عالمية النموذج:

كيف تمتد عوائد إكسبو من الإمارات إلى دول الشرق الأوسط؟
عالمية النموذج:
29 سبتمبر، 2021

بقدر ما يشكل معرض إكسبو 2020 أهمية اقتصادية –وكذلك سياسية– بالنسبة إلى الإمارات؛ فإنه ينطوي أيضاً على بعض العوائد الهامَّة على دول المنطقة؛ فتنظيم مثل هذا الحدث الضخم لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط يُحتمَل أن يعطي فرصة لدول المنطقة لإعادة صياغة صورتها على المستوى العالمي، ومحاولة تقديم صورة مغايرة عن التي سادت خلال السنوات الأخيرة؛ نتيجة للأزمات السياسية والصراعات التي شهدتها المنطقة. علاوة على ذلك، يوفر المعرض فرصة لدول المنطقة لتعزيز اقتصاداتها، والتعافي من آثار فيروس كورونا، خصوصاً مع التوقعات بحضور أعداد هائلة للمعرض، وهو ما يعني –بشكل أو بآخر– تنشيط قطاع السياحة؛ ليس في الإمارات فقط، بل في دول المنطقة أيضاً. ويستدعي تنظيم الإمارات معرضَ إكسبو 2020 منظوراً أشمل يأخذ في حسبانه تأثيرات هذا الحدث وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط؛ فبقدر ما يُشكِّل المعرض أهمية اقتصادية –وكذلك سياسية– بالنسبة إلى الإمارات، فإنه ينطوي أيضاً على بعض العوائد الهامة على دول المنطقة.

مكاسب متعددة

من هذا المنطلق، من المرجح أن يحقق معرض إكسبو 2022 عدداً من المكاسب الرئيسية لدول المنطقة. ويمكن استعراض تلك المكاسب من خلال ما يلي:

1– التأسيس لأهمية النموذج الملهم: يمكن أن يؤسس نجاح الإمارات في تنظيم إكسبو 2020 لنموذج ملهم لدول أخرى بالمنطقة بحيث تحاول أن تستنسخ التجربة الإماراتية، وخصوصاً مع تصاعد أهمية دبلوماسية الأحداث الضخمة Mega Events Diplomacy في التفاعلات العالمية؛ إذ تشير إلى مساعي الدول إلى تعزيز حضورها على الساحة العالمية عبر استضافة الأحداث الضخمة التي تعبر عن “مناسبات متنقلة ذات مدة محددة تجذب عدداً كبيراً من الزوار، ولها نطاق وصول كبير، وتأتي بتكاليف كبيرة، ولها تأثيرات كبيرة على الدولة المستضيفة ومواطنيها”. وفي سياق كهذا، لم تعد استضافة الأحداث الضخمة، على غرار معرض إكسبو، مجرد حدث اقتصادي، بل باتت أداة من أدوات بناء العلامة الوطنية للدولة، وكذلك الدبلوماسية العامة لها.

وفي هذا السياق، يعتقد كل من Kelly Vibber و Alessandro Lovariأن “الأحداث الضخمة تشكل فرصة جوهرية لتطوير وتعزيز العلامة التجارية والهوية التنافسية للأمة، فضلاً عن قوتها الناعمة. ويرجع ذلك جزئيّاً إلى المخرجات الرئيسية للأحداث الضخمة، مثل جاذبية الزائر ومدى الوصول، كما أن الزيادة في السياحة أثناء الحدث الضخم وبعد، لها آثار دبلوماسية واقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الرؤية العالمية المتزايدة الناجمة عن اهتمام وسائل الإعلام بالأحداث الكبرى، يمكن أن تضخم أيضاً الرسائل التي تريد دولة ما إرسالها”. وعليه، يمكن أن يؤدي “إكسبو 2020” إلى تزايد اهتمام دول المنطقة بمجالات السياسة الدنيا low politics المتمثلة في التجارة والسياحة والهجرة وغيرها من الأشكال التي يمكن بها صياغة صورة إيجابية للدولة خارجيّاً.

2– إعادة صياغة صورة المنطقة: حيث يؤدي تنظيم إكسبو 2020 لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط، إلى إعادة صياغة صورة المنطقة والاستعاضة –ولو جزئيّاً– عن الصور السلبية التي تم تكريسها للمنطقة خلال السنوات الأخيرة، كمنطقة تعاني من أزمات سياسية واقتصادية وإنسانية حادة. ومن ثم، يمكن أن يضطلع إكسبو 2020 بدور ما في تعافي دول المنطقة من معضلة الأمن Insecurity Branding، بما تنطوي عليه من انعكاسات كارثية على دول المنطقة وقدرتها على استغلال مواردها؛ فتصوير دولة ما على أنها مكان خطير منعدم الأمن والاستقرار وغير مهيأ من الناحية المؤسسية، سيؤدي إلى الإضرار بالمنظومة الاقتصادية في هذه الدولة، وقدرتها على جذب المستثمرين والسياحة، فضلاً عن التسويق لمنتجاتها.

3– عودة الأنشطة التنظيمية الكبرى: وهو أمر مهم على مستوى الداخل الإماراتي وعلى المستوى الإقليمي؛ فانعقاد المعرض يعني إخراج منطقة الشرق الأوسط –ولو جزئيّاً– من تداعيات فيروس كورونا، وفتح المجال لتفاعلات جديدة مكثفة بعيداً عن حالة الإغلاق والتباعد التي فرضها الفيروس، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتم فيها تنظيم المعرض بمنطقة الشرق الأوسط. كما أن المعرض سيشمل تبادل وجهات النظر بين القيادات والمؤسسات العالمية على نحو قد ينعكس إيجابيّاً على المنطقة. وعلى سبيل المثال، تشمل أنشطة غرفة دبي في إكسبو 2020 دبي، تنظيم واستضافة عدد من منتديات الأعمال العالمية، ومنها المنتدى العالمي الإفريقي للأعمال، والمنتدى العالمي للأعمال لدول آسيان، والمنتدى العالمي للأعمال لدول أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى استضافة المعرض الـ12 لغرف التجارة العالمية.

 وعلى المستوى الإماراتي، فإن النجاح في التنظيم يعد آلية هامة للتعافي من تداعيات فيروس كورونا الذي كان له انعكاسات سلبية على كافة اقتصاديات دول المنطقة، بما في ذلك الاقتصاد الإماراتي. ووفقاً للعديد من التقديرات، يتوقع أن يجذب المعرض أكثر من 25 مليون زائر خلال فترة انعقاده، وسيأتي 70% من الزوار من خارج الإمارات. علاوةً على ذلك، فإن استضافة الإمارات المعرضَ ستمنحها المزيد من النفوذ على المستوى الإقليمي بوصفها دافعة لاستعادة الأنشطة الكبرى في المنطقة.

4– دعم روح الابتكار والتقدم: إذ يفترض Vicente Gonzalez، في دراسته عن العلاقة بين المعارض الدولية والدبلوماسية العامة، أن “المعارض الدولية توفر منصات للابتكار والتطوير والتقدم الثقافي من خلال تبادل الأفكار بين الدول والمنظمات والجماهير المشاركة”. ومن الواضح أن هذه الفرضية حاضرة في إكسبو 2020 الذي يأتي تحت عنوان “تواصل العقول وصنع المستقبل”؛ فقد أطلق المعرض خلال السنوات الماضية برامج متنوعة تدعم المشروعات، بما في ذلك تلك الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، التي تقدم حلولاً مبتكرة لأكبر التحديات العالمية. ومن هذه البرامج برنامج الابتكار والشراكة الدولي “إكسبو لايف”، الذي تبلغ مخصصاته نحو 100 مليون دولار، ويضم برنامج منح الابتكار المؤثر، وبرنامج الابتكار الجامعي، ويهدف إلى دعم المشروعات التي تقدم حلولاً مبتكرة للتحديات الملحة؛ ما يساعد على تحسين حياة الناس أو حماية كوكب الأرض.

5– تعزيز الفرص الاقتصادية المتاحة: فمن المحتمل أن يكون لمعرض إكسبو 2020 انعكاسات اقتصادية هامة على المنطقة عبر مسارين رئيسيين؛ أحدهما توفير منصة لدول المنطقة لعرض الفرص الاقتصادية المتاحة لديها. ولعل هذا ما أكده “فينسنت جونزاليس لوسرتاليس” الأمين العام السابق للمكتب الدولي للمعارض، في حوار مع موقع البيان الاقتصادي سبتمبر 2019، حينما ذكر أنه “في ظل قرب دبي جغرافيّاً من إفريقيا وجنوب آسيا؛ سيشكل إكسبو 2020 فرصاً فريدة للاقتصادات الصاعدة على امتداد دول الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، بحيث يتيح لها استعراض دورها في العالم، ومن ثم العمل على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لها”.

بينما يتصل المسار الثاني بالأثر الممتد للعوائد الاقتصادية الإماراتية على دول المنطقة؛ إذ تشير التقديرات الصادرة عن شركة إي واي (إرنست آند يونغ) إلى احتمالية إسهام إكسبو 2020 في اقتصاد الإمارات بنحو 122.6 مليار درهم خلال الفترة من 2013 إلى 2031، ومن المتوقع أن يدعمه إكسبو 2020 دبي أيضاً بما يصل إلى 905 آلاف فرصة عمل خلال الفترة ذاتها. وتتركز نسبة كبيرة من هذه الفرص في قطاع السياحة والسفر والترفيه، كما سيسهم إكسبو 2020 في الناتج المحلي الإجمالي السنوي المتوقع للإمارات بما نسبته 1.5% خلال أشهر المعرض الستة.

وسيساعد إكسبو 2020 في تحقيق الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 من خلال زيادة السياحة وتطوير الأعمال المبتكرة، كما يركز إكسبو 2020 بوجه خاص على الشركات الصغيرة والمتوسطة كمفتاح للنمو المستقبلي وخلق فرص العمل في الإمارات. وحسب بعض التقارير الرسمية، فإنه بنهاية يوليو 2020، منح إكسبو ما يقرب من 5 مليارات درهم إماراتي للشركات الصغيرة والمتوسطة، كما تم تسجيل أكثر من 45000 منظمة من أكثر من 180 دولة للقيام بأعمال تجارية مع إكسبو 2020. وتمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو 54% من جميع الشركات المُسجَّلة في إكسبو 2020.

كما تؤكد الخطة الحضرية الرئيسية لدبي 2040 أن مدينة “دستركت 2020” (موقع إكسبو) ستصبح وجهة نمو رئيسية للنمو الاقتصادي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن حكومة دبي ستنشئ مدينة ذكية ومستدامة في مدينة “دستركت 2020″، وستعيد المدينة، بعد انتهاء المعرض، تخصيص 80% من بيئة إكسبو لبناء مجتمع متكامل متعدد الاستخدامات للاستمرار في جذب الشركات والأفراد للعمل والزيارة والمعيشة، علاوة على توفير نظام للأعمال قائم على الابتكار، يحتضن التكنولوجيا والابتكار الرقمي لدعم نمو الصناعة.

ترابط التأثير

لا يمكن إغفال أن هذه المعطيات تنعكس إيجابيّاً على دول المنطقة، في ظل الترابط الاقتصادي بينها. أضف إلى ذلك الطابع الخاص للإمارات الذي جعلها متداخلة مع اقتصادات العديد من دول المنطقة، سواء عبر الاستثمارات في هذه الدول، أو حتى عبر اجتذاب الأيدي العاملة المطلوبة للبرامج التنموية الإماراتية. وعلى سبيل المثال، تقدم دبي نموذجاً للمدن الكوزموبوليتانية التي تتضح فيها كثير من قوى ومشاهد العولمة التي حددها “أرجون أبادوري” بمشاهد ثقافية مهمة، كالوافدين بأصولهم القومية المتعددة، والتكنولوجيا، ورأس المال وحركته ومؤسساته، والأفكار والإعلام العالمي، ومشاهد الخدمات العالمية الحديثة.

وقد أنتجت هذه المشاهد تحولات كبيرة ثقافيّاً ومجتمعيّاً واقتصاديّاً، وحتى عمرانيّاً، داخل دبي وجعلتها نموذجاً مختلفاً في المنطقة الخليجية والعربية عامةً. ولن يتراجع هذا الطابع الخاص بدبي، ودولة الإمارات بوجه عام، في مرحلة ما بعد إكسبو 2020، وهو ما يعني تزايد الترابط بين الإمارات ودول المنطقة، وبالتبعية توفير نافذة فرص اقتصادية جديدة لدول المنطقة تساعدها –بشكل أو بآخر– على التعافي من تداعيات فيروس كورونا.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac/