عدسات مُحطمة:

لماذا لا يفهم بعض المحللين الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؟
عدسات مُحطمة:
26 أغسطس، 2021

“إن هناك حقيقة ضائعة تحت ركام كل هذا الضجيج”.. ربما تلخص هذه العبارة الانفجار الأسطوري لمقالات الرأي والتفسيرات ومداخلات الخبراء والمحللين عبر القنوات والمنصات الإعلامية الأمريكية والعالمية عقب الانسحاب من أفغانستان. وعلى الرغم من التباينات الجمة فيما يتم طرحه، وتفاوت “القيمة المضافة” في التحليلات والتفسيرات المتداولة؛ يبدو أن إدراك الحقيقة ومتابعة الواقع قد أصبح مهمة شاقة جداً بسبب كم “التشويش” في وسائط الاتصال التي أصبح الكثير منها غير قابل للاعتماد عليه. يستتبع ذلك سؤالاً جوهرياً يتوقف عليه قدرة الكثيرين على فهم ما يحدث في الولايات المتحدة وخارجها، وهو: كيف يمكن استبعاد وفرز الحقيقة من التحليل والتوصل إلى إجابات حقيقية للأسئلة؟ بعيداً عن إعادة إنتاج المواد الإعلامية ومقالات الرأي والوقوع في فخ “التبعية التحليلية” المهيمنة على العديد من الأطروحات المنشورة.

“ثورة التفسيرات المضللة”

عقب هيمنة حركة طالبان على كابول، قال “ريتشارد أنجل” مراسل قناة “إم إس إن بي سي” الإخبارية الأمريكية في العاصمة الأفغانية: “استغربت بشدة مَن يكررون أن اجتياح العاصمة الأفغانية بسرعة كان صادماً ومفاجئاً. في الواقع لم يكن الأفغان متفاجئين حتى المسؤولون الأفغان في الحكومة. كان معروفاً للجميع منذ أشهر أن سقوط العاصمة هو مسألة وقت.. لا أعلم من أين أتت المفاجأة؟!”. تكشف هذه المقولة “العمى التحليلي” المهيمن على الجميع فيما يتعلق بهذه الدولة؛ حيث يمكن رصد ما لا يقل عن عشرات التفسيرات الخاطئة في هذا الملف:

1– حسابات الانتصار والهزيمة ضيقة الأفق: قد يبدو هذا المنطق مريحاً في وضع مباراة صفرية بين الولايات المتحدة وطالبان وحساب الانسحاب باعتباره انتصاراً لطالبان بالضربة القاضية، بيد أن الواقع قد يبدو أكثر تعقيداً، وربما تنحو بعض النقاشات في واشنطن إلى حساب هذا التحرك بالنقاط والنظر إلى التكلفة والعائد والحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى التي ترتبط بتحجيم الصين أو التحرك في مساحات أخرى مع الاحتفاظ بالقدرة على “الموازنة عن بعد”. “إن الإفلات من فخ الاستنزاف الأبدي والحفاظ على حياة الجنود في حد ذاته انتصار”. هذا ما أطلعنا عليه أحد المتابعين من واشنطن. قد يبدو الأمر أيضاً أكثر تعقيداً كذلك من مجرد “مكاسب الانسحاب”، لكن الحقيقة تقع في المنتصف، وبذلك يصبح منطق الانتصار والهزيمة –على امتداد طرفيه– مضللاً إلى حد بعيد.

2– البحث عن “الطرف المخطئ” في واشنطن: انبرى المحللون في واشنطن وخارجها بحثاً عن المخطئ و”كبش الفداء” للانسحاب الأمريكي؛ فتارةً يتم إلقاء اللوم على الرئيس جو بايدن، وآخرون يلومون الرئيس السابق؛ “ترامب” والرئيس الأسبق؛ “جورج بوش الابن”. وتمتد سلسلة اللوم هذه إلى الأسلاف الأوائل، ثم مباراة من نوع آخر بين الجمهوريين والديمقراطيين حول المتسبب في تهديد الأمن القومي. وفي كل الأحوال، كان الجيش الأمريكي ووكالات الأمن القومي الإجابةَ الحاضرة في “رحلة اللوم المتبادل” هذه. وتبدو الجدالات سياسية وحزبية إلى أقصى درجة، إلا أنها تتجاوز واقع نسبية الخطأ والصواب في لحظة التحول.. “ربما الجميع مخطئ، وربما لا يوجد خطأ من الأساس”.

3– مضاهاة “مشهد كابول” بـ”لحظة سايجون”: تُعد المقاربات التاريخية الأكثر جاذبية لدى المحللين والمتابعين على السواء؛ فهي توفر مرجعية واضحة يمكن من خلالها قراءة المشهد والاعتقاد بالقدرة على توقُّع ما سيحدث. ولذلك خصصت “واشنطن بوست” ملفاً مصوراً يتضمَّن عشرات الصور للانسحاب من كابول، وقارنت العديد من المنصات الإعلامية مشهد الطائرة المحلقة فوق مبنى السفارة الأمريكية في كابول بمشاهد الإجلاء الأمريكية من فيتنام.

قد يبدو هذا الاختزال التاريخي مفيداً، لكنه يسبب ضياع كم ضخم من الأحداث وسط العقود الفاصلة بين الحدثين. إن ما يحدث في أفغانستان مختلف، والتاريخ لا يكرر نفسه بذات الصورة، “إنك لا تنزل النهر الواحد مرتين؛ لأن مياهاً جديدة تجري من حولك”.. يُعلمنا هراقليطس أن النهر تغير، والإنسان في حد ذاته تغير، حتى الهواء من حوله لم يعد كما هو.

4– اختزال أفغانستان في “كابول” العاصمة: “لقد أتقنَّا التفرقة بين شوارع كابول من تتابع البث الذي لا ينقطع من العاصمة”.. ربما تعاملت “سي إن إن” بشكل مفرط مع العاصمة كابول باعتبارها تعبيراً مطلقاً عن أفغانستان على اتساعها الجغرافي، ثم في لحظة تالية تمت إعادة اختزال الدولة مجدداً لتتحول إلى “مطار كابول” فقط. ماذا عن أفغانستان خارج كابول؟ لماذا دخلت طالبان العواصم والأقاليم دون مقاومة؟ ما الذي يحدث خارج كابول؟ كلها أسئلة تم استبعادها عمداً، بحثاً عن الصورة السريعة والسبق الصحفي الذي يمكن بثه في ثوانٍ. تتعامل المنصات الإعلامية والصحفية مع أفغانستان بمنطق “كولونيالي” ونفعي من منظور “نطاق الكاميرا فقط” أو “المساحة الخضراء” التي توجد بها القوات الأجنبية، ثم سيتم التعمية على الدولة بالمطلق لتصبح بقعة فراغ في الخريطة.

5– المبالغة المفرطة في قراءة الحدث: تتجاوز التحليلات المتداولة العديد من الحقائق السابقة على “مشهد كابول” والانسحاب الأمريكي من أفغانستان؛ فهذه الدولة تُصنف منذ فترة ممتدة في مواقع الصدارة ضمن مقاييس الدول الهشة التي تفتقد القدرة على أداء وظائفها الأساسية. وعلى مدار سنوات طويلة، كانت الحكومة المتصدعة التي ينخُر الفساد في أعمدتها، مُحاصرة في العاصمة بينما سيطرت حركة طالبان على مساحات شاسعة من الدولة. إن الوجود العسكري الأمريكي ظل لسنوات لا يحقق نتائج حقيقية أو انتصاراً ميدانياً، وتسريبات “أوراق أفغانستان” الشهيرة تؤكد ذلك؛ حيث إن البقاء كان لاعتبارات انتخابية محضة بحيث ظلت “السياسة تسبق الميدان”.

6– افتراض الثبات وتجاهل احتمالات التغيير: إن التغيير مُقلق حقاً؛ لأنه يدفع إلى إعادة النظر فيما ظل الجميع يكتبه لسنوات. إن العالم قد تغير.. ليس فقط بسبب جائحة كورونا، ولكن بسبب ارتدادات عنيفة جعلت ظواهر مثل تغير المناخ والأمن البيئي مُقلقة بشدة لبعض مجتمعات العالم الأكثر عرضةً للتهديد. وبالمنطق نفسه، تغيرت الولايات المتحدة بصورة جوهرية، ولم تعد القراءات التقليدية أو التصنيفات المُبسطة صالحة. ويبدو أن السياسة الأمريكية داخل وخارج واشنطن تشهد تقلبات متتابعة تجعل التحليلات ونتائج استطلاعات الرأي والجدالات النخبوية غير ذات جدوى؛ لأنها تبدو بعيدةً عن أولويات ترتبط بـ”بسلالات كورونا” و”الاقتصاد” و”الوظائف” و”الطبقة الوسطى” و”الأمن داخل المدن” و”العدالة العرقية” و”حماية التنوع” و”التغير المناخي” وغيرها.

دورة المعالجات الاختزالية

بالعودة إلى الأسئلة البسيطة مجدداً، ما الذي يعوق فهم الأحداث والتطورات ويزيد عُمق دوامة التفسيرات المضللة والسابقة التجهيز في الإعلام العالمي؟ تتعدد الإجابات المتداولة في هذا الصدد لتتضمَّن العديد من النقاط:

1– إعادة إنتاج أطروحات “كُتّاب الأعمدة”: يبدأ بعض المحللون يومهم بمطالعة مقالات كُتاب الأعمدة الأشهر في الصحف الأمريكية والغربية بحثاً عن الأسئلة وإجاباتها، ثم “يعيدون اجترار ما قرؤوه دون قراءة ما يكتبونه هم أنفسهم”. ويبدو أن أعمدة الكتابة وقادة الرأي الأشهر في الولايات المتحدة والدول الغربية، قد أصبحوا موضع هجوم متصاعد من تيارات نقدية على امتداد اليمين واليسار، بوصف كتاباتهم شديدة التسييس بأنها تقف وراءها توجهات ذاتية وحزبية، وبعض الجهات وشركات العلاقات العامة؛ ما يجعل آراءهم –وفقاً لهذه الانتقادات– ضعيفة المصداقية والتأثير. ويمتد الأمر إلى شبكات البث التليفزيوني والصحف الأشهر في العالم؛ حيث صعدت منصات إخبارية بديلة بعضها ينتمي إلى اليمين الشعبوي الذي يروج “للأخبار الكاذبة”، وهو ما يعيدنا إلى دوامة البحث عن الحقيقة مرة أخرى.

2– “أمراض المكتب السوفييتي” في واشنطن: يرى بعض الشباب في الداخل الأمريكي أن الإعلام والتحليل السياسي ومراكز التفكير في واشنطن أصبحت مجالاً محجوزاً لحفنة من “كبار السن” و”المسؤولين المتقاعدين”؛ ما يجعل منظورات ثابتة ورؤى محددة قابلة للتوقع، تهيمن على التحليلات المتداولة، بحيث تهيمن “حوارات دائرية” بين هؤلاء “الخبراء” على العاصمة الأمريكية؛ ما يزيد الفجوة بين ما يحدث في الواقع وما يراه الجمهور في التحليلات المنشورة ووسائل الإعلام.

3– التحليل “من الخارج إلى الخارج”: تُبث بعض الرسائل التحليلية من خارج كافة دوائر الاشتباك مع الحدث؛ فالتحليل يتم “من خارج أفغانستان” إلى “خارج الولايات المتحدة” ثم يتم نشره باعتباره مفسراً لما يحدث ومستشرفاً لما سيحدث أيضاً. وعلى النقيض، يكشف التحدث للمطلعين من الداخل والمعايشين للحدث عن أبعاد غائبة وحقائق لا يتم تداولها أو التطرق إليها. إن مجرد الكتابة عن أفغانستان تتطلب –على الأقل– مطالعة للمصادر الأفغانية على اختلافها، والتحدث إلى الأفغان ذاتهم على اختلاف طوائفهم، ثم تجميع خيوط متناثرة حول ما يحدث حقاً بعد استبعاد التشويش العالي التردد من المنصات الإخبارية والإعلام الواسع الانتشار.

4– أنماط “العودة إلى الصف الدراسي”: يجد بعض المحللين والمتابعين الحل في العودة إلى مناهج السنة الأولى لأقسام العلوم السياسية بحيث تتم دراسة النظام السياسي الأمريكي مجدداً بشرح مؤسساته الرئيسية وصلاحيات كل منها، ثم تجميعها حسابياً واستخلاص إجابات عن أسئلة “من؟ قام بماذا؟ أين؟ ولماذا؟ وكيف؟”. هذه الطريقة مفيدة للغاية لمعرفة خريطة بدائية بسيطة لأغراض دراسية، إلا أنها لا تصلح لفهم عملية صنع القرار في الدوائر الأمريكية؛ فالتوازنات العابرة للمؤسسات والعلاقات الشخصية والتفاعلات البينية، تؤدي تأثيرات ضخمة في الدفع باتجاه أو آخر، كما توجد طوائف متعددة من “المؤثرين” غير المرئيين ممن لا يحملون صفات وظيفة رسمية ويؤدون مهام شديدة التأثير. إن هذا المنطق –بالإضافة إلى قراءة السياسة من منظورات واشنطن وحدها دون النظر إلى التركيبة المعقدة للولايات المتحدة والتباينات بينها– تزيد من معضلات الفهم أكثر مما تقدم حلولاً للأسئلة المحيرة.

5– الانجراف خلف “الصوابية السياسية”: لا يجرؤ بعض المحللين على تجاوز منطق “الإجماع العام” و”الاتجاه السائد” في تحليل بعض القضايا؛ لأنهم يخشون أن يُسجل الجميع نقاطاً ضدهم أو يتم انتقادهم بسبب الأفكار التي تخرج عن “الصواب” الذي يحدده جمهور المحللين. “إن الأمة لا تجمع على ضلالة” وفقاً لهذا الاتجاه. وعلى سبيل المثال، لم يجرؤ الكثيرون على توقع فوز الرئيس السابق؛ دونالد ترامب، بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، عام 2016، خوفاً من هذا “العقاب الصامت” أو الاتهام بتأييد اليمين الشعبوي والترويج له. يزيد هذا التوجه من مساحات الفراغ الفاصلة بين الحقيقة وما نقرأه بحيث تصبح التحليلات والتغطيات الإخبارية فاقدة للجدوى والمصداقية.

يتسع المجال لسرد العديد من النماذج التحليلية وأنماط التغطيات الإعلامية المضللة والخاطئة داخل واشنطن وخارجها، لكن الدرس المهم الذي يمكن استخلاصه هو قيمة “الصمت التكتيكي” و”فن الإنصات” للجميع في البداية، والانتظار والترقب قبل إصدار الأحكام القاطعة. إن إدراك الواقع يبدأ من المعايشة والاطلاع على رؤى من يعايشونه فعلاً لفهم المشهد من الداخل.. حينها سنتوصل إلى مفاجآت حقيقية حول ما يحدث فعلاً، والأطراف الأكثر تأثيراً في المعادلات رهن التشكُّل على الأرض.. حينها يمكن أن نبدأ في طرح الأسئلة والبحث عن الإجابات الأقرب إلى الواقع فعلاً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d8%af%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%8f%d8%ad%d8%b7%d9%85%d8%a9/