عودة المفاعلات:

هل ينجح الوقود النووي في معالجة أزمة الطاقة العالمية؟
عودة المفاعلات:
17 يناير، 2023

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial

تتجه معظم الدول الأوروبية، خاصةً فرنسا والمملكة المتحدة، نحو التوسع في استخدام الوقود النووي بدلاً من الوقود الأحفوري، في ظل الشكوك حول استمرار أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الارتفاع الشديد في الطلب العالمي على النفط والغاز منذ أوائل عام 2021؛ وذلك بعد عام من الركود بفعل تفشي فيروس كورونا، ثم وصلت الأزمة إلى ذروتها مع اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية في فبراير 2022، وقد شهدنا انعكاسات هذه الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية، متمثلة في توقف العديد من المصانع عن العمل، والانقطاع المتكرر في التيار الكهربائي، ناهيك عن توقع العديد من المؤسسات الاقتصادية العالمية استمرار هذه الأزمة على مدار عام 2023؛ لذا تسعى الحكومات الأوروبية إلى تجنب هذه الأزمة، خاصةً أن الاحتمالات تقود إلى أن استنفاد مخزون الغاز الطبيعي في أوروبا سيكون بحلول الربع الثاني من العام الجاري.

توجه متنامٍ

تعمل العديد من الدول الغربية مؤخراً على زيادة اعتمادها على استخدام الوقود النووي لتأمين احتياجاتها من مصادر الطاقة، وهو ما توضحه عدة مؤشرات، منها:

1– تكثيف اتفاقيات ومشروعات الوقود النووي: أعلنت بريطانيا مؤخراً عن تفعيل صندوقها البالغ تمويله 75 مليون جنيه إسترليني، الذي يهدف إلى المساعدة في تعزيز الإنتاج المحلي من الوقود النووي لمحطات الطاقة وخفض الاعتماد على إمدادات اليورانيوم الروسي. ويختص الصندوق بمنح تمويل للشركات المشاركة في تحويل اليورانيوم، وهي مرحلة رئيسية في عملية إنتاج الوقود النووي من المعدن. وقد تم بالفعل منح ما يصل إلى 13 مليون جنيه إسترليني من الصندوق إلى موقع “سبرينج فيلدز” لتصنيع الوقود النووي في شمال غرب إنجلترا.

على صعيد آخر، وقعت محطة الطاقة النووية البلغارية “كوزلودوي” المملوكة للدولة اتفاقاً مع شركة “وستنجهاوس إلكتريك” السويدية لتزويدها بالوقود النووي لوحدتها الخامسة التي تصنعها روسيا بقدرة 1000 ميجاواط، وهي خطوة أولى للتنويع بعيداً عن الإمدادات الروسية؛ إذ تسعى بلغاريا إلى تعزيز أمن الطاقة في أعقاب التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، خاصةً أن المحطة تنتج نحو 35% من كهرباء البلاد، وتستخدم حالياً الوقود النووي الذي توفره شركة روساتوم الروسية.

2– تصاعد الحديث عن أهمية الطاقة النووية: إن الاهتمام المتزايد بالطاقة النووية في مؤتمر الأطراف (COP 27) يعكس موجة جديدة من التقييمات التي تشير إلى أن القرن الحادي والعشرين سيتحول إلى التوسع أكثر في مجال الطاقة النووية، وسط تزايد قوة وتأثير شركات المفاعلات النووية المتقدمة، جنباً إلى جنب مع قائمة متزايدة من إعلانات بناء محطات نووية جديدة؛ حيث تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن الاستثمار في الطاقة النظيفة – بما في ذلك المشاريع النووية الجديدة – سيزداد بمقدار تريليونَي دولار سنوياً بحلول عام 2030.

3– زيادة الاعتماد العالمي على المحطات النووية في إنتاج الكهرباء: استطاعت المحطات النووية إنتاج 2653.1 تيراواط/ساعة خلال عام 2021، وهو ما يمثل 10% من إجمالي توليد الكهرباء العالمي، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 14% بحلول عام 2050. والجدير ذكره أن المفاعلات النووية العاملة في دول الاتحاد الأوروبي تساهم بنحو 25% من إجمالي الكهرباء المنتجة في دول التكتل، وتعد فرنسا أكبر مولد للكهرباء من محطات الطاقة النووية حتى الآن داخل الاتحاد الأوروبي، بحصة 51.8%.

هذا وقد استأنفت فرنسا عمل 3 مفاعلات نووية لرفع معدلات توليد الكهرباء لديها، في بداية شهر ديسمبر الماضي؛ حيث تعمل الدولة على تكثيف أسطولها من المفاعلات النووية؛ وذلك بعد شهور من الانقطاعات الممتدة، حتى بلغ عدد المفاعلات النووية التي تمتلكها شركة (Electricite de France SA) 56 مفاعلاً، وفقاً لبيانات بلومبرج، بهدف محاربة أزمة إمدادات الطاقة وسط انخفاض تدفقات الغاز الطبيعي من روسيا. ومن المتوقع أن يستمر الاتجاه الفرنسي نحو زيادة توافر المفاعلات؛ إذ تركز الحكومة على إصلاح مفاعلاتها النووية؛ حيث تسعى إلى أن يصل حجم التوليد النووي إلى 324 تيراواط/ساعة عام 2023؛ أي أعلى بنحو 16% من مستوى العام الماضي.

4– ارتفاع أعداد المفاعلات النووية عالمياً: وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، زاد توليد الطاقة العالمية من المحطات النووية بنسبة 3.5% في عام 2021 مقارنة بعام 2020. واعتباراً من مايو الماضي، تم تشغيل 439 مفاعلاً نووياً في نحو 30 دولة مختلفة، منها 92 مفاعلاً في الولايات المتحدة فقط، كما بلغ عدد المفاعلات الجديدة قيد الإنشاء 55 مفاعلاً.

ومن المتوقع أن استراتيجيات الطاقة لمختلف بلدان العالم ستركز على زيادة اعتمادها على المفاعلات النووية في تلبية احتياجاتها من الطاقة؛ فعلى سبيل المثال، فإن استراتيجية أمن الطاقة في بريطانيا لعام 2022، كشفت عن خطط الحكومة للموافقة على تطوير 8 مفاعلات جديدة بحلول عام 2030، لتساهم في تلبية نحو 25% من الطلب المتوقع على الكهرباء في المملكة المتحدة بحلول عام 2050.

دوافع أساسية

ثمة عدة دوافع قد شجعت دول العالم على إعادة التفكير في ضرورة التوجه نحو التوسع في استخدام الوقود النووي على حساب الوقود الأحفوري، ومن أبرزها:

1– التوقعات باستمرار أزمة الطاقة العالمية: من المتوقع أن تزداد حدة أزمة الطاقة العالمية خلال عام 2023، ومن المرجح أن يتجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل الواحد في الربع الأول من 2023، وربما يصل إلى 110–115 دولاراً، وسيرافق ذلك ارتفاعات موازية في أسعار الغاز الطبيعي والغاز المسال والفحم والكهرباء، وسط استمرار حالة عدم اليقين في أسواق النفط والغاز، خاصة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي واليابان والصين وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى العديد من البلدان المستوردة الأكثر فقراً التي تتعرض لصدمات اقتصادية في كل مرة تتحول فيها أسواق الطاقة بقوة.

2– الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري: تتزايد أهمية مفاعلات الطاقة النووية على مدار السنوات الماضية، باعتبارها لا تؤدي إلى أي انبعاثات كربونية مباشرة، بخلاف الوقود الأحفوري الذي ينقل كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وهو السبب الرئيسي لتغير المناخ في العالم. إضافة إلى ذلك، فإن العوامل الاستراتيجية والبيئية تدفع دول العالم إلى توسيع اعتمادها مرة أخرى على الطاقة النووية للأغراض المدنية، التي تمثل اليوم 25% من توليد الكهرباء في الاتحاد الأوروبي، و10% حول العالم، مع تنامي التدفقات الاستثمارية إلى الأبحاث والشركات الناشئة المهتمة بهذا القطاع؛ حيث تحرص بريطانيا وفرنسا على بناء مفاعلات جديدة، وحتى ألمانيا التي تعهدت بإغلاق مفاعلاتها النووية العام الماضي، أجَّلت ذلك حتى أبريل 2023، لتعويض نقص إمدادات الوقود الأحفوري من روسيا.

3– القدرة الإنتاجية العالية والوفيرة للطاقة: في إطار النقص الشديد لمصادر الطاقة الذي يعاني منه الغرب، تعد محطات الطاقة النووية هي البديل الأنسب والأوفر بالنسبة لهم؛ حيث تولد هذه المحطات مستويات طاقة عالية أكثر من أي مصدر آخر للطاقة؛ ما يجعلها مصدراً أساسياً للكهرباء، ومرشحاً قوياً لاستبدال المصادر الحالية للكهرباء، التي تساهم بشكل كبير في تلوث الهواء، كمحطات الفحم الكبيرة.

هذا وعلى الرغم من أن بناء محطة للطاقة النووية مكلف، فإن تشغيلها وصيانتها أرخص من الغاز والفحم. بالإضافة إلى ذلك، لا تعاني الطاقة النووية من التقلبات السعرية مثل مصادر الوقود الأحفوري التقليدية؛ حيث من السهل التكهن بسعر الطاقة النووية في الأيام المقبلة.

4– محاولة تقليل الاعتماد على موردي الطاقة الخارجيين: لا يمكن إغفال أن تصاعد الاهتمام الدولي بالطاقة النووية يعكس ديناميات الحرب الأوكرانية، وشعور العديد من الدول الغربية بأنها عرضة للضغوط والمساومات الروسية من جهة ورقة الغاز. ومن ثم، يمكن القول إن الاهتمام بالطاقة النووية يشير، في جانب منه، إلى محاولة الدول الغربية تقليل الاعتماد على موردي الطاقة الخارجيين، وتنويع مصادر الطاقة لديها، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات الطارئة، وتجنب الارتهان لقرارات أطراف خارجية.

عوائق محتملة

من المتوقع أن تواجه تلك الخطوات العالمية عدة عوائق في إطار هذا التوجه؛ حيث توجد عدة عوامل تؤكد أنه ليس من السهل التوسع في استخدام الوقود النووي بدلاً من الوقود الأحفوري، وأبرزها:

1– الهيمنة الروسية على سوق الطاقة النووية: فرض الاتحاد الأوروبي قيوداً على شراء النفط والغاز من روسيا بعد تدخلها في أوكرانيا، لكن دولاً في التكتل تواصل استيراد الوقود النووي الروسي، الذي استثنته عقوبات الاتحاد، بحجة أن دول الاتحاد لم تعتبر ذلك مجالاً مهماً لإنهاء التدخل الروسي في أوكرانيا. بالإضافة إلى ذلك، سيمثل تقليص الدور الروسي في سوق الطاقة النووية لدى الغرب تحدياً أيضاً؛ لأن الكثير من المفاعلات العاملة، وتلك التي لا تزال تحت الإنشاء، تستخدم تقنية روسية؛ ففي أوروبا فقط خلال عام 2021، هناك أكثر من 30 مفاعلاً يعمل بتقنية روسية، لا سيما أن روسيا وحدها تمتلك نحو 20% من قدرة تحويل اليورانيوم العالمية؛ ومن ثم فإن من الصعب أن تنأى أوروبا بنفسها لتوفير مصادرها من الطاقة النووية بعيداً عن روسيا.

2– وسيلة مكلفة وطويلة الأجل لمعالجة أزمة الطاقة: تستغرق الفترة بين تخطيط وتشغيل مفاعل نووي مدة زمنية طويلة، وهي الفترة التي قد تستغرق 10 أعوام على الأقل، ناهيك عن الفترة الزمنية التي يستغرقها البحث عن مصدر تمويل لإنشائه؛ حيث إن العديد من المحطات النووية القائمة مكلفة للغاية؛ ما يتطلب موافقة شركات كبرى على تمويلها، كما أن أصحاب المحطات العاملة بالفعل عادة ما يطالبون بإعانات مالية لاستمرار عملية تشغيلها؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2016، طلبت ثلاث محطات نووية في شمال نيويورك إعانات مالية لإبقاء عملها بحجة أن هذه المحطات ضرورية للحفاظ على انخفاض الانبعاثات الكربونية.

3– الالتزامات الدولية في مجال تغير المناخ: تواجه دول العالم مؤخراً أزمة التغيرات المناخية؛ ما وضع على عاتقها مجموعة من الالتزامات الوطنية والدولية في مجال مكافحة هذه الأزمة. وعلى الرغم من عدم إطلاق أي انبعاثات كربونية من محطات الطاقة النووية، فإنها لا تزال تؤثر سلباً على المناطق المحيطة؛ وذلك من خلال عملية تعدين خام اليورانيوم وتصريف المياه؛ إذ إن عملية التعدين لخام اليورانيوم المستخدم في إنتاج الطاقة النووية تؤثر سلباً على البيئة؛ حيث إن تعدينه يطلق غازَي الرادون والزرنيخ؛ ما يؤثر سلباً على الذين يعيشون حول مناجم اليورانيوم.

كما تسبب محطات الطاقة النووية التلوث الحراري، خاصةً أن معظم محطات الطاقة النووية تقع على المسطحات المائية؛ وذلك لتسهيل تصريف المياه إليها؛ الأمر الذي يتسبب في تغيير درجة حرارة المياه؛ ما يجعلها لا تطاق بالنسبة إلى معظم الحيوانات المائية. بالإضافة إلى ذلك، فإن من المعروف أن النفايات النووية سامة؛ ما يجعلها كارثة صحية وبيئية، وتتطلب تقنية متقدمة وعناية كبيرة للتعامل معها بشكل مناسب، كما تقدر كمية النفايات النووية المنتجة عالمياً بـ34 ألف متر مكعب سنوياً، وهي النفايات التي تستغرق سنوات عديدة لتتحلل.

4– السمعة السيئة للطاقة النووية: حتى وقت قريب جداً، كانت كلمة “نووي” سيئة السمعة لمعظم النشطاء في مجال البيئة والعديد من السياسيين، وحتى الأفراد العاديين؛ بسبب مخاطر التلوث المرتبطة بالوقود النووي المستهلَك، وبسبب الحوادث السابقة في المحطات النووية؛ حيث تركت أحداث انفجار مفاعل تشيرنوبيل الأوكراني في عام 1986، أو حادثة تسونامي في مصنع فوكوشيما الياباني عام 2011، إرثاً من الخوف دفع دولاً مثل ألمانيا وبعض الولايات الأمريكية، مثل نيويورك وكاليفورنيا، إلى إغلاق وإيقاف العديد من مفاعلاتها النووية عن العمل.

5– مصدر غير متجدد: على الرغم من أن الطاقة النووية تعتبر مصدراً للطاقة النظيفة، فإنها ليست متجددة؛ إذ تعتمد التكنولوجيا النووية على خام اليورانيوم وقوداً لإنتاج الطاقة. ومع ذلك، لا يوجد سوى كمية محدودة من خام اليورانيوم على مستوى العالم، وهذا يعني أنه كلما زاد اعتمادنا على الطاقة النووية، وعلى وجه التحديد خام اليورانيوم، ستقل موارد اليورانيوم المتاحة؛ ما سيؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة استخراج الخام.

خلاصة القول: ليس من اليسير على دول العالم تحقيق غاياتها بشأن التوسع في استخدام الوقود النووي بدلاً من نظيره الأحفوري؛ وذلك نتيجةً للعوائق السالفة الذكر، خاصةً في ضوء صعوبة حصد نتائج إيجابية سريعة وملموسة؛ إذ تستغرق عملية إنشاء وتشغيل المفاعلات النووية مدداً زمنية طويلة، ومن ثم فإن الوقود النووي لن يكون حلاً عاجلاً لتجنب أزمة الطاقة العالمية الراهنة، بيد أنها لن تعيق أيضاً الجهود الدولية الماضية قدماً في زيادة الاعتماد على الوقود النووي، حتى إن كان ذلك على المدى الطويل، وهو ما تؤكده المؤشرات العالمية ذات الصلة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%84%d8%a7%d8%aa/