عودة ترامب:

احتمالات وتعقيدات استعادة الرئيس السابق لمكانته في الداخل الأمريكي
عودة ترامب:
24 نوفمبر، 2021

على الرغم من آمال العديد من القادة الجمهوريين والديمقراطيين بأن يتلاشى تأثير الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بخسارته الانتخابات الرئاسية لعام 2020، وغيابه عن منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية مثل فيسبوك وتويتر بعد تغريداته المؤيدة للمتظاهرين لاقتحام مبنى الكونجرس في 6 يناير الفائت؛ إلا أنه لا يزال يتمتع بقوة وتأثير على ساحة السياسة الأمريكية، ويُتوقع أن يتزايد هذا التأثير مع سعيه للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة لعام 2024 على الرغم من عدم إعلانه رسمياً -حتى الآن- عن نيته الترشح لها، التزاماً بنصائح كبار مستشاريه.

يتجاوز تأثير دونالد ترامب ما إذا كان سيترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولا سيما مع قرب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر لها في نوفمبر من العام القادم، وقدرته على تعبئة قاعدته الانتخابية التي صوتت له في الانتخابات الرئاسية السابقة (74 مليون صوت)، للتصويت للمرشحين الجمهوريين في تلك الانتخابات لاستعادة الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلسي الكونجرس (مجلس النواب والشيوخ) من الديمقراطيين، ولا سيما بعد تقديمه الشكر لقاعدته الانتخابية التي ساهمت في فوز المرشح الجمهوري جلين يونجكين، على منافسه الديمقراطي تيري ماكوليف، بمنصب حاكم ولاية فيرجينيا في 3 نوفمبر الجاري، وهي الولاية التي فاز بها الرئيس جو بايدن بعشر نقاط على ترامب في نوفمبر 2020.

ثبات “الترامبية” في الداخل الأمريكي

رغم خروج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، من البيت الأبيض في 20 يناير الفائت؛ إلا أنه لا يزال يؤثر على الساحة السياسية الداخلية الأمريكية، في حين يفتقد التواجد على أبرز منصات التواصل الاجتماعي التي كانت تمكنه من التواصل مع قاعدته الانتخابية بفاعلية، والترويج لأفكاره. وتتمثل أبرز المؤشرات على استمرار تأثير ترامب فيما يلي:

1 تأييد غالبية الجمهوريين لترامب: لا يزال الرئيس الأمريكي السابق يتمتع بأغلبية كبيرة داخل الحزب الجمهوري، رغم الانتقادات التي تعرض لها من قبل العديد من كبار الأعضاء الجمهوريين والمسؤولين الجمهوريين السابقين في إدارات أمريكية جمهورية وديمقراطية سابقة. فقد أظهرت نتائج استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك خلال الفترة من 15-18 أكتوبر الفائت أن 86٪ من الجمهوريين لديهم رؤية إيجابية للرئيس الأمريكي السابق، في مقابل 10٪ فقط.

2 رغبة الناخبين الجمهوريين في ترشح ترامب للانتخابات الرئاسية القادمة: يهيمن ترامب على الاستطلاعات المبكرة للانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري لاختيار مرشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2024، فقد وجد استطلاع أجرته مجلة “بوليتيكو” ومؤسسة Morning Consult في الفترة من 8 إلى 11 أكتوبر الفائت، أن 47٪ من الناخبين الجمهوريين سيصوتون لصالح ترامب، ولم يحصل أي مرشح جمهوري آخر على أكثر من 13٪. وتظهر نتائج الاستطلاع أن 67٪ في مقابل 29٪ يقولون إنه يجب أن يترشح ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة. وعلى الرغم من الحذر الشديد في الاعتماد على نتائج الاستطلاعات المبكرة للانتخابات التمهيدية، فإنه إذا استمرت نسب التأييد للرئيس السابق في الارتفاع فإنه يتوقع أن يكون مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية القادمة.

3– قدرة ترامب على جمع الأموال والتبرعات للجمهوريين: بعد فترة وجيزة من تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن أطلق الرئيس السابق لجنة عمل سياسي تحت اسم “أنقذ أمريكا”. وفي غضون أسابيع من ترك منصبه، حول ترامب عشرات الملايين من الدولارات من لجنة العمل السياسي لإعادة انتخابه في الانتخابات الرئاسية السابقة لعام 2020 إلى لجنة العمل السياسي الجديدة. وقد وصلت الأموال التي تملكها حتى يوليو الماضي 120 مليون دولار. ويقول فريق ترامب إنه جمع 82 مليون دولار من ذلك المبلغ خلال ستة أشهر فقط. وستدعم تلك اللجنة المرشحين الجمهوريين الذين لم ينتقدوا الرئيس ترامب، أو يصوتوا مع الديمقراطيين على مساءلته بعد الهجوم على مبنى الكونجرس في 6 يناير الماضي، ومساعي الحزب الجمهوري لاستعادة الأغلبية بمجلسي النواب والشيوخ من الديمقراطيين.

وتستغل اللجنة الوطنية الجمهورية والعديد من المرشحين الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس القادمة، اسم ترامب في رسائل جمع التبرعات. وكثيراً ما يقوم الجمهوريون المنافسون في انتخابات نوفمبر 2022 برحلات إلى منتجع ترامب “مار إيه لاجو” في بالم بيتش بولاية فلوريدا للقاء كبار المانحين على الرغم من أن ترشحهم في ولايات أخرى.

4 تخلّص الحزب الجمهوري من المعارضين لترامب: يسعى العديد من أنصار الرئيس الأمريكي السابق داخل الحزب الجمهوري إلى الإطاحة بكبار الجمهوريين الذين وافقوا على مساءلته أو إدانته لتحريضه على أحداث اقتحام أنصاره مبنى الكونجرس، وكذلك المنتقدين لتصريحات ترامب بأن الديمقراطيين فازوا في الانتخابات التي أجريت في نوفمبر من العام الماضي بالتزوير. واتساقاً مع هذا التوجه فقد وافق الحزب الجمهوري في ولاية وايومنغ مؤخراً على عدم الاعتراف بالنائبة الجمهورية ليز تشيني، المنتقدة للرئيس ترامب والمشاركة في لجنة التحقيق في أحداث 6 يناير، كعضو في الحزب، وهو ما يزيد من نفوذ وتأثير الرئيس الأمريكي السابق داخل الحزب الجمهوري.

5عدم تحدي كبار الأعضاء في الحزب الجمهوري الرئيسَ ترامب: على الرغم من معارضة العديد من كبار الأعضاء الجمهوريين الرئيس ترامب وسياساته، فإن الكثير منهم لم ينتقدوا الرئيس السابق في العلن، وحتى الآن لم يعلن أحد منهم نيته الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة رغم العديد من التحركات في الولايات الأمريكية المختلفة التي تكشف عن تحضيرهم للانتخابات التمهيدية للحزب، وتصريح الكثير منهم، كالسفيرة الأمريكية السابقة في الأمم المتحدة خلال الإدارة الأمريكية السابقة نيكي هايلي، بأنها لن تتنافس على بطاقة الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية القادمة إذا أعلن الرئيس السابق نيته الترشح بتلك الانتخابات.

6 استمرار أسباب صعود الترامبية: لا تزال آثار العولمة التي أدت إلى ركود في الأجور، وتشريد الوظائف لبعض الأمريكيين، وأجواء انعدام الأمن، والمشاكل الهيكلية الأخرى الداخلية التي تفاقم العديد منها مع تسارع انتشار فيروس كورونا في الولايات الأمريكية، والتي كانت السبب الرئيسي لانتخاب الرئيس الأمريكي السابق في نوفمبر 2016 كما هي، وهو ما يعني أن ترامب سيستمر في التأثير على السياسة الأمريكية لبعض الوقت.

تعقيدات استعادة المكانة السياسية

رغم العديد من المؤشرات السابق الإشارة إليها التي تشير إلى أن الرئيس السابق لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة في الأوساط الأمريكية، وبين القاعدة الانتخابية التي صوتت له في نوفمبر الماضي، والتي تطالب بإعادة ترشحه مرة أخرى في الانتخابات الرئاسية القادمة؛ فإن هناك عقبات عدة أمام فرص ترامب لاستعادة نفوذه في السياسة الأمريكية داخلياً، ومن أبرزها ما يلي:

1 بروز أسماء منافسة لترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة: في الوقت الذي يتجنب فيه العديد من أبرز الأعضاء الجمهوريين الإعلان عن رغبتهم الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، وتصريح بعضهم بأنهم لن يترشحوا إذا ترشح دونالد ترامب؛ فإن هناك العديد من المرشحين الجمهوريين الآخرين للرئاسة يخططون لمنافسة الرئيس ترامب على بطاقة الحزب، وهو ما تكشفه زياراتهم للعديد من الولايات الرئيسية في سباق الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، ومن أبرزهم وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو الذي شرع في عرض إنجازاته كوزير خارجية بإدارة ترامب، ونائب الرئيس السابق مايك بنس، وحاكمة ولاية ساوث داكوتا كريستي نوم، وحاكم فلوريدا رون ديسانتيس؛ حيث إنهم يتصرفون كما لو كان سباق الترشيح مفتوحاً على مصراعيه، ولكنهم يسيرون على خط رفيع بين وضع الأساس لحملة مستقبلية للفوز ببطاقة الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية لعام 2024 مع عدم إغضاب ترامب أو مؤيديه. ولكن بالنظر إلى نفوذ ترامب القوي داخل الحزب الجمهوري، فإن قلة من السياسيين الجمهوريين الآخرين من المرجح أن يجرؤوا على الترشح ضده على أي حال.

2 تصويت جمهوريين على خطة “بايدن” للبنية التحتية رغم معارضة ترامب لها: في معارضة لرؤية الرئيس السابق لخطة الرئيس جو بايدن للبنية التحتية التي تقدر بحوالي 1.2 تريليون دولار، لكونها “صفقة مروعة وتجعل الجمهوريين يبدون ضعفاء وحمقى وأغبياء”، ومطالبته زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، بقيادة الجمهوريين بالمجلس لعدم التصويت على الخطة، فقد أقرها المجلس بموافقة 67-32 بعد انضمام 17 من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، وهو ما يكشف عدم سيطرة الرئيس السابق -كما يعتقد- على الحزب بعد تهديده بأنه ستكون هناك الكثير من الانتخابات التمهيدية للمشرعين الذين لم يساعدوا على إغراق خطة البنية التحتية لبايدن، والتي لم تلقَ آذاناً صاغية من العديد من الجمهوريين بالكونجرس.

3 إخفاق المنصات التي أنشأها “ترامب” للتواصل مع مؤيديه: مع حظر كبرى منصات التواصل الاجتماعي الرئيس السابق في أعقاب تأييده اقتحام أنصاره مبنى الكونجرس، فقد أنشأ ترامب العديد من المنصات الخاصة به لنشر أفكاره وادعاءاته حول تزوير الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، ولكنها فشلت في كسب المؤيدين والمتعاطفين، وأن تكون بديلاً لهم عن منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة مثل فيسبوك وتويتر، مما دفعه إلى إلغاء مدونته الخاصة التي حملت عنوان “From the Desk of Donald J. Trump” بعد أقل من شهر من إطلاق الموقع الإلكتروني لمؤيديه المتحمسين لتتبع أحداث ترامب، لقلة عدد المتابعين لها. وتشير تحليلات أمريكية إلى أن المنصة الجديدة التي أعلن عنها ترامب والتي تحمل عنوان “Truth Social” قد تلحق بالمنصات السابقة التي أعلن عنها ترامب في ظل تعدد المنصات اليمينية التي تنافس الرئيس السابق على كسب تعاطف التيار المحافظ داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يُفقد منصات ترامب بريقها، ولا سيما في ظلّ تفضيل معظم الأمريكيين من التيارات المختلفة منصات التواصل الاجتماعي المشهورة.

4 التحقيقات القانونية في ممارسات ترامب التجارية والسياسية: لا يزال هناك العديد من التهم الجنائية التي توجه إلى مؤسسة الرئيس الأمريكي السابق والتي تتعلق بالاحتيال الضريبي، بجانب التحقيقات المتعلقة بضغطه على مسؤولي الانتخابات في ولاية جورجيا لإحداث تحول في نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020 لصالحه، وكذلك دوره في تشجيع المتظاهرين على اقتحام الكونجرس في 6 يناير الفائت؛ وكلها تشكل عقبات قانونية أمام دور ترامب السياسي خلال الفترة القادمة.

5– إعلان عدد من كبار المانحين الجمهوريين عدم تمويل “ترامب”: على الرغم من نجاح الرئيس السابق في جمع الأموال للحزب الجمهوري ولمرشحيه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس؛ فإن العديد من كبار المانحين للحزب الجمهوري والأكثر نفوذاً، لا يخططون لتمويل “ترامب” في الوقت الراهن، لاستخدامه تلك الأموال في قضايا تتعلق بتزوير الانتخابات الرئاسية السابقة، والتجمعات الشعبية التي يروج خلالها ادعاءات كاذبة، وأن الانتخابات الرئاسية السابقة سُرقت منه، وبدلاً من ذلك فقد فضلوا إنفاق الأموال على جهود الحزب الجمهوري لاستعادة الأغلبية بالكونجرس في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، أو دعم مرشحي الرئاسة المحتملين لعام 2024.

خلاصة القول: على الرغم من خروج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من البيت الأبيض في 20 يناير الماضي؛ إلا أنه لا يزال مؤثراً داخل الحزب الجمهوري، لاستمرار إيمان القاعدة الانتخابية التي صوتت له في الانتخابات الرئاسية السابقة بأفكاره، ولذا لا يرغب أغلب المرشحين الجمهوريين لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس خلال نوفمبر المقبل في انتقاد ترامب للفوز بأصوات المحافظين الذين لا يزالون موالين له، ولا سيما بعد دورهم في فوز المرشح الجمهوري بمنصب حاكم ولاية فيرجينيا. ولكن استمرار هذا التأثير سيكون مرتبطاً بنتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس القادمة، وفرص صعود مرشح جمهوري قادر على منافسة الرئيس السابق، وعدم تعرض الرئيس لوعكة صحية في ظل تقدم عمره.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a8/