اضطرابات الإدارة:

تفاقم الأزمات الوظيفية داخل جهاز الخدمة السرية الأمريكي
اضطرابات الإدارة:
19 أكتوبر، 2021

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

ثمة العديد من المؤثرات التي تعوق عمل الموظفين بجهاز الخدمة السرية للولايات المتحدة، الذين يقومون بمهمتين أساسيتين؛ هما؛ حماية الرئيس الأمريكي وكبار المسؤولين الأمريكيين ضد أي تهديدات، وإجراء تحقيقات في حالة وقوع جرائم مالية تهدد الأعمال الاقتصادية الرئيسية للولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، صدر عن الأكاديمية الوطنية للإدارة العامة التابعة لجهاز الخدمة السرية للولايات المتحدة؛ تقرير بعنوان “البناء من أجل المستقبل: مشاركة الموظفين في الخدمة السرية للولايات المتحدة”، في سبتمبر 2021، تطرق إلى جملة من النقاط تؤثر سلباً على الرضا الوظيفي للعاملين في جهاز الخدمة السرية، كما قدم التقرير جملة من المقترحات لتحقيق الرضا الوظيفي داخل الجهاز.

محفزات عدم الرضا

حسب التقرير، فإن هناك جملة من الأسباب تزيد تفاقم ظاهرة عدم الرضا الوظيفي داخل جهاز الخدمة السرية بالولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن بيانها في عدد من النقاط على النحو التالي:

1– تزايد الأعباء الوظيفية على العاملين بالجهاز: أوضح التقرير أن العاملين بجهاز الخدمة السرية يقومون بمهمتين في غاية الأهمية للولايات المتحدة. ووفقاً للتقرير، تتمثل المهمة الأولى في حماية الرئيس الأمريكي وكبار المسؤولين الأمريكيين ضد أي تهديدات، فيما تتمثل المهمة الثانية في إجراء تحقيقات في حالة وقوع جرائم مالية تهدد الأعمال الاقتصادية الرئيسية للولايات المتحدة.

وحسب التقرير، فإن أهم عنصر في هذا الجهاز هو العنصر البشري؛ فعلى الرغم من التقنيات المتقدمة والتكتيكات الحقيقية المُجربة، فإن دافع الموظفين وطاقتهم وتصميمهم على النجاح في مهمتهم تُعد من أهم الجوانب المطلوبة لنجاح عمل الجهاز. وطبقاً للتقرير، ومن هذا المنطلق، فإن درجة الرضا الوظيفي لهؤلاء الأشخاص، فضلاً عن تعيين الأفراد الأنسب للقيام بالمهمة، واتخاذ الإجراءات لضمان الالتزام بإنجاز المهام المطلوبة؛ أمر حيوي لنجاح الجهاز في تحقيق مهامه المُعقَّدة.

وقد أشار التقرير إلى أن الخدمة السرية تشهد في الوقت الحالي الكثير من أوجه القصور التي تؤثر بالسلب على قدرة الموظف على القيام بعمله بفاعلية في ظل جو من التركيز والجاهزية. ونوه التقرير بأن الموارد المحدودة تفرض على الموظف بذل جهد إضافي للقيام بمهام عمله مقارنةً بأي وقت مضى. فعلى سبيل المثال، شهدت التهديدات الموجهة إلى الرئيس تطوراً في التقنيات المستخدمة؛ ما يضع مزيدًا من الأعباء الإضافية على أعضاء جهاز الخدمة السرية، كما أن الجرائم المالية باتت مرتبطة بالمجال السيبراني الذي يتيح قدرة أكبر على التخفي.

2– الشعور بالإرهاق والرتابة والاستنزاف: أكد التقرير أن مستويات التوظيف في جهاز الخدمة السرية لم تزد بالقدر المطلوب، وهو الأمر الذي يضع على عاتق الموظفين الاستمرار في العمل لساعات طويلة. وشدد التقرير على أن هذا الأمر يعني بدوره زيادة الشعور بالإرهاق والتعب والرتابة في أداء الوظيفة، مع التأثير على التوازن بين الحياة الأسرية والشخصية لهؤلاء الموظفين وبين الوظيفة.

وأضاف التقرير أن هذا الأمر يجعل الموظفين يقضون وقتًا أقل مع أفراد أسرتهم، ويجعلهم غير قادرين على تلبية الأمور الأخرى، ويقلص الوقت المتاح لتدريبهم. وحسب التقرير، فإن الموظفين في جهاز الخدمة السرية يعانون من الإحباط بسبب طبيعة العمل، كما أن البرامج المخصصة لتطوير قدرات العاملين بالخدمة السرية لا تؤتي ثمارها في ظل استنزافهم معنويًّا وشعورهم بالإرهاق.

3– محدودية الخبرات في أداء مهام الخدمة السرية: أوضح التقرير أن القسم النظامي بجهاز الخدمة السرية شهد تناقصًا في أعداد العاملين به بمتوسط بلغ 13% خلال السنوات الخمس الماضية. وأشار التقرير إلى أن 30% من العاملين في القسم النظامي، و16% من الوكلاء الخاصين، لديهم أقل من ثلاث سنوات في الوظيفة. وطبقاً للتقرير، فإن جزءاً كبيراً من موظفي إنفاذ القانون لديهم خبرة محدودة في هذا الإطار، ويعني ذلك انخفاض فاعلية أدائهم لعملهم.

4– عدم الرضا الكامل عن تحسين مناخ العمل: وفقاً للتقرير، حاول جهاز الخدمة السرية الالتزام بتحسين مناخ العمل وجعله أكثر تنظيماً لرفع درجة رضا الموظفين؛ حيث عمد إلى تسريع عملية التوظيف، وتطوير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات. ونوه التقرير بأن العمل في البيت الأبيض لحراسة الرئيس الأمريكي، باعتباره أقوى شخص في العالم، يعد أمراً رفيعاً.

وأكد التقرير أن هناك صورة مهيبة يحملها الجمهور في أذهانهم بشأن هؤلاء الحراس؛ حيث ينظر الأمريكيون إليهم باعتبارهم حازمين، ويرتدون ملابس مدنية وسماعات للأذن ونظارات شمسية ويتحدثون في أكمامهم، كما يتعين عليهم فحص حقائب أي زائر للبيت الأبيض. ووفقاً للتقرير، وعلى الرغم من ذلك، فإن ظروف عملهم جعلت العديد من الموظفين يعانون من الإرهاق نتيجة العمل لساعات طويلة، مع تكرار نمط العمل وعدم الحصول على القسط الكافي من الراحة.

5– غياب التعويض عن ساعات العمل الإضافية: حسب التقرير، فإن من المشاكل التي يعاني منها العاملون في الخدمة السرية، عدم تحديد وقت ثابت للعمل الإضافي، فضلاً عن عدم تعويض الموظفين بالأموال من جراء عملهم الإضافي في بعض الأحيان. ونوه التقرير بأنه وفقاً لتقرير مكتب المساءلة الحكومية المنشور العام الماضي، فقد خسر الموظفون الخاصون أكثر من مليون دولار نتيجة لعدم تعويضهم من جراء ساعات العمل الإضافية التي قاموا بها.

وأكد التقرير أنه وفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجرتها الوكالة، فإن معظم الموظفين تركوا العمل في الخدمة السرية بسبب عدم حصولهم على الأموال جزاء عملهم الإضافي، وهو الأمر الذي يثير مشكلة العمل غير المدفوع. وشدد التقرير على أن مستويات رضاء العاملين لن تتحسن إلا في حالة زيادة التمويل المخصص والموظفين في الجهاز.

وأوضح التقرير أن الجهاز يمتلك في الوقت الراهن 7856 موظفاً في 162 مكتباً داخل الولايات المتحدة وخارجها من الوكلاء الخاصين وضباط الأقسام النظامية والموظفين التقنيين المكلفين بإنفاذ القانون والمتخصصين الإداريين، الذين يضعون نصب أعينهم شعار “المهمة أولاً.. الناس دائماً” للقيام بمهمة صعبة تتمثل في حماية الرئيس الأمريكي ونائبه وغيرهما من كبار الشخصيات الأخرى. ووفقاً للتقرير، يجب أن يزداد عدد الموظفين إلى 9595 بحلول عام 2026 لكي يتمكن الجهاز من أداء عمله بفاعلية دون تقصير.

6– نقص المعدات الضرورية لإنجاز المهام: أرجع التقرير افتقار القدرة على إنجاز العمل بفاعلية في الخدمة السرية إلى عدم امتلاك المعدات الجيدة اللازمة للقيام بذلك. وأشار التقرير إلى أن هذه الأمور ترتب عليها وقوع العديد من الحوادث الفاضحة بالبيت الأبيض، ومن بينها –على سبيل المثال– تسلل رجل يحمل سكيناً من الباب الأمامي للبيت الأبيض في عام 2014. وحسب التقرير، فإنه في عام 2015، احتلت الخدمة السرية المرتبة الأخيرة بين وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية في ترتيب “أفضل أماكن العمل في الحكومة الفيدرالية”.

7– انخفاض معنويات الضباط بالقسم النظامي: طبقاً للتقرير، أظهرت دراسة جديدة أجرتها لجنة تابعة للأكاديمية الوطنية للإدارة العامة إلى أن هناك أزمة في إمكانية تحقيق الضباط في القسم النظامي التوازن بين حياتهم الشخصية وبين العمل. ونوه التقرير بأنه في ضوء هذا الأمر، تنخفض معنويات هؤلاء الضباط، كما تنخفض معدلات الرضا الوظيفي إلى مستوى يُنذر بالخطر.

مقترحات للمعالجة

قدم التقرير عدداً من التوصيات للنهوض بجهاز الخدمة السرية بما يرقى بتطلعات العاملين بالجهاز والقضاء على ظاهرة عدم الرضا الوظيفي المتزايدة، ويمكن استعراضها في النقاط التالية:

1– زيادة التمويل وتقليص المهام: حسب التقرير، فإن من المهم تعزيز التمويل بجانب خفض عدد الذين يدافع جهاز الخدمة السرية عنهم ويحميهم، حتى لو تعارض ذلك مع مبدأ الحماية الذي يمثل جوهر عمل الخدمة السرية. ووفقاً للتقرير، وعلى سبيل المثال، شكل تكليف الرئيس السابق “دونالد ترامب” جهاز الخدمة السرية بحماية أفراد الأسرة ومسؤولي البيت الأبيض في أول ستة شهور من حكمه، عبئاً غير مسبوق على العاملين بالخدمة.

2– التوازن بين العمل والحياة: حسب التقرير، فإن من المقترحات الأخرى خلق نوع من التوازن بين العمل والحياة لإتاحة الفرصة للموظفين لزيادة فرص التطور المهني واكتساب المهارات والخبرات اللازمة، وتعويض الموظفين عن ساعات العمل الإضافية مع إدارة العمل الإضافي بشكل أكثر حكمةً لتجنب ضغط الموظفين، فضلاً عن تطوير الجيل الثاني من موظفي الخدمة السرية، وتعزيز العمل الجماعي وخلق جو تعاوني ومنفتح وشامل باعتبار أنه يُمثل جوهر التغيير.

3– ضمان التطوير المستمر: أشار التقرير إلى أنه من متطلبات تطوير الجيل التالي من موظفي الخدمة السرية، أن “تضمن الخدمة السرية أن جميع موظفيها يمكن أن يتطوروا باحترافية، وأن تكون لديهم مسارات وظيفية ملموسة مفتوحة للتقدم في جميع أنحاء المنظمة؛ حيث يكتسبون الخبرة ويعملون لتجاوز توقعات الأداء”. ووفقاً للتقرير، يجب أيضًا تطوير الشعار الذي يعمل بموجبه الموظفون بالخدمة السرية من “المهمة أولاً.. الناس دائماً” للتركيز أيضاً على متطلباتهم التي تمكنهم من الشعور بالارتياح خلال أداء المهمة.

وختاماً، أكد التقرير أن جهاز الخدمة السرية الأمريكي يواجه مخاطر تتعلق بترك موظفيه عملهم نتيجة لوجود العديد من المشاكل المتنوعة، التي تتنوع بين الإرهاق والشعور بالرتابة من تكرار العمل وعدم حصولهم على التعويض المناسب من جراء ساعات العمل الإضافية التي لا تكون ثابتة. وشدد التقرير على أن هذا الواقع يوجب على جهاز الخدمة السرية العمل على معالجة أوجه القصور المختلفة، وتحسين معنويات العاملين بالجهاز وارتفاع مستوى رضاهم الوظيفي، على اعتبار أن ذلك سينعكس في النهاية على أدائهم مهام عملهم.

المصدر:

– Building for the Future: Employee Engagement in the United States Secret Service, National Academy of Public Administration, September 2021.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b6%d8%a7/