز الاعتماد الأمريكي على الطائرات بدون طيار: تراهن إدارة “بايدن” على الطائرات بدون طيار “الدرونز”، في أعقاب الانسحاب من أفغانستان من ناحية، والاضطلاع بخطط مكافحة الإرهاب في الأراضي الأفغانية من ناحية ثانية. وفي هذا السياق، فوض “بايدن” كبار قادته العسكريين في تنفيذ عدة ضربات على أهداف تابعة لتنظيم “داعش” رداً على تفجير انتحاري وقع مؤخراً بالقرب من مطار كابول، مما أسفر عن مقتل 13 من أفراد الخدمة الأمريكية وعشرات الأفغان، وبذلك روج “بايدن” لضربات “الدرونز” في أول عمل عسكري أمريكي ضد الإرهاب في أفغانستان.

وعلى صعيد آخر، أجرت القيادة المركزية بالجيش الأمريكي تدريبات عسكرية مع القوات السعودية على منظومة مضادة للدرونز. وقد أُجريت التدريبات على منظومة المارينز للدفاع الجوي المتكاملة (MADIS) من قبل قوة المهام الجوية-الأرضية لقوات مشاة البحرية للأغراض الخاصة والاستجابة للأزمات، وبينت القيادة المركزية أن إحدى وظائف هذه المنظومة تتمثل في مكافحة الطائرات بدون طيار صغيرة الحجم.

5- التعاون مع الحلفاء لمواجهة التهديدات الإيرانية: كثفت الولايات المتحدة -بالتعاون مع إسرائيل- من مساعيهما لتحجيم التهديدات الإيرانية في المنطقة، لا سيما التي تُستخدم فيها الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز. ومؤخراً، أجرت إدارتا “بايدن”، ورئيس الوزراء الإسرائيلي “نفتالي بينيت”، محادثات حول مكافحة “الدرونز” الإيرانية وصواريخ كروز عبر وكلائها في العراق واليمن وسوريا ولبنان. ويأتي هذا الأمر على خلفية تزايد القلق الأمريكي-الإسرائيلي مع شن مليشيات موالية لإيران هجمات باستخدام “الدرونز” في الأسابيع القليلة الماضية، حتى وإن أحبط بعضها. إذ يخشى الطرفان من انتقال هذه التكنولوجيا إلى فاعلين آخرين على نحو قد يفضي إلى استهداف القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

وفي سياق آخر، تهدف القوة العسكرية الأمريكية البحرية المسيرة في الخليج العربي إلى ردع إيران، لا سيما في ضوء تطورات متلاحقة، منها اختطاف ناقلة الأسفلت والبيتومين (أسفلت برنسيس) في خليج عُمان في شهر أغسطس الماضي، والهجوم بطائرة مسيرة على ناقلة نفطية ذات صلة بإسرائيل في 29 يوليو الماضي. وقد تكررت تحذيرات الأسطول الخامس الأمريكي من تحرش بعض القطع البحرية الإيرانية بسفن حربية أمريكية في الخليج العربي وعلى مسافات قريبة منها للغاية. فبالنظر إلى موقع إيران الجغرافي وقدراتها الصاروخية، فإن تحولها إلى قوة إقليمية في مجال “الدرونز” يُشكل تحدياً أمام الولايات المتحدة ومصالحها الحيوية في المنطقة. وقد تكرر التأكيد على هذا المعنى من قبل “ماكنزي” في مناسبات عدة، وبخاصة مع نظر النظام الإيراني إلى القوات البحرية التابعة للحرس الثوري كرأس حربة في مواجهته مع الغرب من جهة، وتكرار تهديده بعرقلة حرية الملاحة عبر مضيق هرمز من جهة أخرى.

6- وضع إسرائيل تحت مسؤولية القيادة المركزية: تسلمت القيادة المركزية الأمريكية رسمياً المسؤولية عن علاقة الجيش الأمريكي مع إسرائيل، في أوائل شهر سبتمبر 2021، خلفاً للقيادة الأوروبية للجيش الأمريكي، أي بعد حوالي ثمانية أشهر من الإعلان عن تلك الخطوة. ومن شأن “إعادة التنظيم” التي أعلنت عنها وزارة الدفاع الأمريكية، في شهر يناير 2021، أن تعزز العلاقة الدفاعية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتوفر فرصاً لتعميق التعاون العملياتي بين الجيش الإسرائيلي مع عدد من شركاء القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة. ففي رؤية الأخيرة، ظلت إسرائيل في إطار مسؤولية قيادة القوات الأوروبية للجيش الأمريكي بهدف منع التوترات المحتملة بين القيادة المركزية والدول العربية والإسلامية.

بيد أنه في السنوات الأخيرة، طور حلفاء القيادة المركزية الأمريكية بشكل متزايد علاقاتهم مع إسرائيل في أطر غير رسمية. وعليه، تلاشت هذه القضايا إلى حد كبير. وعموماً، من المتوقع أن يؤدي تضمين إسرائيل في القيادة المركزية الأمريكية إلى تحسين الاتصالات المباشرة بين الجيش الإسرائيلي والقوات الأمريكية في المنطقة دون أن يسفر هذا بالضرورة عن تغييرات في تمركز القوات الأمريكية في الشرق الأوسط أو القارة الأوروبية.

7- الانسحاب المُحتمل للقوات الأمريكية من سوريا: يشير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وكذلك إنشاء تحالف “أوكوس” (Aukus) الأخير إلى أن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” يضع المنافسة بين القوى العظمى على رأس أولويات سياسته الخارجية، على نحو يؤجج الصراع الأمريكي-الصيني من ناحية، ويُنهي التورط في إرث الحرب الأبدية في أفغانستان وربما سوريا من ناحية ثانية. ويشير انسحاب “بايدن” من أفغانستان إلى تبني نهج مكافحة الإرهاب عن بعد، مثلما تفعل الولايات المتحدة في اليمن وباكستان ودول أخرى. وبتوسيع هذا النهج ليشمل سوريا، قد يرى “بايدن” عدم الحاجة إلى تواجد جنود أمريكيين على الأرض للحيلولة دون تجدد ظهور تنظيم “داعش”. وعلى الرغم من جهود البيت الأبيض لطمأنة الحلفاء، ولا سيما الأكراد في سوريا، بأنه لن يحدث انسحاب مماثل للانسحاب من أفغانستان، فإنه قد يكون من الصعب الوثوق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه سوريا، خاصةً مع غض الولايات المتحدة الطرف عن قتل العديد من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في هجمات تركية خلال الشهور الأخيرة.

وختاماً، تعكس تحركات القيادة المركزية الأمريكية مؤخراً في منطقة الشرق الأوسط السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة بعد التحولات الاستراتيجية التي طرأت عليها في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وما سيطرأ عليها من تحولات أخرى محتملة على الصعيدين السوري والعراقي أيضاً. كما أنها مرآة عاكسة لحجم المخاوف الأمريكية من النفوذ الإيراني وتعدد الوكلاء الإيرانيين والأسلحة المستخدمة من قبلهم من جهة، ووسيلة لطمأنة الحلفاء بأن الولايات المتحدة لن تنسحب من المنطقة، وأنها لا تزال على رأس أولويات الإدارة الأمريكية من جهة ثانية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b7%d9%85%d8%a3%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%a1/