عقبات محتمَلة:

هل تستطيع قوات فاجنر التصدي للتنظيمات الإرهابية في مالي؟
عقبات محتمَلة:
12 مايو، 2022

في 2 مايو 2022، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، في مقابلة مع شبكة “ميدياسيت” الإيطالية، إن مجموعة فاجنر موجودة في مالي وليبيا على أساس تجاري، فيما أعلن تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين في 15 أبريل الماضي عن أسر أحد عناصر فاجنر؛ الأمر الذي يُثير تساؤلات عن مدى قدرة فاجنر على دعم جهود الجيش المالي في مكافحة الإرهاب؛ حيث تواجه فاجنر اتهامات بارتكاب جرائم بحق المدنيين، ناهيك عن خبرتها المحدودة بالبيئة والتضاريس في مالي، واهتمامها بالسيطرة على الموارد والثروة، والتعرُّض للملاحقات والعقوبات الدولية، فضلاً عن خسائرها أمام تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين؛ لذلك يتوقع أن يستمر هذا التنظيم في التمدد وسط مالي، مع تخطيطه لشن هجمات تستهدف باماكو والمدن الرئيسية الأخرى.

انخراط فعال

في نهاية عام 2021، ومع تصاعد الخلافات بين السلطات الفرنسية والمالية، هبطت عناصر مرتزقة تابعة لفاجنر في مطار باماكو. وحسَب تقديرات المخابرات الفرنسية، بلغ عددهم نحو 800 عنصر في بداية فبراير، ثم ألف عنصر بحلول نهاية الشهر. وبمجرد وصولهم إلى باماكو، أرسلوا إلى مسارح العمليات برّاً وجوّاً. وكان هناك تدفق منتظم للقوات ذهاباً وإياباً بين معسكر كاساي في بانجي وبين مالي. وكان ألكسندر مالتسيف قائد المرتزقة المتمركز في بريا بجمهورية إفريقيا الوسطى، قد أُرسل إلى مالي للعمل مع إيفان ألكساندروفيتش ماسلوف على نشر القوات في الأراضي المالية. وفي بداية فبراير 2022، كان نحو 200 عنصر من فاجنر موجودين في قاعدة باماكو، و150 في سيكاسو، و150 آخرين في تمبكتو.

وقد أنشأت فاجنر مقرّاً لها بالقرب من مطار العاصمة الدولي في ديسمبر الماضي، وكشفت صحيفة “جارديان” صور الأقمار الصناعية وسجلات الرحلات الجوية، قبل الانتقال إلى قواعد العمليات الأمامية في وسط مالي خلال شهرَيْ يناير وفبراير 2022. وانخرط مقاتلو فاجنر في دوريات مشتركة مع القوات المسلحة المالية على طول الحدود المضطربة مع بوركينا فاسو والنيجر، وعلى الحدود الغربية مع موريتانيا، وفي بلدات شمال مالي، بما في ذلك تمبكتو. ويقود الطيارون الذين قدمتهم شركة فاجنر طائرات هليكوبتر تابعة للجيش المالي، كما قدمت المجموعة مقاتلين قادوا القوات المالية في عمليات أكبر بدأت في أواخر فبراير الفائت.

ويُشكِّل مقاتلو فاجنر وحدات مشتركة مع القوات المالية. وفي معظم الأحيان، يتألفون من نحو خمسين رجلاً من كل جانب. وبالنسبة إلى المُعدَّات، يمتلك أعضاء فاجنر أسلحتهم الخاصة، ووسائل اعتراض الاتصالات وطائرات المراقبة بدون طيار. ومن ثم بدأ الجيش المالي عملية عسكرية في محاولة لإعادة فرض سيطرته في وسط مالي؛ وذلك بالتعاون مع مجموعة فاجنر، باستخدام غارات الرد السريع والمدفعية وطائرات الهليكوبتر الحربية؛ لاستعادة سيطرة القوات المسلحة المالية على وسط مالي.

تحديات ضاغطة

تواجه فاجنر العديد من التحديات لمواصلة التعاون مع الجيش المالي في مكافحة الإرهاب، ومن أهمها ما يأتي:

1– اتهامات بارتكاب جرائم بحق المدنيين: حيث لقي ما يصل إلى 456 مدنيّاً مصرعهم في تسع حوادث تورطت فيها القوات المالية وفاجنر بين يناير ومنتصف أبريل من هذا العام. ووقع أخطر حادث في مارس عندما زُعم أن مجموعة فاجنر تورطت في مذبحة في مورا، وهي قرية تقع في منطقة مستنقعات في السهول الفيضية لنهر النيجر وكان يسيطر عليها منذ سنوات عديدة مسلحون من تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين؛ حيث قُتل ما بين 350 و380 رجلاً على مدى أربعة أيام. وفي أوائل مارس الماضي، تم العثور على أكثر من 30 جثة محترقة في بلدة نيونو بوسط مالي عقب العمليات التي شنتها القوات المالية بدعم من فاجنر.

2– الخبرة المحدودة بالبيئة والتضاريس في مالي: حيث يرى محللون أن تكتيكات فاجنر في مالي تخاطر برد فعل عنيف بين المجتمعات المحلية؛ ما قد يجعل عنف المتطرفين الإسلاميين أسوأ بكثير في مالي؛ فهم لا يدركون ولا يهتمون بالديناميات العرقية. وهذا يُعمِّق التوترات العرقية ويخلق الكثير من الجهاديين الجدد عن طريق هذه الابتزازات.

3– اهتمام فاجنر بالسيطرة على الموارد والثروة: كما هو الحال في جمهورية إفريقيا الوسطى، تهتم فاجنر في الأساس بكسب المال والوصول إلى قطاع الصناعات الاستخراجية؛ ففي أغسطس 2021، وصل سيرجيو لاكيتيونوف الجيولوجي الذي يعمل لدى فاجنر، إلى باماكو مع أحد مرؤوسيه ويُدعى إفجيني. هذا المحترف البالغ من العمر 54 عاماً ليس غريباً على المخابرات الغربية. هو في الواقع أحد المتعاونين مع أندري ماندل الذي ترأس بالفعل شركة التعدين التابعة لـWagner في السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى. كان ماندل نفسه رئيس شركة M–Invest في باماكو في نهاية نوفمبر 2021 لمراقبة مصالح فاجنر في التعدين، كما هو الحال في جمهورية إفريقيا الوسطى. كما ظهرت شكوك مؤخراً حول تصاريح التعدين الممنوحة في منطقة باكولوبي للشركات التي يسيطر عليها أقارب وزير المناجم لامين سيدو تراوري، وهو شريك مُقرَّب من زميله في وزارة الدفاع ساديو كامارا.

4– التعرُّض للملاحقات والعقوبات الدولية: على ضوء العمليات العسكرية ذاتها بمنطقة مورا التي شارك خلالها طيارون روس في إنزال القوات، صدرت تصريحات أمريكية وأوروبية منددة باستهداف مدنيين، واتهمت عناصر الجيش المالي – بالتعاون مع مجموعة فاجنر الروسية – بالتورط في قتلهم، ووضح ذلك في تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، ومطالبته بإرسال محققين إلى المنطقة، فضلاً عن ردود الأفعال المُطابِقة من قِبَل الخارجية الألمانية وكبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل.

5– حدوث خسائر فاجنر أمام تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين: فوفقاً لمذكرة عسكرية داخلية في مالي، أصيب “مدرب روسي” بانفجار لغم مرتجل وتُوفي بعد نقله جوّاً إلى مدينة سيفاري. ووصف مسؤول طبي في سيفاري الرجل بأنه روسي في الثلاثينيات من عمره. ووصفت مذكرة داخلية أخرى اشتباكاً وقع في 23 أبريل الماضي بين مسلحين ودورية مشتركة من القوات المسلحة المالية والمدربين الروس بين قريتي موندورو وبوني. وقالت المذكرة إن الخسائر بلغت “قتيلين (الأول من القوات المسلحة المالية والآخر روسي)،  و10 جرحى (ستة من القوات المسلحة المالية وأربعة روس)”.

وقال بيان صدر عن تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين، في 25 أبريل الماضي، إن التنظيم يحتجز روسيّاً ينتمي إلى فاجنر. وجاء في البيان: “خلال الأسبوع الأول من أبريل، أسرنا جندياً من قوات فاجنر الروسية في منطقة سيجو وسط مالي”. وهذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها التنظيم عن اختطاف روسي في مالي. ووفق البيان نفسه، “تصدَّى المجاهدون لعمليتَي إنزال نفذتهما القوات المُسلَّحة المرتزقة بالمروحيات فوق جبال بنجاجرا على بُعد 70 كيلومتراً من سيفاري”. و”قد غنم المجاهدون بعض أسلحة المرتزقة الذين هربوا”؛ لذلك أعاد التنظيم فرض سيطرته بعد مغادرة قوات الأمن.

سيناريوهان محتملان

هناك سيناريوهان متوقعان لمسار الظاهرة الإرهابية في مالي وسبل مواجهتها، وهو ما يمكن استعراضه على النحو الآتي:

السيناريو الأول– سيطرة فاجنر وتراجع العمليات الإرهابية: حيث تشير بعض التقديرات إلى تأثير الضربات التي تلقاها تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين من عملية برخان الفرنسية التي يُتوقَّع أن تضعف قدرته على الصمود أمام ضربات الجيش المالي وقوات فاجنر، فضلاً عن حملة الاعتقالات المستمرة التي نفذها الجيش المالي ضد مقاتليه، بالإضافة إلى تأثير الحرب المستمرة بين التنظيم وتنظيم داعش في المنطقة، التي تستنزف قدرات التنظيم وتضعف مقاومته أمام الجيش المالي وقوات فاجنر. ومع ذلك، فإن خروج القوات الفرنسية والأوروبية يمنح التنظيم الفرصة لإعادة ترتيب صفوفه في ظل التحديات التي تواجه فاجنر، لا سيما خبرتها المحدودة ببيئة الصراع في مالي.

السيناريو الثاني– تصاعد العمليات الإرهابية وتمدُّد تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين في مالي: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً؛ حيث يُتوقَّع أن يوسع التنظيم مناطق سيطرته في وسط مالي. وسيسمح الدعم اللوجستي الذي يتلقَّاه من السكان، بمواصلة تطوير قدراته وتنفيذ عدد أكبر من الهجمات المُعقَّدة. وقد طوَّر التنظيم بالفعل قدراته في مجال العبوات الناسفة على مدار السنوات الأخيرة؛ حيث استخدم السيارات المفخخة في يونيو 2021 وفبراير 2022. وتسمح حرية الحركة للتنظيم بتوسيع منطقة هجومه نحو العاصمة، لا سيما بالنظر إلى وجود التنظيم في منطقة كوليكورو شمال شرق باماكو.

استهداف بامكو

خلاصة القول أنه ليس ثمة ما يُشير إلى قدرة قوات فاجنر على السيطرة على العمليات الإرهابية في مالي، بل يُتوقَّع أن يخطط تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين لشن هجمات تستهدف باماكو والمدن الرئيسية الأخرى، وخاصةً في ظل وجود خلايا نشطة للتنظيم في المدن الرئيسية. وقد حذَّرت السفارة الأمريكية في مالي، في 29 أبريل الماضي، من هجمات إرهابية محتملة تستهدف باماكو في الفترة بين 30 أبريل و1 مايو. وبلا شك فإن الهجمات في باماكو أو ضد القواعد العسكرية سوف تهدد شرعية المجلس العسكري المالي مع دوائره الأساسية في باماكو من خلال التأثير على سلامة السكان في المدن الكبرى، وإثبات تدهور الوضع الأمني ​​في مالي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d9%82%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%ad%d8%aa%d9%85%d9%8e%d9%84%d8%a9/