فرص التوسع:

هل تتغير خريطة الإنتاج الزراعي في العالم؟
فرص التوسع:
13 يوليو، 2022

يواجه العالم منذ التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا تهديدات جمة لأمنه الغذائي ولقدرته على سد احتياجات سكانه من الغذاء؛ نظراً إلى وقوع الحرب بين جانبَين يمثلان أهم مُصدِّري القمح في العالم أجمع؛ فقد أعاقت الحرب والعقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا، قدرة البلدين على الحفاظ على حجم صادراتهما المعتادة من القمح والسلع الغذائية الأساسية؛ ما بات يشكل تهديداً للأمن الغذائي العالمي. ذلك الوضع خلق نوعاً من الجاهزية لدى عدد من الدول حول العالم، وعمل محفزاً لها على زيادة المساحات المزروعة والإنتاج الزراعي؛ بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي يُمكِّنها من سد احتياجاتها من الغذاء، وكذلك درءاً لأي توترات داخلية قد تنجم عن نقص الغذاء وارتفاع أسعاره. بيد أن ذلك التوجه يثير تساؤلات حول مدى قدرة البلدان على تعزيز الإنتاج الزراعي لديها بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، وهل الأمر بتلك السهولة عندما تقرر دولة ما أن تعزز إنتاجها الزراعي من السلع الزراعية الأساسية؟

زيادة الإنتاج

أدَّت الحرب الروسية الأوكرانية إلى تعليق العمليات التجارية في موانئ أوكرانيا؛ ما أعاق قدرة البلاد على تصدير منتجاتها التي تُقدَّر بنحو 45% من احتياجات العالم من القمح. وبحسب توقعات وزير الزراعة الأوكراني السابق “رومان ليشينكو”، فإن مساحة المحاصيل الربيعية في أوكرانيا من المحتمل أن تقل عن نصف ما كانت عليه في عام 2021.

لقد دفعت الحرب العديد من المزارعين إلى الفرار نحو البلدان المجاورة حفاظاً على سلامتهم. ووفق توقعات الفاو، فإن من المتوقع ألا يتم حصاد ما بين 20–30% من مساحة المحاصيل الشتوية في أوكرانيا؛ لعدم توافر العمالة الكافية لذلك، وهو ما فعلته العقوبات بالمثل مع روسيا؛ الأمر الذي شجَّع حكومات عدد من الدول على اتخاذ إجراءات من شأنها زيادة الإنتاج الزراعي. وفيما يأتي يمكن تسليط الضوء على بعض تلك التحركات:

1– مخطط الحكومة الأيرلندية للتوسع في زراعة المحاصيل: في خضم الحرب الروسية الأوكرانية، أطلقت حكومة أيرلندا خطة بقيمة 12 مليون يورو تستهدف بها تعزيز زراعة الشعير والقمح والشوفان، وسيلةً لتعويض الانخفاض في الإنتاج الزراعي بأوكرانيا، خاصةً مع اعتماد أيرلندا بدرجة كبيرة على محاصيل أوكرانيا.

غير أن ذلك المخطط لم يَلْقَ ترحيباً كبيراً من قبل العديد من المزارعين الذين رأوا أن مدفوعات الحوافز الحكومية، التي من المفترض أن توجه للتخفيف من وطأة ارتفاع تكلفة الأسمدة والوقود، هي في الواقع صغيرة جداً وغير كافية للنهوض والتوسع في زراعة مساحات كبيرة.

2– اعتزام المزارعين الأمريكيين زيادة المساحات المزروعة: وفق دائرة الإحصاءات الزراعية الوطنية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية، فإن الحكومة الأمريكية مهتمة بتعزيز الإنتاجية الزراعية الأمريكية، فيما يعتزم المزارعون الأمريكيون زراعة كميات قياسية من فول الصويا – باعتبار أنه يتطلب سماداً أقل نسبياً – بما يقرب من ضعف الكمية التي يعتزم مزارعو القمح زراعتها خلال العام الجاري، وهي خطوة تعبر عن خبرة ووعي، خاصةً مع لجوء المزارعين إلى التركيز على زراعة محاصيل لا تتطلب سماداً بكميات كبيرة، في ظل ارتفاع أسعاره ونقص كمياته.

3– رفع السنغال ميزانيتها الزراعية: تستورد السنغال سنوياً ما يصل إلى 650 ألف طن من القمح، يأتي جزء كبير منها من الحبوب الروسية والأوكرانية. ولمعالجة نقص الحبوب من جراء الحرب الروسية في أوكرانيا، فإن حكومة السنغال تشجع على إنتاج وتجهيز الزراعات المحلية، كالذرة والدخن والفول. وفي ذلك الإطار، زادت الحكومة السنغالية ميزانية الزراعة لديها بمقدار 10 مليارات فرنك أفريقي لمواجهة أزمة الغذاء، وباعتبار ذلك جزءاً من دعمها الأوسع لأصحاب الحيازات الصغيرة المحليين والمزارعين والخبازين في جميع أنحاء السنغال، بهدف تعزيز إنتاج الخبز المصنوع من أصناف محلية كحبوب اللوبيا.

4– استهداف الاتحاد الأوروبي الارتقاء بالإنتاج الزراعي: في ظل الاعتماد الكبير للاتحاد الأوروبي على المحاصيل الزراعية الأوكرانية، وتضرر الصادرات الأوكرانية بفعل الحرب، فإن مؤسسات التكتُّل قد اعتمدت خطة تستهدف تحقيق التنميـة المسـتدامة وتعزيز التنوُّع البيولوجي والارتقاء بالإنتاج الزراعي كماً ونوعاً، مع وضعها في الحسبان عدم الإضرار بالتزاماتها البيئية، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى الإعلان عن اعتزامه خفض استخدام المبيدات الحشرية بنسبة 50% قبل حلول عام 2030. وفي هذا الصدد، يعمل الاتحاد الأوروبي على التوسع في محاصيل الربيع، كالذرة والشعير وبذور عباد الشمس؛ وذلك على الرغم من النقص المحلي في المدخلات نتيجة الاختناق في سلسلة التوريد التي أثرت سلباً على أداء العمليات الزراعية.

تحديات رئيسية

ثمة تحديات يمكن أن تقف عائقاً أمام قدرة بعض البلدان على رفع الإنتاج الزراعي بها، نتناول أهمها فيما يأتي:

1– نقص الأسمدة الذي يحد من خيارات توسيع الإنتاج الزراعي: يلعب نقص الأسمدة دوراً كبيراً في اضطرابات السوق الزراعية اليوم، كما أنه يحد من خيارات التوسع في الإنتاج الزراعي أمام البلدان الغنية وأمام البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ فقد أدت العقوبات على روسيا إلى تقييد صادرات الأسمدة من كل من روسيا وبيلاروسيا.

 وبالرغم من أهمية زيادة إنتاج القمح لسد النقص المتوقع في السوق العالمية والاستفادة من الأسعار العالمية المرتفعة، فإن البلدان الغنية والفقيرة على السواء قد لجأت بدلاً من ذلك إلى الاستثمار في المحاصيل الأقل كثافةً في استخدام الأسمدة. خاصةً أن بعض البلدان تعاني من عدم امتلاكها مصنعاً محلياً واحداً على الأقل لإنتاج الأسمدة مثل رواندا التي تعتمد بالكامل على الأسمدة الروسية، وهو ما يعوق أي محاولات من قبل الحكومة الرواندية ومثيلاتها لزيادة إنتاجها الزراعي وإنتاج ما يكفي مواطنيها، في ظل عدم امتلاكها الأسمدة الكافية.

2– ارتفاع أسعار السماد والطاقة: شهدت أسعار الأسمدة منذ بداية الحرب الأوكرانية ارتفاعاً كبيراً، وهو ما ساهم في الحد من الخيارات المتاحة أمام البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وهو ما يضع المزارعين أمام خيارين: إما أن يمضوا قدماً في خطط حكوماتهم لزيادة الإنتاجية الزراعية، رغم ارتفاع الأسعار؛ ما يؤدي إلى تحميل المستهلكين تكاليف الإنتاج العالية، أو يقللوا من استخدامهم للأسمدة؛ ما يقلل بالتبعية من حجم إنتاجهم الزراعي. علاوة على ذلك، فإن أسعار الطاقة المرتفعة من جراء الحرب الروسية في أوكرانيا، تعمل هي الأخرى على رفع تكلفة الإنتاج الزراعي؛ حيث إن الغاز الطبيعي ضروري لإنتاج الأسمدة النيتروجينية والوقود اللازم لزيادة الإنتاجية في المزارع ونقل المحاصيل.

3– افتقار أصحاب الحيازات الصغيرة إلى القدرة على الوصول إلى الأسواق: بفرض أن أصحاب الحيازات الصغيرة تمكنوا من زيادة إنتاجهم الزراعي تماشياً مع خطط حكوماتهم، فإنه يظل هناك تحدٍّ آخر يمثل أكبر الحواجز التي يواجها المزارعون أصحاب الحيازات الصغيرة، وهو الافتقار إلى القدرة على الوصول إلى الأسواق ولعب دور مؤثر في سلاسل التوريد، في ظل نقص المال وضعف الإمكانات وغياب القدرة على تنويع محاصيلهم.

4– اختلاف البيئات ونوعية التربة: من الاعتبارات الواجب وضعها في الحسبان أن زيادة الإنتاج الزراعي ليس مجرد قرار يمكن اتخاذه والنجاح في تنفيذه في جميع البيئات وكافة الدول؛ فهناك بيئات ونوعيات معينة من التربة لا تشجع على زراعة محاصيل بعينها؛ فرواندا على سبيل المثال تُعَد دولة صغيرة وذات طبيعة جبلية، كما أن تربتها حمضية؛ لذا فإنها تفتقر إلى التربة المُؤهَّلة والصالحة للزراعة؛ فبحسب مستشار سلسلة القيمة لشركة “كورديد” الهولندية، والتي تمتلك مكتب إقليمي لها في رواند، “شياكة ريفوكاتوس”، فإنه رغم الأهمية البالغة للقمح، فإن رواندا ليس بإمكانها أن تنتجه على نطاق واسع رغم توافر الرغبة الأكيدة لفعل ذلك. ولهذا السبب تروج الحكومة الرواندية لبدائل القمح التي من الممكن إنتاجها محلياً، مثل الكسافا والبطاطا الحلوة.

جدير بالذكر أن المساحات المزروعة في المناطق القاحلة قد انخفضت، وأن المناطق المعتدلة شهدت هي الأخرى انخفاضاً في العقود الأخيرة، فيما لاقت الأراضي الزراعية في العديد من البلدان الاستوائية توسعاً خلال السنوات الأخيرة. ولعل ذلك التحول يرجع في الأساس إلى كون المناطق المدارية أكثر ثراءً من حيث التنوع البيولوجي؛ حيث يعيش أكثر من نصف أنواع المزروعات في العالم في الغابات الاستوائية.

5– التأثيرات المعاكسة للتغيرات المناخية: مما تقدم يتَّضح أن إنتاج الغذاء معضلة تتزايد تعقيداً كلما تزايد عدد سكان العالم، وفي الوقت نفسه يعمل تغيُّر المناخ على تقليل الإنتاج الزراعي؛ إذ تمثل التغيرات المناخية تهديداً كبيراً للإنتاج الزراعي؛ فمع تغير المناخ تصبح الظروف الجوية غير مواتية بدرجة كبيرة لزراعة محاصيل بعينها. أضف إلى ذلك أن طرق الزراعة التقليدية تُشكِّل خطورة وضغطاً كبيراً على النظم البيئية العالمية؛ إذ ينتج عنها كميات كبيرة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بما يساهم بالتبعية في مزيد من التغيرات المناخية. علاوةً على ذلك، يستهلك الإنتاج الزراعي كميات كبيرة من المياه العذبة؛ ما يُمثِّل خطورةً على كميات المياه العذبة المتوافرة على الكرة الأرضية.

6– تجاوز العالم ذروة الأراضي الزراعية: في الوقت الذي يتردد فيه أن الأراضي الزراعية العالمية قد بلغت ذروتها، فإن الإنتاج الزراعي في تلك المساحات الزراعية لم يصل إلى ذروته بعدُ في عديد من بلدان العالم؛ فقد وصل استخدام الأراضي إلى أعلى مستوياته في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وانخفض منذ ذلك الحين، لكنه شهد انتعاشاً طفيفاً في السنوات الأخيرة، ولا يزال مستمراً في الزيادة في عدة بلدان في أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الجنوبية.

وهو الأمر الذي يعني أن تغير خريطة الإنتاج الزراعي إن حدث، فلن يكون بمعناه الحرفي بأن تظهر مساحات جديدة زراعية يمكن استصلاحها أو زراعتها بما يُغيِّر شكل الإنتاج الزراعي في العالم، وإنما قد تتمكن العديد من البلدان من تعزيز إنتاجيتها بما يتوافق مع ظروفها المناخية وطبيعة تربتها وحجم إمكاناتها التي ستُرجِّح كفة محاصيل معينة دون غيرها، وهو ما يصبُّ في النهاية في صالح زيادة الإنتاجية الزراعية.

معضلة التسعير

إجمالاً.. تنفرد الحرب الروسية الأوكرانية بطبيعة مميزة؛ فهي حرب بين قوتين من أهم قوى الإنتاج الزراعي؛ لذا كانت لتلك الحرب عواقب لم يسبقها مثيل على الزراعة العالمية والأمن الغذائي؛ فبعد سبعة أسابيع من نشوبها، بدأت ملامح تلك العواقب تتأجَّج؛ حيث توقفت الصادرات من أوكرانيا، وارتفعت الأسعار العالمية للسلع الزراعية، فكانت البلدان الأكثر تضرراً من جراء ذلك هي الدول التي تعتمد على الصادرات الزراعية من أوكرانيا وروسيا في إطعام مواطنيها، أو التي تعتمد على أسمدة روسيا وبيلاروسيا لإنتاج طعامهم.

وهو ما مثَّل دافعاً إلى انتهاج عدد من الدول خططاً تستهدف بها رفع إنتاجها الزراعي، غير أن الأمر ليس بتلك السهولة المرجوة؛ فلتعزيز الإنتاج الزراعي مقوماته. ومع تعقُّد الأزمة تتعقد مسارات حلها؛ إذ لم يعد الإنتاج المشكلة الكبرى، بل القضية الكبرى هي التسعير؛ إذ باتت أسعار المدخلات الزراعية من أسمدة ومبيدات حشرية باهظة الثمن؛ ما أصبح يفرض على المزارعين تحديات جمَّة حول الاستمرار في الإنتاج، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المدخلات الزراعية، وهو ما يُؤثِّر بدرجة كبيرة على قدرة المستهلكين على الشراء مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية.


https://www.interregional.com/%d9%81%d8%b1%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b3%d8%b9/