فاتورة التعافي:

من يتحمل تكاليف إعادة إعمار أوكرانيا؟
فاتورة التعافي:
10 مايو، 2022

بعد أسابيع قليلة من بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، تبلورت العديد من الأفكار حول أفضل السبل لمساعدة أوكرانيا على التعافي فور انتهاء الحرب، تزامناً مع سعي أوكرانيا إلى حشد داعمين لها، في سبيل إشراكهم في عملية إعادة إعمارها. وقد تلقَّت أوكرانيا فعليّاً تعهُّدات عدة من جانب بعض الجهات المانحة للمساهمة في عملية إعادة بناء الدولة. وقد جاء ذلك الدعم متنوعاً إلى حد كبير، ليشمل بعض الدول الصديقة لأوكرانيا، وعدداً من المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فضلاً عن الدعم الذي حَظِيت به من قِبَل مصادر خاصة، كالشتات الأوكراني والجمعيات الخيرية والأفراد والشركات الوطنية.

وبالرغم من أنه لا يزال من الصعب تحديد تكلفة إعادة الإعمار الإجمالية لأوكرانيا – خاصةً أن الحرب لم تنته بعد – فإن حجم تكاليف إعادة إعمار أوكرانيا قد تم تقديرها تقديراً تقريبيّاً بناءً على حجم الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الأوكراني والبنية التحتية للدولة منذ بداية الحرب، والتي قدَّرتها الحكومة الأوكرانية بنحو 565 مليار دولار، غير أن ذلك الرقم لا يزال قابلاً للزيادة، وربما يصل إلى تريليون دولار على المدى البعيد.

خسائر ضخمة

أضرَّ التدخُّل العسكري الروسي في أوكرانيا بالاقتصاد الأوكراني، وألحق به خسائر جمة على مختلف الأصعدة، وهو ما يمكن تسليط الضوء عليه فيما يأتي:

1– تراجُع الناتج المحلي الإجمالي: تعرَّض الاقتصاد الأوكراني لصدمة كبيرة من جرَّاء الحرب الجارية؛ فخلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، تجاوز إجمالي الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الأوكراني 500 مليار دولار. ووفقاً لتقديرات الحكومة الأوكرانية، فإن من الممكن أن يرتفع ذلك الرقم على المدى الطويل إلى تريليون دولار؛ أي خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا في العام الماضي الذي بلغ نحو 200 مليار دولار.

كما من المتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي تقلصاً بنسبة 30%–50% خلال العام 2022، بعدما كان مرجحاً، قبل التدخل العسكري الروسي، أن يواصل الاقتصاد الأوكراني انتعاشه في العام الجاري. ولعل ذلك يعود بنسبة كبيرة إلى تعطل الإنتاج في الدولة بفعل الحرب، فبينما أوقفت نحو 30% من الشركات أنشطتها تماماً، خفَّضت 45% من الشركات إنتاجها، وفقاً لتقديرات وزير المالية الأوكراني “سيرهي مارشينكو”. أضِف إلى ذلك أن تعطُّل العمل في المناطق الواقعة تحت وطأة الحرب في أوكرانيا، التي تُنتِج ما يقرب من 75% من الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا؛ حيث كان يعمل بها قبل التدخل العسكري ما يقرب من 10 ملايين شخص؛ أي نحو 64% من إجمالي القوة العاملة في الدولة.

2– تزايد خسائر البنية التحتية: بحسب خطاب ألقاه وزير المالية الأوكراني أمام المجلس الأوروبي في شهر أبريل الماضي، فإن “الخسائر التي سببتها الحرب كارثية”؛ إذ لم تستهدف العمليات الروسية المنشآت العسكرية الأوكرانية فحسب، بل أضرت كذلك بقطاعات النقل والبنية التحتية الصناعية؛ ففي الشهر الأول من الحرب، قُدِّر حجم الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية الأوكرانية وحدها نحو 119 مليار دولار. علاوة على ذلك، تضرَّرت المباني الحكومية والسكنية، إضافة إلى محطات القطارات والمستشفيات والمدارس التي تعرَّضت للتدمير والتخريب. ووفق جامعة كييف للاقتصاد، فإن قيمة المساكن المدمرة، التي وصلت إلى أكثر من 7000 مبنى سكني، تُقدَّر بنحو 29 مليار دولار.

3تضرُّر صناعة المعادن: تعرَّضت صناعة المعادن لأضرار وخيمة، قُدِّرت بمليارات الدولارات؛ وذلك نتيجةً للقصف المستمر على مجمع مصانع أزوفستال للصلب، الذي يمثل واحداً من أكبر مصانع الصلب في مدينة ماريوبول الأوكرانية. وبحسب تصريح “أندري ديليجاتش” مؤسس مركز الانتعاش الاقتصادي ومستشار الحكومة الأوكرانية، فإن كييف فقدت نحو نصف صناعة المعادن، بعدما كانت الدولة تمثل واحدًا من أكبر 10 منتجين للمعادن في العالم قبل الحرب. علاوة على ذلك، خسرت أوكرانيا ما يقرب من نصف الآلات الصناعية؛ وذلك نظراً إلى انتقال أكثر من 10% من الشركات الأوكرانية إلى دول الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب.

4انخفاض إنتاج القمح: يشكِّل تعثُّر الخدمات اللوجستية واحدةً من أكبر المشكلات التي تواجه الاقتصاد الأوكراني في ظل الحرب الراهنة؛ إذ تسبب ذلك في خسارة أوكرانيا ربع محصولها من القمح، على إثر استهداف بعض العمليات العسكرية لمستودعات الأغذية، ووقوع بعض الأراضي الزراعية في المناطق التي تتعرض للقصف. ووفق “تيموفي ميلوفانوف” رئيس جامعة كييف للاقتصاد، فإن نحو 5 ملايين طن من القمح لا تزال محتجزةً في أوكرانيا، علاوة على تبقَّى مما يقرب من 10 أطنان إلى 16 طناً من الذرة من الحصاد السابق.

مصادر التمويل

تتعدَّد المصادر التي من المُحتمَل أن تلعب أدواراً محورية في عملية إعادة إعمار أوكرانيا، ويمكن استعراض أبرزها فيما يأتي:

1– إمكانية الاستفادة من المنح والقروض الميسرة: تمثل المنح والقروض الميسرة واحداً من أهم المصادر المحتملة لتمويل إعادة إعمار أوكرانيا، سواء تم تقديمها بأسلوب ثنائي بالتعاون بين دولتين أو أكثر أو من قبل مؤسسات دولية مانحة؛ ففي الأسابيع الأولى من الحرب، أقرض البنك الدولي أوكرانيا نحو 723 مليون دولار، من أجل حالات الطوارئ، كدفع رواتب المستشفيات والمعاشات التقاعدية، في الوقت الذي وافق فيه صندوق النقد الدولي على تقديم تمويل طارئ لأوكرانيا بقيمة 1.4 مليار دولار.

أضف إلى ذلك، إنفاق الاتحاد الأوروبي فعليّاً منذ بداية الحرب، نحو 600 مليون يورو بما يُعادل 647 مليون دولار على شكل قروض ميسرة. ويعمل الاتحاد في ذلك الإطار، على تسريع الموافقة على 600 مليون يورو إضافية يمكن صرفها في إعادة إعمار أوكرانيا بحلول الصيف. ومن المُرجَّح أن تستقبل أوكرانيا منحاً وقروضاً على نحو موسع بعد نهاية الحرب، ليتم توظيفها فيما بعد في عملية إعادة إعمار الدولة ومعالجة الخسائر الفادحة التي لاقتها أوكرانيا تحت وطأة الحرب.

2– طرح خطة مارشال جديدة تحت رعاية أوروبية: تُعَد خطة مارشال النموذج الأكثر شهرةً لعمليات التعافي الناجحة بعد الحرب، وهي الخطة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية سابقاً عقب الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار الدول الأوروبية المتضررة. بيد أن ذلك النوع من برامج إعادة الإعمار، يتطلَّب وجود راعِ رئيسي، مثلما كانت اليابان الراعية الرئيسية لإعادة إعمار ميانمار. وكان الاتحاد الأوروبي المسؤول الرئيسي عن إعادة إعمار صربيا، ومن ثم فإن من المُرجَّح تولي الاتحاد الأوروبي ذلك الدور مع أوكرانيا.

كما من المُتوقَّع أن تكون عملية إعادة بناء أوكرانيا واحدة من أكثر المشاريع تحدياً وطموحاً في القرن الحادي والعشرين؛ إذ ستتطلب تلك المهمة نهجاً شاملاً يتجاوز بكثير تمويل إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة والمدن المدمرة في أوكرانيا، وربما تبلغ قيمة البرنامج – وفق تصريح “دانييل بيلاك” كبير مستشاري الاستثمار السابق لرئيس وزراء أوكرانيا – نحو تريليون دولار؛ حيث سيتعيَّن إعادة بناء مدن بأكملها، خاصةً مع حاجة مدن بعينها كمدينة ماريوبول وخاركوف إلى مبانٍ سكنية جديدة ومنشآت تصنيع تجارية وما إلى ذلك.

3إنشاء صندوق اتئماني للتضامن مع أوكرانيا: ربما يكون صندوق كفاءة الطاقة الحالي الذي أنشأه الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، المُكوَّن من ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، بمنزلة نموذج مفيد لدعم الجهود المستقبلية لإنشاء الإطار المؤسسي الصحيح لتعافي أوكرانيا بعد الحرب؛ إذ من الممكن إنشاء صندوق لإنعاش أوكرانيا على شاكلة صندوق كفاءة الطاقة، وهي الفكرة التي أطلقتها نائبة رئيس الوزراء الأوكراني للتكامل الأوروبي والأوروبي–الأطلسي “أولجا ستيفانيشينا”، كخطة للتعافي وإعادة الإعمار. وفي ذلك الصدد، فتحت أمانة مجتمع الطاقة في فيينا حساباً ائتمانياً لجمع التبرعات من أصحاب المصلحة في الاتحاد الأوروبي، مع ترك تحديد آلية توزيع الأموال للسلطات الأوكرانية.

4التعويضات المُستمَدة من الأصول الروسية المُجمَّدة: يمكن أن يأتي جزء من تمويل إعادة الإعمار من الاحتياطيات الدولية المجمدة حالياً للبنك المركزي الروسي، التي تصل إلى نحو 300 مليار دولار، وذلك بالعمل على توجيه تلك العائدات المالية إلى عمليات إعادة بناء أوكرانيا، فضلاً عن الاستفادة من الأصول المصادرة والمملوكة للأوليجارشيين الروس؛ وذلك بناءً على مقترح قدَّمته إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في أبريل الماضي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يسمح بتحويل كل عائدات الأصول المجمدة إلى أوكرانيا؛ بغية تعويضها عن الأضرار الاقتصادية والمادية الناجمة عن الحرب.

5– مصادرة جزء من عائد تصدير النفط والغاز الروسي: يمكن تمويل جزء من عملية إعادة إعمار أوكرانيا من خلال مصادرة مدفوعات النفط والغاز الروسي وتوجيهها نحو إعادة بناء أوكرانيا، مثلما فعلت العراق بعد غزوها للكويت؛ حين قدمت لها على مدار ثلاثين عاماً نسبة مئوية من المتحصلات الناتجة عن تصدير النفط العراقي، إضافة إلى توجيه مبيعات النفط العراقي والمنتجات البترولية إلى صندوق تعويضات لصالح الكويت، وقُدرت حينها بنحو 51 مليار دولار. كما من الممكن أن يقوم الاتحاد الأوروبي بفرض ضرائب على صادرات الطاقة الروسية بمرور الوقت، وفي المقابل تحصل أوكرانيا على منح مقدمة من الاتحاد الأوروبي.

6الدعم المالي المقدم من المؤسسات الخاصة والشتات: تعد المؤسسات الخاصة وتبرعات المواطنين الأوكرانيين، علاوة على دعم الشتات الأوكراني مصدراً لا يُستهَان به في عملية إعادة إعمار أوكرانيا، وإن لم يكن بوتيرة منتظمة كبقية المصادر؛ ففي الشهر الأول من الحرب، تمكنت أوكرانيا من جمع مبالغ كبيرة لدعمها من تلك المصادر الخاصة، ومن المرجح أن تلعب تلك المساعدات والتبرعات الخاصة دوراً كبيراً في دعم عملية إعادة إعمار أوكرانيا.

تكلفة متزايدة

ختاماً.. تزداد تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا يوماً بعد يوم مع استمرار الحرب، وتعرُّض أجزاء كبيرة منها للتدمير والقصف المستمر. ويبدو من الاتجاه العام، أن الاتحاد الأوروبي هو من سيتحمل التكلفة الكبرى من عملية إعادة إعمار أوكرانيا، خاصةً في ظل إبدائه التزاماً أكبر من بقية دول العالم بالمساهمة في تعافي أوكرانيا بعد انتهاء الحرب. أما الدول الأعضاء في شرق ووسط الاتحاد الأوروبي فتُظهر ميلاً لتقديم دعم أكبر بكثير من دول غرب أوروبا، ويأتي على رأس تلك الدول بولندا التي تمكنت خلال الشهر الأول من الحرب من تقديم مساعدات أكثر من مجموع ما قدمته فرنسا وألمانيا، كما استطاعت تجميع أكثر من 6 مليارات يورو لأوكرانيا خلال مؤتمر دولي للمانحين في وارسو؛ وذلك بحسب ما أعلن عنه رئيس الوزراء البولندي “ماتيوس مورافيسكي” في الخامس من مايو الجاري.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%81%d8%a7%d8%aa%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%81%d9%8a/