عبء الإقراض:

كيف تتعامل الصين مع الدول المتعثرة في سداد الديون؟
عبء الإقراض:
2 أغسطس، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


على مدار العقد الماضي، أغدقت البنوك الصينية ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، على العديد من الدول القروض السخية، بعضها كان لدوافع سياسية، وأخرى لأهداف اقتصادية، في سبيل معاونة الصين في بناء الموانئ وخطط السكك الحديدية وشبكات الاتصالات في تلك البلدان لخدمة مبادرتها، حتى باتت أكبر مقرض ثنائي في العالم بالنسبة إلى البلدان الـ74 التي يصنفها البنك الدولي على أنها منخفضة الدخل.

غير أن الدول المقترضة قد واجهت من جراء ذلك معضلة حقيقية، وهي التعثر في سداد القروض ذات الآجال القصيرة والفائدة المرتفعة، في ظل عدم تحقيق المشروعات العائد المرجو منها. ومع ظهور أزمات الديون الصينية في مناطق متفرقة من العالم، أصبح هناك تراجع وعزوف صيني عن تقديم قروض جديدة، نظراً إلى عدم رضاء الصين عن فكرة قبول الخسارة، خاصةً في ظل الجهود الدولية الرامية إلى تخفيف أعباء الديون عن المتعثرين وممارسة الضغط على الصين كي تكون جزءاً من تلك المفاوضات.

تصاعد الجدل

خلال الفترة الأخيرة، أثير جدل واسع حول القروض الصينية ومدى جدواها وكيفية تعامل بكين معها، على خلفية بروز أزمات الديون الصينية واحدة تلو الأخرى في عدة بلدان في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفيما يأتي نستعرض بعض النماذج التي كانت سبباً في إثارة الجدل حول تلك القضية، وتوجيه الانتقادات إلى سياسة بكين في منح القروض وطرق تعاملها مع أزمات المتعثرين:

1- استئجار الصين ميناء هامبانتوتا بسريلانكا: على مدى العقد الماضي، كانت سريلانكا واحدة من عشرات الدول النامية التي تسعى بجهود حثيثة نحو زيادة اقتراضها من الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، غير أن عدداً كبيراً من المشاريع التي كانت القروض الصينية سبباً في إنشائها، فشلت في تحقيق عائد تجاري قادر على تغطية تلك القروض الضخمة؛ ما فاقم الضغوط المالية على الحكومة السريلانكية فتخلفت عن سداد ديونها السيادية في مايو 2022، لتكون بذلك أول دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تضطر إلى فعل ذلك منذ أكثر من عقدين.

 وعادةً ما تُضرَب سريلانكا مثالاً لفشل القروض الصينية في تحقيق أهداف تنموية حقيقية. ويدلل منتقدو الصين على ذلك بمشروع بناء ميناء كبير في هامبانتوتا بأموال صينية منذ سنوات، الذي وصلت تكلفته إلى مليار دولار، غير أنه واجه عقبات من أجل تحقيق الاستدامة المالية؛ ما ترك سريلانكا واقعة في شِباك ديون إضافية، واضطرت الحكومة السريلانكية إلى تأجير الميناء للصين لمدة 99 عاماً، والانتفاع به.

2- توسع الصين في قروض الإنقاذ لباكستان: تعد باكستان أكبر متلقٍّ منفرد لتمويل مبادرة الحزام والطريق في جميع أنحاء العالم بإجمالي 62 مليار دولار من التعهدات المالية الصينية؛ إذ تلقت إسلام أباد التي تصنف نفسها “صديقة” للصين، سلسلة من قروض الإنقاذ التي تهدف إلى تجنب التخلف عن سداد الديون السيادية. كان آخرها تسهيلاً بقيمة 2.3 مليار دولار تعهد بموجبه مجموعة من البنوك الصينية في شهر يونيو الماضي بتعزيز المعروض من العملة الصعبة في البلاد، بما يسمح لها بالدفع للدائنين لفترة أطول على الأقل.

لكن احتياطيات باكستان من النقد الأجنبي لا تزال على حافة الهاوية، بعد أن انخفضت إلى أقل من شهرين من تكلفة الواردات. وخلال شهر يوليو 2022، توصل صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع السلطات الباكستانية بهدف إقراض باكستان بحوالي 1.17 مليار دولار، وهي جزء من حزمة إغاثة، لتجنب أزمة ميزان المدفوعات في الدولة الباكستانية الواقعة في جنوب آسيا.

3- إعادة التفاوض بشأن ديون زامبيا: تمثل زامبيا أحد أكبر المتلقين للقروض الصينية، بديون تقدر بنحو 6 مليارات دولار من أصل 17 مليار دولار من إجمالي الديون الخارجية لزامبيا.وقد تخلفت الدولة عن سداد تلك الديون في عام 2020، رغم التقديم الصيني الحافل لزامبيا باعتبارها طرفاً مهماً في مبادرة الحزام والطريق في القارة الأفريقية، وإنشاء عدد كبير من المشاريع في إطار ذلك، منها تشييد سد ضخم للطاقة الكهرومائية، ومطارين دوليين، وخط سكة حديد يربط الدولة بتنزانيا، وملعبين رياضيين، ومستشفى.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن زامبيا لم تتمكن من سداد تلك القروض مع اقتراب أجل السداد، وهو ما اضطر الصين إلى إلغاء ديونها عدة مرات لتصل قيمة الديون الصينية الملغاة نحو 259 مليون دولار، خلال الفترة بين 2000-2018.  غير أن زامبيا تورطت مجدداً في الديون الصينية، حتى بلغ إجمالي القروض المستحقة للصين من زامبيا ما لا يقل عن 20% من إجمالي الناتج المحلي السنوي للدولة.

4- التعنت الصيني في إعادة هيكلة ديون جمهورية سورينام: واجهت جمهورية سورينام الواقعة في أمريكا الجنوبية، خطر الانكماش الاقتصادي خلال العام الجاري؛ ما دفعها للجوء إلى صندوق النقد الدولي بغية إنقاذها، وفي مقابل قرض بقيمة 690 مليون دولار، وافقت سورينام على الإصلاحات الاقتصادية وإعادة هيكلة الديون، غير أنه منذ الإعلان عن القرض لم يتم صرف أي أموال – لأن بنك التصدير والاستيراد الصيني (Exim Bank) لم يُعِد هيكلة ما يقرب من مليار دولار من الديون المستحقة له على سورينام. ولعل ذلك التأخير هو في الأساس جزء من أزمة ديون متفاقمة تؤثر على البلدان التي اقترضت من الصين مئات المليارات من الدولارات لتطوير بنيتها التحتية.

ورغم اتفاق دائني نادي باريس في شهر يونيو الماضي على إعادة جدولة ديون سورينام، كصفقة تعهد فيها المسؤولون الحكوميون في الدولة بالسعي لمعالجة أزمة الديون، فإنه خلال مفاوضات جرت خلال شهر يوليو المنصرم، رفض خمسة دائنين عرض إعادة الهيكلة الذي قدمته وزارة مالية جمهورية سورينام. وأشارت حكومة سورينام، في تصريحات لها يوم 25 يوليو 2022، إلى أن ثمة فجوة كبيرة بين ما يريد الدائنون سداده وما يمكن أن تتحمله الحكومة.

آليات التعامل

اختلفت آليات تعامل الصين مع الدول المتعثرة في سداد الديون حسب الحالة المتعثرة في السداد؛ إذ تفضل الصين التعامل مع كل حالة بصورة منفصلة، وبأسلوب قد يختلف جذرياً عن تعاملها مع حالات أخرى. وفيما يأتي نظرة مجملة على أشكال التعامل الصيني مع الدول التي تعجز عن سداد ديونها:

1- الدخول في مفاوضات دولية بشأن الديون: حاولت الصين مراراً وتكراراً عدم الدخول في مفاوضات دولية متعددة الأطراف تحت قيادة صندوق النقد الدولي ومجموعة نادي باريس للدول الدائنة، غير أنها بعد أشهر من الرفض وافقت على الجلوس مع فرنسا كرئيس مشارك للجنة الدائنين الرسمية، التي تمثل أحد المقرضين الثنائيين في زامبيا.

وفي هذا الإطار، لجأت زامبيا إلى صندوق النقد الدولي وطالبت بحضور الصين اجتماعات الصندوق والبنك الدولي في أبريل من العام الجاري، وهو ما وافقت الصين عليه، وهو الأمر الذي مكن زامبيا من الاقتراب من حزمة إنقاذ بقيمة 1.4 مليار دولار من جانب صندوق النقد الدولي. وفي الوقت الراهن، تتفاوض الصين وفرنسا مع دول دائنة أخرى بغية تقديم مساعدات لتشاد وإثيوبيا وسريلانكا وباكستان وغيرها من الدول المقترضة من أجل التخفيف من أعباء الديون.

2- مماطلة جهات صينية غير حكومية في دعم الدول المتعثرة: رغم تماشي الموقف الصيني بشأن ضرورة تخفيف عبء الديون بقدر معقول مع السياسات التي أقرتها مجموعة العشرين والتي تحتوي على وقف مدفوعات خدمة الديون للدول ذات الدخل المنخفض، والموافقة على إعادة هيكلة ديونها، كما يدعم بنك الشعب الصيني تدابير تخفيف أعباء الديون. بيد أن ثمة محاولات من قبل بنوك غير حكومية، كبنك التنمية الصيني، وبنك التصدير والاستيراد الصيني، الذي تدعي بكين أنه بنك تجاري لا يحسب من ضمن الدائنين الحكوميين، لعدم شطب ديون الدول المتعثرة، على اعتبار أن من شأن ذلك إلحاق الضرر بقوائمها المالية.

3- تأجيل خدمة الديون وإعادة هيكلتها: منذ تفشي كوفيد-19، منحت بكين أكثر من 12 مليار دولار بغرض تأجيل خدمة الديون وإعادة هيكلتها، وهو ما مثل أكبر مبلغ تم تقديمه في ذلك الوقت من بين دول مجموعة العشرين، خاصة أن الصين أكبر مقرض في تلك المجموعة. كما تم التوصل في إطار برنامج صندوق النقد الدولي إلى اتفاقيات لإعادة هيكلة الديون مع بعض الدول المتعثرة، كأنجولا وجمهورية الكونغو والإكوادور، علاوة على برنامج سورينام الذي استهدف إعادة الدائنين للتفاوض على شروط إعادة هيكلة ديونها.

4- مواصلة تبني سياسة التكتم على شروط الإقراض: في واقع الأمر، تفتقد الصين إلى الخبرة في التعامل مع مشاكل الديون النظامية، ولعل رفضها الانضمام إلى نادي باريس، ساعدها على تحقيق السرية والتكتم على شروط القروض والتغاضي عن الفساد الذي يلحق بها؛ إذ تحتوي معظم عقود الصين على بنود عدم إفشاء تمنع المقترضين من الكشف عن محتوياتها، كما أنها لا تنشر سجلات قروضها الخارجية. لكن برغم ذلك التكتم الصيني ورفضها الانضمام إلى نادي باريس، فإنه من خلال بيانات البنك الدولي المتاحة يمكن ملاحظة النمو السريع في القروض الصينية مقارنة بدائنين آخرين.

5- الحفاظ على ضمان السيولة لدى الدول المقترضة: بحسب برادلي باركس Bradley Parks المدير التنفيذي لــ”بيانات المساعدات” بكلية ويليام وماري” AidData at the College of William and Mary في الولايات المتحدة، فإنه بالرغم من ضخ الصين السيولة من خلال منح قروض للإنقاذ بهدف المساعدة في تجنب حالات التخلف عن السداد، فإن ضخ السيولة بين الفينة والأخرى لا يفعل الكثير لحل المشكلات المالية الأساسية، خاصة إذا لم يتم دراسة المشاريع على نحو دقيق والتأكد من مدى قدرتها على تغطية نفقاتها، وكذلك لانطواء الاستثمار في الدول التي تعاني بالفعل من أزمة اقتصادية على مخاطر اقتصادية عديدة.

نهج جديد

خلال منتدى التعاون الصيني الأفريقي الذي أقيم في شهر نوفمبر من العام الماضي، أكدت الصين اتباع نهج جديد وتحولها عن القروض، في تعهد من قِبلها بتقديم أربعين مليار دولار من المساعدات المالية لأفريقيا. ورغم كون تلك الحزمة أقل من الستين مليار دولار التي تم الإعلان عنها في جلسة التعهدات الأخيرة في 2018، لكنها لا تزال كبيرة، علاوة على احتوائها على عشرة مليارات دولار من خطوط الائتمان مع خلوها من أي قروض بدون فوائد أو منح، مع التركيز بدلاً من ذلك على الاستثمار المباشر وتمويل التجارة، وتوجيه الأموال من خلال صندوق النقد الدولي؛ وذلك على نقيض ما تعهدت به الصين في عام 2018، من تقديم عشرين مليار دولار كائتمان، وخمسة عشر مليار دولار من القروض بدون فوائد.

ولعل ذلك التحول في نهج الصين إزاء القروض يمكن إرجاعه إلى أكثر من عامل؛ في مقدمتها تعثر العديد من الدول المقترضة في سداد ديون الصين؛ ما خلق نوعاً من الاستياء الشعبي وكذلك الرفض من قبل البنوك التجارية الصينية لفكرة منح قروض للبلدان المتعثرة التي لا يوجد دلائل على قدرتها على السداد. كما أن تراجع احتياطيات الصين من العملات الأجنبية – التي بلغت ذروتها بنحو أربعة تريليونات دولار في عام 2014 – إلى ما يزيد قليلاً عن ثلاثة تريليونات دولار، يجعل العملة الصعبة التي تستخدمها المؤسسات المالية الصينية لإقراض دول الحزام والطريق نادرة نسبياً. وبالنظر إلى المشهد الجيوسياسي المتغير، خاصة بعد التدخل الروسي في أوكرانيا، فإن الصين تعمد بدرجة كبيرة إلى تقليص حجم مبادرة الحزام والطريق.

إجمالاً.. ربما تشهد سياسة الإقراض والديون الصينية تجاه الدول الفقيرة والنامية بعض التحولات، لا سيما أن موقف الصين قد تشدد في الفترة الأخيرة بخصوص منح القروض، خاصة مع تعثر حالات ونماذج مختلفة عن سداد ديونها؛ ما جعل الصين عرضة لتحمل الخسارة. ولا تزال بكين تأمل بعد تحقق التعافي للاقتصاد العالمي، أن تستعيد الدول المتعثرة قدرتها على سداد ديونها، وربما تعتمد بكين في ذلك الإطار أيضاً على تقديم صندوق النقد الدولي القروض للحكومات المتخلفة عن السداد. بيد أن ذلك قد يقابل بالرفض من قبل دائنين آخرين، ربما يمتنعون عن منح أي قروض قد تمكن الدولة المتعثرة من السداد للصين، كما فعلت إدارة ترامب خلال المناقشات حول قرض لباكستان في عام 2018، وهو ما من شأنه أن يزيد الصين تمسكاً بالتراجع عن تقديم المنح والقروض، والتركيز على الاستثمار بعيداً عن المجازفات.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d8%a8%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b6/