عرقلة التفاهمات:

لماذا تجدَّد التصعيد الإسرائيلي ضد البرنامج النووي الإيراني؟
عرقلة التفاهمات:
19 مايو، 2022

عادت التهديدات الإسرائيلية ضد إيران إلى الواجهة من جديد، بعد التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس، في جامعة ريخمان في 17 مايو الجاري، التي قال فيها إن إيران تعمل على تطوير 1000 جهاز طرد مركزي متقدم من طراز “IR6” في مواقع جديدة تحت الأرض يجري بناؤها بالقرب من منشأة نطنز النووية، في إشارة إلى أن إيران بدأت تتخذ مزيداً من الإجراءات الاحترازية تهدف إلى منع وقوع عمليات أمنية داخل المنشآت النووية، على غرار العمليات التي استهدفت منشأة نظنز مرتَين في عامَي 2020 و2021، وهو ما بدأت تؤكده تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إرباك طهران

يمكن تفسير أسباب تجدُّد التصعيد الإسرائيلي ضد البرنامج النووي الإيراني والمفاوضات التي تجري في فيينا بين إيران والقوى الدولية، في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها فيما يأتي:

1- تزايد احتمالات استئناف المفاوضات النووية من جديد: يبدو أن الاتصالات التي جرت بين إيران والقوى الدولية في الآونة الأخيرة، عقب الزيارة التي أجراها المنسق الأوروبي بشأن المفاوضات إنريكي مورا إلى طهران ولقائه رئيس وفد التفاوض علي باقري كني، في 10 مايو الجاري، ثم حديث مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي عن تجدد آمال استئناف المفاوضات؛ قد أثار مخاوف إسرائيل من أن الجهود التي بذلتها في الفترة الماضية من أجل عرقلة المفاوضات لن تُحقِّق نتائجها في النهاية، وأن احتمال استئناف المفاوضات ثم الوصول إلى اتفاق نووي جديد يتزايد مرة أخرى.

وكانت إسرائيل قد أشارت، في بداية مايو الجاري، إلى أن المعلومات التي قدَّمتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأكدت فيها أن إيران كانت تخطط لاستهداف جنرال أمريكي مع دبلوماسي إسرائيل وصحفي فرنسي؛ قد أقنعت الرئيس الأمريكي جو بايدن بالعزوف عن شطب الحرس الثوري من قائمة التنظيمات الإرهابية؛ حيث كانت تل أبيب تطمح إلى أن ذلك يمكن أن يكون كفيلاً بوقف المفاوضات وانهيارها في النهاية.

2- تلويح تل أبيب بالقدرة على اختراق الداخل الإيراني: ربما تعمَّد وزير الدفاع الإسرائيلي تسريب هذه المعلومات التي تشير إلى أن إيران تركب 1000 جهاز طرد مركزي في منشأة تحت الأرض تم بناؤها حديثاً، للإشارة إلى أن إسرائيل لا تزال لديها القدرة على اختراق الإجراءات الأمنية التي تفرضها إيران على منشآتها النووية؛ ففي 15 مارس الماضي، شكَّلت إيران كياناً جديداً لحماية المنشآت النووية تحت اسم “القيادة النووية للحرس الثوري”. وفي التوقيت نفسه، أعلن الحرس الثوري عن تفكيك خلية اتهمها بأنها كانت تخطط لاستهداف منشأة فوردو تحديداً. ويتوازى ذلك من دون شك، مع الكشف – في التوقيت نفسه – عن قيام وحدة من جهازَي الموساد والشاباك باختراق حدود إيران واقتحام منزل الضابط في الوحدة 860 بفيلق القدس منصور رسولي؛ حيث أدلى بمعلومات ثم توثيقها في شريط فيديو، كان منها أن إيران تخطط لاغتيال دبلوماسي إسرائيلي وقائد عسكري أمريكي وصحفي فرنسي.

وتسعى إسرائيل من خلال ذلك إلى ممارسة ضغوط أكبر على إيران وإقناعها بقدرتها على اختراق حدودها مجدداً، والتحايل على الإجراءات الأمنية التي تفرضها في منشآت النووية؛ وذلك لردع إيران عن مهاجمة مصالح إسرائيلية، ولمنعها من الاتجاه نحو رفع مستوى أنشطتها النووية، لا سيما في حالة فشل المفاوضات، لتصل إلى مرحلة “العتبة النووية” التي تعني امتلاكها القدرات التكنولوجية الكافية لصنع القنبلة النووية.

3- استغلال إطالة أمد الحرب الروسية في أوكرانيا: كان لافتاً أن إسرائيل، في سياق الحملة التي تشنها ضد إيران، والمفاوضات التي تُجرَى في فيينا حول الاتفاق النووي، سعت إلى استغلال إطالة الحرب الروسية في أوكرانيا، التي تجاوزت شهرها الثاني، واقتربت من الثالث. ووفقاً للرؤية الإسرائيلية، فإن اتجاه روسيا إلى استخدام الخيار العسكري لتسوية خلافاتها مع أوكرانيا والدول الغربية، كان بسبب عدم فرض عقوبات شديدة عليها قبل أن تبدأ هذا المسار. وهنا فإن الإسقاط يبدو واضحاً على حالة إيران؛ فطبقاً للمنطق الإسرائيلي، فإنه قبل الوصول إلى تسوية لأزمة الاتفاق النووي مع إيران، كان من الضروري فرض عقوبات أكثر قوةً من التي تتعرَّض لها إيران حاليّاً.

إذ إن المستوى الحالي من العقوبات لم يدفع إيران إلى وقف تطوير برنامجها النووي ووقف تمدُّدها في الإقليم، بل على العكس من ذلك اتجهت إيران إلى رفع مستوى الأنشطة النووية لدرجة وصلت إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، كما واصلت تقديم الدعم لحلفائها من الميليشيات المسلحة في المنطقة، التي يهدد بعضها إسرائيل، على غرار حزب الله اللبناني، والميليشيات الشيعية التي أسَّستها ودرَّبتها للانخراط في الصراع السوري بجانب القوات النظامية. وعلى ضوء ذلك، فإن إسرائيل ترى أن إجراء مفاوضات جديدة مع إيران، في الوقت الذي لم تفرض فيه العقوبات التي تتعرَّض لها تأثيرات قوية عليها، لن يُؤدِّي في النهاية إلى تسوية حاسمة لأزمة الاتفاق النووي، التي سوف تتجدَّد مرة أخرى في مرحلة لاحقة، لا سيما مع رفع القيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية، في حالة الوصول إلى صفقة جديدة، خلال الأعوام القادمة.

4- توسيع هامش الخيارات الإسرائيلية ضد طهران: تسعى إسرائيل عبر تلك التهديدات إلى تأكيد أنها غير معنية بما سوف تؤول إليه المفاوضات التي تُجرَى في فيينا في النهاية. فأيّاً كان السيناريو الذي سوف تنتهي إليه هذه المفاوضات، فإن إسرائيل سوف تتحرَّك للتعامل مع التهديدات التي يمكن أن يوجهها البرنامج النووي الإيراني لأمنها ومصالحها. وهنا، فإن تل أبيب تحرص على توجيه رسائل تحذير مباشرة إلى القوى الدولية بضرورة الوصول إلى صفقة تتضمَّن قيوداً أكثر قوةً على إيران لتقليص احتمالات نشوب حرب جديدة في المنطقة سوف تكون إسرائيل وإيران طرفَين فيها إذا لم تُعالَج الإشكاليات التكنولوجية التي يتضمَّنها الاتفاق النووي الحالي.

5- تحقيق إسرائيل مكاسب من الإدارة الأمريكية: ربما تحاول حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت ممارسة ضغوط أقوى على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، خاصةً مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم؛ حيث تسعى إلى الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية من الإدارة الأمريكية؛ من أجل تعزيز قدرة الأخيرة على تمرير أي صفقة مُحتمَلة مع إيران في فيينا.

وهنا كان لافتاً أن تصريحات جانتس جاءت عشية الزيارة التي يجريها إلى واشنطن؛ حيث يُتوقَّع أن يسعى من خلالها إلى الحصول على دعم أمريكي لبعض الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية على صعيد عمليات الاستيطان، خاصةً بعد الانتقادات التي وجهتها الإدارة الأمريكية في هذا السياق، بالتوازي مع مهاجمة عملية قتل المراسلة الفلسطينية شيرين أبو عاقلة التي تحمل الجنسية الأمريكية. وبمعنى آخر، فإن إسرائيل تريد استثمار التصعيد في الملف الإيراني للحصول على مكاسب في الملف الفلسطيني.

رد الخصم

من دون شك، تراقب إيران مجمل هذه التهديدات والتحرُّكات الإسرائيلية. وربما لم تعد تستبعد أن تنفِّذ إسرائيل عملاً عسكريّاً آخَر، سواء في سياق العمليات الأمنية التي نفَّذتها في الفترة الماضية داخل إيران، أو في إطار الضربات العسكرية التي تستهدف مواقعها في سوريا. ومن هنا لا يُستبعَد أن تُقدِم إيران بدورها على خطوة تصعيدية ضد إسرائيل لتحذير الأخيرة من أنها تملك القدرة على رفع كلفة هذه العمليات التي يُحتمَل أن تشنها بالتوازي مع احتمال استئناف المفاوضات النووية في فيينا.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d8%b1%d9%82%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%85%d8%a7%d8%aa/