فجوة الثقة:

لماذا تراجعت شعبية الحزب الديمقراطي بين الناخبين الأمريكيين؟
فجوة الثقة:
5 ديسمبر، 2021

أظهرت العديد من استطلاعات الرأي للناخبين الأمريكيين، تراجع مستويات تأييدهم للحزب الديمقراطي بعد فوز مرشحيهم بالانتخابات الرئاسية والأغلبية بمجلسي الكونجرس (الشيوخ والنواب) في نوفمبر من العام الماضي؛ وذلك في مقابل ارتفاع نسب تأييدهم للحزب الجمهوري. وكانت انتخابات فيرجينيا كاشفةً عن ذلك. وقد أظهرت نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” وشبكة “إيه بي سي نيوز” الإخبارية، التي نُشِرَت في 15 نوفمبر 2021؛ تزايد شعبية الجمهوريين التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة منذ أربعة عقود، كما أكدت نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته جامعة كوينيبياك، التي نشرت في 18 نوفمبر 2021، أن 46% يرغبون في سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس النواب مقابل 41% للديمقراطيين، كما ظهر تراجع شعبية الحزب الديمقراطي أيضاً في استطلاع داخلي للجنة الكونجرس الوطنية للحزب الجمهوري، خلص إلى تحسن أداء الجمهوريين بنسبة 7% في بعض الولايات الرئيسية منذ بداية العام. وجميعها مؤشرات تدعو إلى التساؤل عن أسباب تراجع شعبية الحزب الديمقراطي.

عوامل مفسرة

ترجع شعبية الحزب الديمقراطي بين الناخبين الأمريكيين، خلال الأشهر القليلة الماضية، إلى جملة من الأسباب الرئيسية التي يمكن الوقوف عليها تفصيلاً؛ وذلك على النحو التالي:

1– الإفراط في التركيز على أحداث اقتحام “الكابيتول”: ينشغل كثيرون داخل الحزب الديمقراطي ووسائل الإعلام الأمريكية –حتى اللحظة الراهنة– بتداعيات أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 مع التركيز المفرط على دور الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فيها، جنباً إلى جنب مع أزمة الديمقراطية الأمريكية. وقد دفعت بعض التحليلات بأن نتائج انتخابات حكام الولايات –بصفة خاصة– إنما تعكس في حقيقتها رغبة الناخبين في التركيز على عدد من التهديدات الحياتية التي تلوح في الأفق بما في ذلك الأوضاع الاقتصادية وفيروس كورونا، لا أحداث الكابيتول أو أزمة الديمقراطية الأمريكية.

2– ملل “القاعدة الانتخابية” من سياسات الحزب الديمقراطي: دفعت وكالة أسوشيتد برس بأن القاعدة الانتخابية الرئيسة للحزب الديمقراطي، تعاني من حالة فجة من اللامبالاة الواضحة عقب الانتخابات التي مثلت فوزاً محتوماً، لا سيما مع الإفراط في الانتقادات الموجهة إلى الرئيس السابق دونالد ترامب. وقد تجلَّى الأمر بوضوح عقب فوز المرشح الجمهوري جلين يونجكين، على الديمقراطي تيري ماكوليف، في انتخابات حاكم ولاية فيرجينيا التي فاز فيها “بايدن” بفارق 10 نقاط عن “ترامب”؛ لتدق تلك الولاية ناقوس الخطر للحزب الديمقراطي قبل عام من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر لها في نوفمبر 2022؛ فقد دللت تلك الانتخابات على تراجع شعبية الديمقراطيين في ولاية تحولت نحو اليسار الديمقراطي خلال العقد الماضي، بل دلت أيضًا على قدرة الجمهوريين على اقتناص انتصارات انتخابية مقبلة.

3– تزايد الإحباط من الإدارة الديمقراطية الحالية: أرجعت بعض وسائل الإعلام الأمريكية سبب تراجع شعبية الحزب الديمقراطي –تعويلاً على انتخابات حكام الولايات التي تعد اختباراً حقيقياً لتوجهات الناخبين– إلى تزايد الإحباط بين الأمريكيين تجاه الإدارة الديمقراطية الحالية، مع سوء إدارتها للأوضاع الاقتصادية، والانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتزايد معدلات الهجرة واللجوء، وتفشي فيروس كورونا؛ إذ يحتاج الحزب الديمقراطي الذي يتولى مقاليد الحكم في البلاد إلى تحقيق إنجازات كبرى في بعض تلك الملفات كي يفوز في معاركه الانتخابية المقبلة التي لن تحسم بانتقاد الإدارة الجمهورية السابقة فحسب.

4– فقدان ثقة الناخبين بالحزب الديمقراطي: عكست انتخابات ولاية نيوجيرسي –التي فاز فيها “بايدن” بهامش واسع في انتخابات العام الماضي، ثم أفلت حاكمها الديمقراطي فيل مورفي من الخسارة– أن الناخبين باتوا يفقدون الثقة بحزب الرئيس (الحزب الديمقراطي)، كما نظر كثيرون إلى انتخابات تلك الولاية بوصفها استفتاءً على رئاسة “بايدن” نفسه بالتوازي مع استطلاعات الرأي التي تؤكد تراجع شعبيته بين الناخبين الأمريكيين.

5– تزايد أبعاد الانقسام الداخلي بالحزب الديمقراطي: ربما لعب الانقسام الداخلي دوراً في تراجع شعبية الحزب الديمقراطي؛ فقد امتد الخلاف بين نواب الحزب الديمقراطي في الكونجرس لعدة أسابيع قبل حسم خطة الإنفاق الاجتماعي والاستراتيجية البيئية التي تعد حجر الزاوية في أجندة “بايدن”؛ ما دفع الأخير إلى تخفيض قيمتها إلى 1.75 تريليون دولار، أي نصف ما كانت عليه في المشروع الأساسي. وقد دلل ذلك على كفاح الحزب الديمقراطي كي يتمكن من فرض أجندته. وبطبيعة الحال، لا يؤيد الجمود والانقسام الديمقراطي سوى شريحة صغيرة من الناخبين.

6– رفض الناخبين سياسة إغلاق المدارس لمواجهة كورونا: تسببت سياسة إغلاق المدارس لمواجهة فيروس كورونا في تراجع شعبية الديمقراطيين؛ حيث ألقت الكثير من الأعباء التعليمية على أولياء الأمور الذين باتوا مسؤولين عن تعليم أولادهم لعدة أشهر. وقد بات الغضب الناجم عن إغلاق المدارس دليلاً آخر على وجود فجوة ثقافية بين العمال والنخب الديمقراطية التي دعمت إغلاق المدارس لفترات زمنية ممتدة، وشجعت العمل والدراسة عن بُعد، وهو ما تسبب –في مجمله– في تراجع تسجيل الأطفال في المدارس وانخفاض دخول بعض أسر الطبقة الوسطى، دون أن تسفر الضغوط الشعبية عن إعادة فتح المدارس. وقد ضخ المانحون الجمهوريون والجماعات المحافظة الأموال والقوى البشرية فيها، وحوَّلوها إلى قضية سياسية قوية مزجت الغضب من الإغلاق مع الشكاوى من إعطاء الديمقراطيين الأولوية لقضايا العدالة الاجتماعية.

7– الانقسامات الطبقية تجاه دعم الحزب الديمقراطي: بينما شهد الديمقراطيون تآكلاً مضطرداً في دعم ناخبي الطبقة العاملة من جميع الأعراق، اكتسبوا دعماً بين الناخبين الأكثر تعليماً؛ ما يشير إلى الانقسامات الطبقية التي تقود سلوك الناخبين الأمريكيين؛ فقد خلص أندرو ليفيسون إلى أن جهود الديمقراطيين للتواصل مع ناخبي الطبقة العاملة، مَعيبة بشكل أساسي، وجادل بأن الديمقراطيين يمكنهم كسب تأييد عدد متزايد من الجمهوريين المناهضين لترامب، لا من خلال إقناع الطبقة العاملة البيضاء بأكملها، بل من خلال تحديد قطاع متميز وقابل للإقناع منها، ومن ثم معرفة كيفية الحصول على أعضاء تلك المجموعة المحددة للتصويت لصالح الديمقراطيين.

جرس إنذار

وختاماً، فإن على الديمقراطيين –حسب صحيفة واشنطن بوست– العمل لتقليل غضب الناخبين الأمريكيين؛ إذ لم تعد شعبية الرئيس الديمقراطي جو بايدن، بمفردها فقط على المحك، بل إن الأمر قد تزايد ليطال الحزب الديمقراطي بأكمله، وهو ما دفع الكثيرين إلى التشكيك في قدرة الحزب على الحفاظ على أغلبيته في مجلسي الكونجرس (الشيوخ والنواب)، بالنظر إلى اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي المرتقبة القادمة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%81%d8%ac%d9%88%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a9/