قضية “إيفرجراند”:

تصاعد تهديدات "الدين الداخلي" في الاقتصاد الصيني
قضية “إيفرجراند”:
21 سبتمبر، 2021

تثير أزمة تعثُّر شركة “إيفرجراند” العقارية مخاوف من انتقال وتوسُّع الأزمة في قطاع العقارات الصيني المثقل بالديون؛ حيث يعتبر البعض أن ما يحدث هو بمنزلة دلالة على أزمة قادمة تشابه أزمة الرهن العقاري التي أصابت العالم بأزمة مالية عام 2008. كما أن تزايد حدة أزمة المجموعة المالية مؤخراً جعل أسهم “إيفرجراند” مجالاً للمضاربات والتكهنات في أكبر بورصات العالم مثل بورصتي نيويورك وهونج كونج. وقد أصبح الأمر فوضوياً عندما صدمت الشركة السوق الأسبوع الماضي باعترافها بأنها لا تستطيع وقف نزيف الديون المتراكمة؛ ما أدى إلى انهيار سعر أسهمها، وتم تعليق التداول في السندات والأسهم. واستمرت تلك الأسهم والسندات في التراجع حتى بلغ معدل تراجعها نحو 80% خلال عام 2021.

ملامح الأزمة

تزايدت حدة المشكلات المالية التي تواجهها مجموعة “إيفرجراند” الصينية خلال الأسابيع القليلة الماضية مع التراجع الكبير في أسعار أسهمها وسنداتها؛ حيث أعلنت شركة العقارات الصينية أنها تواجه ضغوطاً هائلة بعد غرقها في ديون عجزت عن سدادها ليتعدى مجموعها 300 مليار دولار. وأثار إعلان الشركة عن مشاكلها حالة من الاضطراب والقلق في أوساط المستثمرين. وتتمثل أبرز ملامح تلك الأزمة فيما يلي:

1تضخم ديون الشركة: تضخمت ديون شركة “إيفرجراند” في السنوات الأخيرة مع اقتراضها لتمويل أهدافها المختلفة. وعلى إثر ذلك اكتسبت المجموعة سمعة سيئة لأنها أصبحت المطور الأكثر مديونيةً في الصين إلى أن أصبحت تمتلك لقب “المطور العقاري الأكثر مديونيةً في العالم”، مع التزامات تزيد عن 300 مليار دولار بما يمثل نحو 2% من الناتج المحلي للصين. وحذَّر المستثمرون، خلال الأسابيع القليلة الماضية، من مشكلات التدفق النقدي للشركة؛ وذلك بعدما صرحت الشركة بأنها قد تتخلف عن السداد إذا لم تكن قادرة على جمع الأموال بسرعة. وتم تأكيد هذا التحذير عندما كشفت “إيفرجراند” أنها تواجه مشكلة في العثور على مشترين لأصولها.

 جدير بالذكر أن “إيفرجراند” أعلنت، في 14 سبتمبر الجاري، أنه من المرجح أن تستمر مبيعاتها في الانخفاض بقدر كبير خلال سبتمبر الجاري، وهو الأمر الذي سيؤدي –بطبيعة الحال– إلى مزيد من التدهور في وضعها النقدي، وبدت ملامح ذلك في تراجع أسهم الشركة بنسبة 11% في 14 سبتمبر الجاري ليبلغ إجمالي انخفاضها نحو 80% منذ بداية عام 2021.

2بدء تعثر الشركة منذ سبتمبر 2020: ترجع الأزمة إلى عام تقريباً؛ حيث عبَّر المستثمرون عن قلقهم في سبتمبر من العام الماضي بعد ظهور رسالة مسربة مضمونها أن شركة “إيفرجراند” من المحتمل أن تطالب بدعم الحكومة بسبب تراكم الديون والالتزامات؛ حيث وصلت التزاماتها لتشمل أكثر من 128 بنكاً وأكثر من 121 مؤسسة غير مصرفية، لكن حينها أكدت الشركة أن الرسالة مزورة. واشتدت المخاوف بعد اعتراف “إيفرجراند” في يونيو الماضى بأنها لم تدفع بعض التزاماتها في الوقت المحدد، وظهرت بعدها أخبار في يوليو الماضي مفادها أن محكمة صينية جمدت وديعة بنكية بقيمة 20 مليون دولار تحتفظ بها الشركة. وجدير بالذكر أنه في عام 2018 سجلت “إيفرجراند” أرباحاً قياسية بلغت 72 مليار يوان، أي أكثر من ضعف صافي أباح عام 2017، لكنها قامت بعد ذلك بإنفاق أكثر من 100 مليار يوان سنوياً على الفوائد.

3– تراجع إيرادات الشركة منذ بداية 2021: تراجع صافي دخل المجموعة بنسبة 29% ليصل إلى 10.5 مليار دولار أمريكي خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري مقارنةً بالفترة المناظرة من العام السابق، في حين صعدت التزامات الشركة بنسبة 1% إلى 1.97 تريليون يوان خلال النصف الأول من العام الجاري. وقد حذرت الشركة من مخاطر التخلف عن السداد وسط تراجع مبيعات العقارات وعدم إحراز تقدم في عمليات بيع الأصول؛ ما أدى إلى انخفاض أسعار الأسهم والسندات بحدة. وبدأت الشركة العملاقة تتعثر بعد أن اتخذت بكين إجراءات جديدة في أغسطس 2020 لمراقبة مستوى الديون الإجمالي لشركات تطوير العقارات الكبرى والسيطرة عليها عن قرب. وفي سياق متصل، ألقت الشركة اللوم على التقارير الإعلامية السلبية المستمرة، التي تسببت في الإضرار بالمبيعات خلال سبتمبر الجاري؛ ما أدى إلى التدهور المستمر في تحصيل الأموال من قبل المجموعة، وهو الأمر الذي وضع المزيد من الضغوط الهائلة على التدفق النقدي والسيولة للشركة.

4–قلق المتعاملين مع الشركة: مع استمرار “إيفرجراند” في الغرق في الديون، ووضع نحو 1.5 مليون شخص ودائع على منازل جديدة لم يتم بناؤها؛ قام متظاهرون غاضبون مؤخراً بالتجمع خارج مقر الشركة العقارية، مطالبين بمعرفة مستقبل الشركة، وامتد قلقهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي بشأن ما إذا كانوا سيستعيدون أموالهم بعد تعليق مشاريع الإسكان أم لا. وبات لزاماً على الشركة، في ضوء هذا الوضع، تسريع عمليات بيع الأصول والاستمرار في تقديم خصم كبير على أسعار الوحدات العقارية، حتى تحصل على سيولة نقدية كافية لتسديد التزاماتها. وإذا لم تستطع الشركة تحقيق تقدم جيد في بيع الأصول وضم مستثمرين جدد بما يتوافق مع توقعات الحكومة، فإنها قد تستمر في التعثر عن سداد التزاماتها.

5– تبني الشركة حلولًا مؤقتة: أدى الضغط المتلاحق للديون إلى تأخر السداد للموردين، وتعرض الشركة لخطر التخلف عن السداد، وهو ما دفع المنظمين الصينيين للشركة إلى بيع أصولها، بما في ذلك شركة للسيارات الكهربائية ومشاريع جانبية أخرى –وهي مشاريع توسَّعت فيها إيفرجراند باستثماراتها في وقت مضى. وتشمل تلك الاستثمارات استثمارات في السيارات الكهربائية «Evergrande New Energy Auto»، ووحدة إنتاج للإنترنت والوسائط، واستثمارات في المواد الغذائية والمياه المعدنية– من أجل البقاء ومن أجل الإنقاذ، كما وقَّع المنظمون أيضاً على إعادة تعيين شروط ديون “إيفرجراند” التي ستسمح للشركة بإعادة التفاوض على المواعيد النهائية مع البنوك والدائنين الآخرين. ولكن لسوء الحظ، فإن من غير المرجح أن يوفر بيع جزء من مشروعاتها وإعادة تعيين شروط ديون الشركة أكثر من تأجيل مؤقت لتفاقم أوضاعها المالية المتأزمة.

تداعيات الأزمة

تعتبر العقارات أحد المحركات الرئيسية لنمو الاقتصاد في الصين؛ حيث يشارك قطاع العقارات بأكثر من ربع المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي لثاني أكبر اقتصاد في العالم، وهو أمر سيؤثر بالتبعية على المصارف والمستثمرين؛ لذا يمثل إفلاس ثاني أكبر شركة عقارات في الصين، تداعيات هائلة على الاقتصاد الصيني، وسيكون انهيار “إيفرجراند” أكبر اختبار واجهه النظام المالي الصيني. ويتضح ذلك على النحو التالي:

1تراجع سوق العقارات في الصين: مع استمرار الاضطرابات في مجموعة “إيفرجراند”، أصبح الضغط على قطاع العقارات في الصين –الذي يشكل نحو 28% من اقتصاد البلاد– ملموساً إلى أبعد من مجرد مطور واحد؛ فقد أشارت بيانات أغسطس إلى أن مبيعات المنازل الوطنية من حيث القيمة، تراجعت بنسبة 19.7% على أساس سنوي، وهو أكبر انخفاض منذ أبريل 2020، كما تباطأ النمو في أسعار المساكن.

وما يزيد الأمور خطورةً هو التخوف من امتداد تأثير شركة “إيفرجراند” الكبير إلى النظام المالي الصيني؛ ما قد يؤدي إلى انعدام الثقة بالشركات العقارية الأخرى، وحتى بعض البنوك. ووفقاً لوكالة “بلومبيرج”، وصل التخوف إلى أن مسؤولي أكبر جهة رقابية مالية صينية، أبلغوا مؤسس “إيفرجراند” في نهاية الشهر الماضي، أنه يتعين عليه حل مشكلات ديون الشركة في أسرع وقت ممكن؛ وذلك لتجنب حدوث صدمات اقتصادية كبرى تضر بالاقتصاد الصيني. كما أن المطورين الصينيين يتعرَّضون لضغوط سداد كبيرة على السندات المقومة بالدولار، في حين أن الأسواق أصبحت متوترة من قيام بكين بدفع المجموعات العقارية المدرجة إلى خفض تكاليف الإسكان في الصين وهونج كونج.

2– تزايد مخاوف المستثمرين بشكل كبير: قامت وكالتا “فيتش” و”موديز” للتصنيف الائتماني، الأسبوع الماضي، بتخفيض التصنيف الائتماني لشركة “إيفرجراند” بسبب مشكلات السيولة، وضعف الملاءة المالية للشركة، وعدم قدرتها على تسديد التزاماتها من الديون، بالإضافة إلى وضعها لتصبح مصدر خطورة للاقتصاد الصيني. كما قامت وكالة “ستاندرد آند بورز” بتخفيض تصنيف شركة التطوير العقاري على اعتبار أنها تفتقد عُنصرَي السيولة والوصول إلى التمويل عندما أبلغت السلطات الصينية كبار المُقرِضين أن الشركة لن تكون قادرة على سداد مدفوعات الفائدة على القروض المستحقة في 20 سبتمبر الجاري؛ الأمر الذي يزيد تخوف المستثمرين في الصين على نطاق أوسع، كما صرح مدير وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” مؤخرًا، من خلال متابعة البنوك الصينية، بأن تخلف “إيفرجراند” عن سداد ديونها من غير المرجح أن يتسبب في أزمة ائتمانية في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

3– آثار سلبية على الاقتصاد الصيني: يمكن أن تتعرَّض العديد من القطاعات لمخاطر ائتمانية متزايدة إذا تعثَّرت مجموعة “إيفرجراند”. وعلى الرغم من أن التأثير العام على القطاع المصرفي يمكن التحكم فيه، لكن على صعيد قطاع العقارات –وهو مصدر حيوي للنمو الاقتصادي الصيني ككل– فقد أدت الأزمة إلى تدهور في أسهم شركات القطاع؛ حيث تراجع سهم شركة “كانتري جاردن هودلينجز أكبر مطور عقاري بالبلاد من حيث المبيعات، بنسبة 8% خلال الأسبوع الماضي. وسيمتد تأثير الأزمة إلى مزيد من القطاعات الاقتصادية بالصين. وتجدر الإشارة إلى أنه في وقت سابق من هذا الشهر، خفَّضت وكالة التصنيف موديز توقعاتها لقطاع العقارات في الصين إلى سلبية من مستقرة؛ بسبب تشديد الوصول إلى التمويل. وسيكون انهيار “إيفرجراند” المحتمل أكبر اختبار يواجه النظام المالي الصيني منذ سنوات.

4– تراجع أسعار المعادن داخل الصين: تراجعت أسعار المعادن، يوم الاثنين، مع تنامي المخاوف بشأن التأثير على الطلب على السلع نتيجة التراجع في سوق العقارات الصينية. وانخفض خام الحديد إلى أقل من 100 دولار للطن للمرة الأولى منذ أكثر من عام. وتراجعت سلعة صناعة الصلب التي تعتبر مصدر ربح لشركات التعدين الرئيسية بنسبة 23% خلال الأسبوع الماضي. وفي المقابل، كانت أسهم التعدين من أكبر الخاسرين في مؤشر فوتسي 100 في لندن. ومن المتوقع أن تؤدي تلك الأزمة إلى انخفاض في الطلب على الحديد والأسمنت، وبالتبعية إلى مزيد من التراجع في الأسعار العالمية.

5– محاولة السلطات النقدية تطويق الأزمة: قامت السلطات النقدية في الصين، على خلفية أزمة شركة “إيفرجراند”، بضخ أكثر من 14 مليار دولار في النظام المصرفي؛ وذلك في محاولة لتجنُّب حدوث أزمة سيولة في القطاع، في ظل الزيادة الموسمية للطلب على القروض مع أزمة ديون شركة العقارات العملاقة، ومنعًا لحدوث أزمة مالية في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، خاصةً بعد انتشار المخاوف من انتقال عدوى انهيار عملاق العقارات الصيني “إيفرجراند” إلى أسواق ودول أخرى.

6– تخلف “إيفرجراند” عن سداد الديون الخارجية: من المحتمل أن ينتشر التخلف عن السداد المحتمل من قبل “إيفرجراند” إلى الأسواق خارج الصين؛ حيث إن لديها سندات خارجية ضخمة ذات فائدة عالية؛ حيث صرَّح أحد خبراء سوق رأس المال في هونج كونج بأن بعض سنداتها الخارجية تحمل أسعار فائدة تصل إلى 15%. وقدَّر بنك UBS أن مليار التزامات “إيفرجراند” تبلغ نحو 19 مليار دولار تتكون من السندات الخارجية المستحقة.

7– أضرار متوقعة على العمالة الصينية: سيكون لانهيار مجموعة “إيفرجراند” تأثير على جوانب عدة للاقتصاد الصيني، بما في ذلك تأثيرها السلبي على سوق العمل، خاصةً أنه لدى الشركة 200 ألف موظف، كما توظف الشركة 3.8 مليون شخص كل عام لتطوير المشاريع؛ حيث إن الشركة تمتلك أكثر من 800 مشروع قيد الإنشاء، لكن توقف أكثر من نصفها بسبب أزمة السيولة.

في الختام، أصبحت مجموعة “إيفرجراند” الصينية مؤخراً أكبر مصدر قلق مالي في الصين؛ حيث أثارت الأزمة التي تعاني منها المجموعة قلق المنظمين والأسواق المالية من إمكانية انتشار الأزمة عبر النظام المصرفي الصيني، وحدوث اضطرابات اقتصادية، كما تعد تلك الأزمة أكبر اختبار للحكومة الصينية لإصلاح العملاق المثقل بالديون في الاقتصاد الصيني. ويمكن أن تكون هذه الأزمة أيضاً أهم اختبار يواجه النظام المالي الصيني منذ سنوات عديدة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%82%d8%b6%d9%8a%d8%a9-%d8%a5%d9%8a%d9%81%d8%b1%d8%ac%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%af/