الأرشيف السري:

لماذا تتسبب الضربات الجوية الأمريكية في سقوط ضحايا مدنيين؟
الأرشيف السري:
21 ديسمبر، 2021

كشفت تسريبات صحفية مأخوذة من أرشيف البنتاجون السري للحرب الأمريكية بالشرق الأوسط خلال السنوات السبع الماضية، عن أرقام ضخمة تتعلق باستهداف المدنيين جرّاء الضربات الجوية العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، من بينهم أطفال، سواء في سوريا أو العراق وكذلك أفغانستان، وهو ما يُعيد الجدل من جديد حول قدرة الولايات المتحدة على تفادي استهداف المدنيين في الضربات الجوية العسكرية بالمنطقة، إذ تتباين حجم التقديرات حول أعداد المدنيين الذين تم استهدافهم بالخطأ، فوفق إحصاءات الجيش الأمريكي نفسه، تم مقتل 1417 مدني في غارات جوية ضد داعش في سوريا والعراق، فيما قُتل ما لا يقل عن 188 مدني في أفغانستان منذ عام 2018، في حين تشير بعض التقديرات إلى مقتل أكثر من 22 ألف مدني بسبب ضربات جوية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين.

دلالات صادمة

أتاحت الوثائق الأمريكية تتبُّع أكثر من 1300 تقرير عن الخسائر المدنية للضربات الجوية الأمريكية، وقد كشفت عن العديد من الدلالات المهمة، يمكن توضيحها على النحو التالي:

1– قصور في تعامل المؤسسات المَعنية: يعكس تزايد حوادث القتل بين المدنيين من جرَّاء العمليات الأمريكية، قصوراً هائلاً في المعلومات الاستخبارية المتاحة، وهو ما يأتي مناقضاً لما تحاول واشنطن الترويج له من قدرة طائراتها بدون طيَّار وقنابلها على الاستهداف الدقيق لمواقع تموضع الإرهابيين في بعض دول منطقة الشرق الأوسط.ويعزز من هذا المسلك غير الأخلاقي المتمثل في تزايد الاستهداف غير المقصود للمدنيين، وجودُ حالة من التبرير لدى قيادات البنتاجون، الذين يجادلون بأن الأخطاء واردة في مثل تلك العمليات العسكرية.

2– رخاوة نظام الشفافية والمساءلة: تكشف الوثائق الأمريكية، من جانب آخر، عن فشل القيادات العسكرية في الوفاء بالتعهدات المتعلقة بالشفافية والمساءلة حول خسائر المدنيين في العمليات العسكرية، وهو ما يفسح المجال للإفلات من العقاب وتفضيل خيار التعتيم من أجل عدم إثارة حالة من السخط لدى الرأي العام الأمريكي والعالمي؛ إذ لم تقترن التعهدات السالفة الذكر بإجراءات تأديبية للمخالفين، جنباً إلى جنب مع عدم السعي إلى دراسة الأسباب الحقيقية وراء تحوُّل القضية من حوادث فردية يمكن تداركها إلى ظاهرة ممتدة تؤثر على حياة آلاف المدنيين.

3– تفضيل الاستهداف عن بُعد: فضَّلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، عدم الانخراط المباشر في المواجهات العسكرية من أجل تقليل الخسائر المرتبطة بالأمريكيين في حروب المنطقة، وما يقترن بذلك من إمكانية التأثير على شعبية المسؤولين؛ إذ استبدلت الولايات المتحدة ترسانة من الطائرات الموجهة بوحدات تحكم مثبتة عن بُعد، مكانَ العديد من معداتها العسكرية على الأرض. ومع تضاؤل عدد القتلى الأمريكيين في المعارك الأمريكية، غفلت أنظار معظم الأمريكيين وعقولهم عن الخسائر المدنية من جراء تلك الهجمات، وهو ما يقلل الضغوط على المسؤولين الأمريكيين كثيراً.

4– معضلة التأهيل النفسي للجنود الأمريكيين: مما كشفت عنه الوثائق، وجود حالة من “التحيُّز المسبق” لدى الجنود الأمريكيين، عبر الميل إلى البحث عن تفسير المعلومات المتاحة وفق اعتقادات سابقة. ومثال على ذلك، الاندفاع نحو تأكيد وجود إرهابيين في بعض المواقع دون وجود مؤشرات كافية لديهم على ذلك. وفي بعض الحالات يكونون من المدنيين بالفعل. كذلك فإن هناك فجوة ثقافية قائمة بين الجنود الأمريكيين من جانب والسكان المحليين من جانب آخر تزيد نسبة المخاطر على حياة المدنيين، عبر عدم إدراك الأمريكيين بعض العادات والتقاليد المرتبطة بالمدنيين التي تثير الشكوك حول كونهم من الإرهابيين.

فشل ذريع

تكشف التقارير الرسمية الأمريكية المتاحة، مع الاستقصاءات الصحفية للحوادث التي استهدفت المدنيين بالخطأ؛ عن تعدُّد أنماط الفشل الأمريكي في هذا الإطار، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1– أزمة تحديد هوية المستهدفين: حسب وثائق للبنتاجون، كان الخطأ في تحديد الهوية متورطاً في 4% فقط من الحالات، بينما في مواقع الضحايا التي زارتها بعض الصحف، مثل “تايمز”؛ كان الخطأ في تحديد الهوية عاملاً رئيسياً في 17% من الحوادث، فيما تسببت فيما يقرب من ثلث القتلى والجرحى من المدنيين. ومن ثم فإن هناك صعوبات بالغة لدى الأمريكيين في تحديد هوية المستهدفين، في ظل عدم الاعتماد على معلومات استخبارية دقيقة.

2– صعوبة التحديد الجغرافي للمدنيين: فشل الجيش الأمريكي، وفق الوثائق المتاحة، في تحديد وجود المدنيين من عدمه. وقد شكَّل ذلك 37% من الحالات الموثوقة، وما يقرب من ثلاثة أرباع إجمالي الوفيات والإصابات بين المدنيين؛ وذلك في المواقع التي زارتها صحيفة “تايمز”، كما تكشف بعض الوثائق عن أن الجنود الأمريكيين اعتمدوا على عمليات مسح جانبية مدتها قصيرة للغاية في تحديد ما إذا كان هناك مدنيون أم لا. وغالباً ما كانت اللقطات محدودة بسبب النقص في طائرات الاستطلاع بدون طيار، لا سيما خلال معارك استعادة الموصل والرقة. كذلك فإن أكثر من نصف الحالات التي اعتبرها الجيش “ذات مصداقية”، تضمنت دخول مدنيين في إطار الهدف أثناء إطلاق النار.

3– عدم دقة المعلومات الاستخبارية: أحد أركان الفشل الأمريكي في التعامل مع الضربات الجوية، تتعلق بوجود معلومات استخبارية مَعيبة سواء كانت غير مكتملة أو قديمة. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك، مقتل ما لا يقل عن 10 مدنيين في مارس 2017 في سوريا. ووجدت المراجعة العسكرية أن المعلومات الاستخبارية استندت إلى تقارير فردية منذ شهور ماضية. وتم تحديد الأهداف في وقت سابق، ولكن من أجل الحصول على بعض الميزات الاستراتيجية؛ قرر القادة الانتظار حتى وقت متأخر للغاية لتنفيذ العملية.

4– قصور الاستدلال عقب تنفيذ الضربات: تشير التقارير الاستقصائية إلى أن من بين 1311 تقييماً من البنتاجون، هناك حالة واحدة فقط قام المحققون فيها بزيارة موقع الضربة. وفي حالتين فقط استجوبوا شهوداً أو ناجين، فيما يتم الاستدلال بالفيديوهات عقب الضربات، وقد وجدت صحيفة “تايمز” أنه غالباً ما كانت الصور محجوبة بدخان الانفجار، وهو ما يعكس قصوراً في إمكانية التوصل إلى حقيقة الوضع على الأرض.

وختاماً، فقد تم إغلاق عدد كبير من القضايا إما بسبب الافتقار إلى التفاصيل الكافية والمعلومات الدقيقة، أو بسبب عدم العثور على سجلات الضربات الجوية، وهي مؤشرات تعكس في مجملها عدم جدية التعامل الأمريكي مع الخسائر المتزايدة من المدنيين خلال السنوات الأخيرة، بيد أن تراجع العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة قد يكون سبباً في انخفاض أعداد الضحايا من المدنيين.


https://www.interregional.com/%d9%82%d8%b5%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ae%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a/