عوائد التهريب:

لماذا تتزايد التوتُّرات بين حزب الله والنظام السوري في المناطق الحدودية؟
عوائد التهريب:
22 أبريل، 2022

لم يمنع التحالف القائم بين حزب الله والنظام السوري خلال السنوات الماضية، دون حدوث توترات بين الطرفين، وخاصةً أن الصراع داخل سوريا أنتج مجموعة من المصالح المتعارضة بين الطرفَيْن. وفي هذا السياق، أشارت تقارير إلى أن ثمة خلافات متصاعدة بين الحزب وقوات الدفاع الوطني التابعة للنظام السوري، على خلفية استحداث قوات الحزب عدة نقاط عسكرية جديدة قرب معابر التهريب مع لبنان، على أطراف منطقة سرغايا الحدودية بريف دمشق الغربي، وهو الأمر الذي اعتبرته قوات النظام السوري تهديداً لمصالحها ونفوذها، لا سيما أن النقاط العسكرية الجديدة تؤثِّر على تحركات القوات. وقد تزامن هذا التوتُّر مع سعي سوري إلى ضبط المناطق الحدودية، خصوصاً أنها تمثل مصدر تهديد لدول الجوار الإقليمي؛ ما قد يعوق محاولات دمشق لتطبيع علاقاتها مع جوارها الإقليمي.

صراع النفوذ

صحيح أن النظام السوري اعتمد اعتماداً جوهريّاً على الدعم المُقدَّم من قِبل حزب الله، وإيران بوجه عام، على مدار السنوات الماضية، ولكن بمرور الوقت، بدا أن وجود حزب الله داخل سوريا ساهم في تعقيد العلاقة مع النظام السوري؛ لأن النظام بات ينظر إلى الحزب كفاعل يسعى إلى توسيع دائرة نفوذه داخل سوريا، متجاوزاً في ذلك سلطة النظام. وعطفاً على هذا، يمكن تناول أبرز أبعاد ودوافع توتُّر العلاقات بين حزب الله والنظام السوري بسبب المناطق الحدودية؛ وذلك على النحو الآتي:

1– استحداث حزب الله نقاطاً عسكريةً جديدةً: أشارت تقارير إلى أن حزب الله اللبناني استحدث، منذ مطلع أبريل الجاري، عدة نقاط عسكرية جديدة قرب معابر التهريب مع لبنان، على أطراف منطقة سرغايا الحدودية بريف دمشق الغربي، وهو تحرك دفع باتجاه حدوث توتر بين قوات “الدفاع الوطني” التابعة للنظام وبين عناصر الحزب؛ لتأثير هذه النقاط الجديدة على ديناميكية تحركات القوات التابعة للنظام.

2– خلافات حول عوائد عمليات التهريب: أنتجت سنوات الصراع السوري اقتصاديات للحرب انخرطت فيها مجموعات عديدة تستغل حالة الصراع في تحقيق مكاسب اقتصادية هائلة من وراء تهريب السلع والوقود، ناهيك عن انتعاش تجارة المخدرات، لتصبح سوريا ولبنان بؤرة رئيسية لتهريب المخدرات إلى دول الجوار الإقليمي. والمثير للانتباه أن المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان شكَّلت محوراً هامّاً في عمليات التهريب. وتُقدِّم هذه المُعطَيات مدخلاً هامّاً لفهم أبعاد التوترات المتصاعدة بين حزب الله وقوات النظام السوري مؤخراً؛ حيث أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان، في تقرير له يوم 17 أبريل الجاري، إلى أن الحدود اللبنانية–السورية تشهد تحركات غير اعتيادية، خلال الآونة الأخيرة، نتيجة تصاعد الخلافات بين “حزب الله” وعناصر النظام؛ وذلك على خلفية تقاسم الأموال العائدة من عمليات تهريب البشر والمخدرات والبضائع، وهو مؤشر قد يُنذِر بمواجهات بين الطرفَيْن في المرحلة المقبلة.

3– تحصين الحزب مواقعه العسكرية: ذهبت بعض التقديرات إلى أنأحد المؤشرات التي دفعت باتجاه تصاعد التوتر بين حزب الله والنظام السوري على المناطق الحدودية، هو توجُّه الحزب نحو تحصين مواقعه العسكرية، بدءاً من مدينة الزبداني، وصولاً إلى مناطق القلمون الغربي، من خلال رفع سواتر ترابية أمام نقاطه العسكرية، وحفر أنفاق وخنادق بمحيطها ومحيط مَقرَّاته العسكرية، كما عمد الحزب إلى رفع الأعلام السورية فوق مواقعه، خوفاً من تعرُّضها لقصف إسرائيلي.

4– استغلال إيران الأزمة الأوكرانية لتعزيز نفوذها في سوريا: لا تنفصل التوتُّرات الأخيرة بين حزب الله وقوات النظام السوري عن محاولات طهران تعزيز نفوذها العسكري داخل سوريا، وربما تُعوِّل في ذلك على الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية. لقد ظهرت مؤشرات هذا التوجه الإيراني مع التقارير التي تتحدَّث عن نقل طهران أسلحة إلى مناطق متفرقة من “المحمية الإيرانية” غرب الفرات وتدمر بريف حمص، وإنشاء مراكز معسكرات تدريب، علاوة على مساعي الميليشيات الإيرانية إلى توسيع نفوذها بريف حماة، عبر تحويل اللواء 47 الموجود بجبل معرين بريف حماة الجنوبي إلى قاعدة عسكرية خاصة بـ”فيلق القدس”؛ علماً بأن اللواء 47 هو لواء دبابات يتبع للفرقة 11 في “الجيش السوري”، لكنه بات خاضعاً للسيطرة الإيرانية على نحو مُطلَق.

5– تأثير الانفتاح العربي على النظام السوري: اللافت أن تصاعد التوتُّرات بين قوات النظام السوري وحزب الله، جاء بالتزامن مع الانفتاح العربي الحادث على النظام السوري، ودفع بعض الأطراف الإقليمية نحو محاولة إعادة دمج النظام في المؤسسات العربية مجدداً، وإنهاء حالة القطيعة معه. ومن ثم، يبدو أن طهران، ووكيلها حزب الله، يتخوَّفان من تداعيات هذا الانفتاح العربي على نفوذهما داخل سوريا، وهو ما يُعزِّز احتمالية التصعيد من قِبَلهما تُجَاه النظام لإقناعه بأن مصالحه تُحتِّم عليه الحفاظ على العلاقات معهما، وأن يظل هذا التصعيد محدوداً أو مقيداً؛ لأن التصعيد الواسع النطاق قد يُفضِي إلى نتائج مغايرة، ويدفع النظام السوري بدرجة أكبر نحو تطوير علاقاته مع دول الجوار العربي.

تداعيات محتملة

قد تؤدي الخلافات بين حزب الله والنظام السوري حول ملف الحدود وعمليات التهريب إلى عدد من التداعيات الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– تزايد الصدام بين النظام السوري وحزب الله: ربما يعزز هذا الملف وما يُسببه من تباينات بين النظام السوري والقوى الموالية له من ناحية، وحزب الله من ناحية أخرى، إلى حدوث خلاف بين الجانبَيْن، قد يدفع باتجاه اندلاع مواجهات بينهما. ويُعزز من فرص حدوث هذه الفرضية وجودُ خلافات بين الجانبَيْن ذات أبعاد أخرى، ومنها الخلاف بين الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد شقيق الرئيس السوري، وبين عناصر حزب الله، حول حصص كل طرف من مادة المازوت المُهرَّبة من لبنان، فضلاً عن قناعةٍ لدى الفرقة بأن المازوت لا يتم توزيعه توزيعاً عادلاً في سوريا؛ وذلك وفقاً لتقرير كان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد نشره نهاية العام الماضي، ناهيك عن وقوع صدام بالفعل بين الفرقة والحزب، في يناير الماضي، على خلفية رفض الحزب مؤازرة الفرقة في حملة التمشيط التي أطلقتها ضد عناصر تنظيم “داعش” في منطقة البادية السورية، وهي مؤشرات تدفع باتجاه حدوث صدام بين الطرفَيْن، لكن هذا السيناريو قد يزيد تعقيد الأزمة السورية، ومساعي التسوية السياسية.

2– تعقيد الموقف الإيراني في سوريا: لا يمكن إغفال أن تزايد التوتُّرات بين قوات النظام السوري وحزب الله، تُضفِي المزيد من التعقيدات على الموقف الإيراني ودورها في الصراع السوري؛ فإيران لا تريد أن تفقد النظام السوري بوصفه ورقة مهمة لتوسيع الدور الإقليمي لطهران، وهو ما تستخدمه أيضاً ضمن مجموعة من الأوراق لإدارة المفاوضات النووية مع القوى الغربية، ولكن في الوقت ذاته، يُشكِّل حزب الله أداة مهمة لتنفيذ المخطط الإيراني في المنطقة. علاوة على ذلك، فإن الانفتاح العربي على النظام السوري يثير الكثير من الهواجس الإيرانية. وكل هذه المُعطَيات تُؤدِّي إلى تعقيد الموقف الإيراني، ولعل هذا ما قد يدفعها نحو التدخُّل لتهدئة التوتُّرات بين الطرفَيْن، وضمان عدم الدخول بينهما في صراع مفتوح.

3– أولوية ضبط الحدود السورية المضطربة: يُرجَّح أن تؤدي التوتُّرات الأخيرة بين حزب الله والنظام السوري إلى إعادة فتح ملف الحدود بين سوريا ودول الجوار، باعتباره واحداً من القضايا الرئيسية المطروحة على أجندة الانفتاح العربي على دمشق؛ إذ باتت الحدود السورية وما تشهده من عمليات تهريب مختلفة للمواد المُخدِّرة وشحنات الأسلحة، فضلاً عن العناصر الإرهابية، مصدر تهديد كبير لدول الجوار الإقليمي، خصوصاً لبنان والأردن. وكانت السلطات الأردنية على وجه الخصوص قد أعلنت خلال الأشهر الأخيرة عن إحباط العديد من عمليات التهريب، وكان أهم هذه العمليات في 27 يناير الماضي؛ حيث شهدت عملية إحباط تهريب مخدرات، مقتل 27 مُهرباً، ومقتل ضابطَيْن بحرس الحدود الأردني، ومن ثم فإن استمرار عمليات التهريب وعدم ضبط الحدود، قد يُؤثِّر بالسلب على مساعي دمشق لتطبيع علاقاتها مع دول الجوار العربي.

4– الدفع نحو تقارب النظام السوري مع الجوار العربي: يُحتمَل أن تُفضيَ التوترات بين حزب الله وقوات النظام السوري إلى تعزيز قناعة النظام بضرورة تطوير علاقاته مع دول الجوار العربي؛ لاعتبارات عديدة في مقدمتها أن هذا الانفتاح قد يكون له عوائد اقتصادية تساعد النظام على توفير موارد بديلة للقوى المحسوبة عليه، بعيداً عن اقتصاديات التهريب، كما أن تعزيز العلاقات مع الدول العربية، سيمنح النظام حرية تحرُّك أكبر، بعيداً عن خيارات طهران ووكيلها حزب الله. ويعزز من هذا التوجه أن العديد من الدول العربية بدأت تدرك أن التمسُّك بسياسة عزل النظام السوري وفرض العقوبات عليه، لم تُفْضِ إلا إلى استشراء النفوذ الإيراني في المنطقة. ولكن مع ذلك، ليس من المُرجَّح أن تتجه دمشق نحو القطيعة التامة مع طهران وحزب الله؛ لأنهما يظلان حليفَيْن مُهمَّيْن للنظام السوري، كما أن التوتُّرات الأخيرة بين حزب الله وقوات النظام السوري، قد يتم تحجيمها لتجنُّب الدخول في تصعيد واسع النطاق ستكون له انعكاسات سلبية على مصالح كافة الأطراف.

5– ارتدادات مُحتملَة على الداخل اللبناني: من المُحتمَل أن يكون للتوتُّرات بين حزب الله وقوات النظام، ارتدادات محتملة على الداخل اللبناني؛ إذ يدرك حزب الله أن ملف الحدود يُؤثِّر بالسلب على سمعته داخل لبنان، ومن ثم قد يستخدم النقاط العسكرية التي استحدثها مؤخراً على الحدود للترويج لمحاولاته لضبط الحدود وتأمين المصالح اللبنانية؛ فالشارع اللبناني يشهد حالةً من الغليان بسبب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة. وتذهب العديد من القطاعات اللبنانية إلى أن “ملف التهريب” يمثل بعداً من أبعاد ومُسبِّبات الأزمة الرئيسية، خصوصاً مع تهريب كميات كبيرة من مادة المازوت التي تُستخدَم وقوداً لمُولِّدات الكهرباء؛ لتعويض العجز اليومي في الكهرباء الذي تعاني منه الدولة، وهو الأمر الذي خلق رأياً عامّاً لبنانيّاً يضغط باتجاه تحجيم عمليات التهريب، فضلاً عن الاتجاهات السياسية المناوئة لحزب الله التي تحاول توظيف هذا الملف ضد الحزب.

ختاماً، يمكن القول إن الخلافات المتنامية بين العديد من القوى الموالية للنظام السوري، خصوصاً قوات “الدفاع الوطني”، والفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد – وهي الخلافات التي ترتبط على نحو رئيسي بملف الحدود السورية، وما تشهده من عمليات تهريب، استغلالاً لحالة الهشاشة، وغياب المراقبة، وسعياً إلى تدعيم عناصر حزب الله بسوريا – قد تدفع باتجاه تداعيات سلبية عديدة؛ لأنها تعزز فرضية واحتمال حدوث مواجهات بين الطرفَيْن، وهو سيناريو يدفع باتجاه إعادة سوريا إلى مربع عدم الاستقرار، وعرقلة مساعي تسوية الأزمة السورية سياسيّاً، خصوصاً أن ذلك يتزامن مع عودة تهديدات تنظيم داعش الإرهابي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d9%88%d8%a7%d8%a6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%87%d8%b1%d9%8a%d8%a8/