قوة الدولار:

مكاسب أمريكية من رفع أسعار الفائدة رغم الخسائر العالمية
قوة الدولار:
28 سبتمبر، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”، في 26 سبتمبر 2022، تقريرين لكل من “باتريشيا كوهين” بعنوان “الدولار القوي.. أمر جيد للولايات المتحدة لكنه سيئ للعالم”، و”جيني جروس” بعنوان: “لماذا الجنيه البريطاني الضعيف مهم؟”. ويتناول التقريران تبعات قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة على دول العالم كافةً؛ الغنية والفقيرة منها على السواء، مع توضيح دوافع واشنطن إلى اتخاذ مثل هذا القرار الذي يمتد بتأثيراته السلبية على المستوى الدولي، وفي ضوء إجراء معظم المعاملات المالية العالمية بالدولار الذي يعتبر ملاذاً آمناً للدول والأفراد على السواء، وخصوصاً في أوقات الأزمات. ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيهما على النحو التالي:

مصلحة أمريكية

بحسب التقريرين فإن ثمة جملة من المكاسب التي تعود على الاقتصاد الأمريكي من جراء رفع أسعار الفائدة، ومن ثم تقوية مركز الدولار في الاقتصادات الدولية العالمية، وهو ما يمكن بيانه فيما يلي:

1– إصرار الفيدرالي الأمريكي على رفع أسعار الفائدة رغم التبعات: رغم التبعات الواسعة التي تلحق بكل دول العالم، استمر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على تصميمه على خوض معركة لا هوادة فيها ضد التضخم في الداخل، عن طريق رفع أسعار الفائدة، خصوصاً أنه قد لا تكون هناك بدائل لهذا القرار في سبيل التحكم بالتضخُّم المتنامي، وسط تحذيرات الاقتصاديين من أن أي تأخير في العمل يمكن أن يجعل الأمور أكثر سوءاً، حتى إن كان مثل هذا القرار من شأنه أن يلحق ضرراً عميقاً بالدول الأخرى.

2– الدولار يصل إلى أعلى مستوياته مقابل العملات الرئيسية الأخرى: تؤدي زيادات أسعار الفائدة إلى ارتفاع قيمة الدولار العملة الأساسية التي يُجرى من خلالها معظم المعاملات التجارية العالمية؛ ما يسبب اضطراباً اقتصادياً في كلٍّ من الدول الغنية والفقيرة على السواء؛ فمع قرار الفيدرالي الأمريكي، وصلت قيمة الدولار مقارنةً بالعملات الرئيسية الأخرى، مثل الين الياباني، إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، وتعادلت قيمة اليورو، الذي تستخدمه 19 دولة في جميع أنحاء أوروبا، مع قيمة الدولا،ر في يونيو 2022، للمرة الأولى منذ عام 2002، فيما قامت الصين، التي تسيطر بشدة على عملتها، بتثبيت الرنمينبي عند أدنى مستوى له في عامين، بينما تتخذ خطوات لإدارة انخفاضه.

3– تسجيل الجنيه الإسترليني انخفاضاً قياسياً أمام الدولار: في إطار تأثر العملات العالمية، سجَّل الجنيه الإسترليني البريطاني، في 26 سبتمبر 2022، انخفاضاً قياسياً لفترة وجيزة أمام الدولار، مواصلاً خسائره بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية الجديدة، في 23 سبتمبر، عن إصلاح اقتصادي شامل يُركِّز على التخفيضات الضريبية وإلغاء القيود؛ حيث انخفض الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى عند 1.035 دولار، محطماً الرقم القياسي لعام 1985. ورغم ارتداده قليلاً عن ذلك المستوى، لا يزال منخفضًا بنحو 19% هذا العام في مقابل الدولار، كما انخفض الجنيه الإسترليني مقابل اليورو، وإن لم يكن بالقدر نفسه.

ويثير انخفاض الجنيه الإسترليني مخاوف في بريطانيا؛ لأن ضعف العملة يجعل الواردات أكثر تكلفةً، وقد ترفع الشركات البريطانية، التي يعتمد الكثير منها على مواد مستوردة من دول أخرى، الأسعار للتعويض عن ارتفاع تكاليفها؛ ما يضغط على التضخم الذي يقترب بالفعل من أعلى مستوياته منذ 40 عاماً. وفي حين أن خطط الحكومة للتخفيضات الضريبية وإلغاء القيود التنظيمية تهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي، فإن هذه التحركات تزيد احتمالات قيام بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة بقدر أكثر قوةً لكبح التضخم؛ ما يجعل الاقتراض أكثر تكلفةً.

4– تأثير أشد للتبعات السلبية على الاقتصادات الفقيرة: في الوقت الذي يؤدي فيه تسارع الدولار إلى تغذية التضخم الحاد في معظم أنحاء القارة الأوروبية، فإن التأثير أخطر على الدول الفقيرة والنامية التي تواجه بالفعل خطر المجاعة، مثل نيجيريا والصومال؛ حيث يؤدي ارتفاع قيمة الدولار إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والأدوية المستوردة، فيما يعمل الدولار القوي على دفع الأرجنتين ومصر وكينيا المُثقَلة بالديون إلى الاقتراب من التخلف عن السداد، ويهدد بتثبيط الاستثمار الأجنبي في الأسواق الناشئة، مثل الهند وكوريا الجنوبية. وقد وجد بحث جديد حول تأثير الدولار القوي على الدول الناشئة أنه يعرقل التقدم الاقتصادي في جميع المجالات.

5– إجراء معظم المعاملات المالية الدولية بالدولار الأمريكي: الولايات المتحدة قوة عظمى تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، وعندما يتعلق الأمر بالتمويل والتجارة العالميَّيْن، فإن تأثيرها ضخم للغاية؛ وذلك لأن الدولار هو عملة الاحتياط الرئيسية في العالم، والعملة التي تستخدمها الشركات المتعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية في أغلب الأحيان، لتسعير السلع وتسوية الحسابات، كما تميل أسعار الطاقة والغذاء إلى أن تُسعَّر بالدولار عند شرائها وبيعها في السوق العالمية، وكذلك الكثير من الديون المستحقة على الدول النامية. والنتيجة أن ما يقرب من 40% من المعاملات العالمية تُجرَى بالدولار، سواء كانت الولايات المتحدة طرفاً فيها أم لا؛ وذلك وفقاً لدراسة أجراها “صندوق النقد الدولي”.

6– الدولار هو رمز الاستقرار والأمن في ظل حالة التوتر العالمي: ففي عالم يسوده القلق، كان الدولار رمزاً تقليدياً للاستقرار والأمن كلما ساءت الأمور، وهو ما اتخذ بُعداً جديداً مع سلسلة الأزمات التي هزَّت العالم في الفترة الأخيرة، بما في ذلك جائحة الفيروس التاجي، وخنق سلاسل التوريد، والحرب الروسية الأوكرانية، وسلسلة الكوارث المناخية التي عرقلت إمدادات الغذاء والطاقة في العالم؛ حيث ازداد عدد الأشخاص – وليس الدول فقط – الذين يُحوِّلون مدخراتهم إلى الدولار. علاوةً على ذلك، فإن التوقعات الاقتصادية في الولايات المتحدة، مهما كانت ضبابية، لا تزال أفضل من توقعات معظم المناطق الأخرى.

7– ارتفاع أسعار الفائدة يجعل الدولار أكثر جاذبيةً للمستثمرين: ذلك أن رفع أسعار الفائدة يضمن عائداً أفضل، وهذا بدوره يعني توجُّه المستثمرين نحو تقليص نشاطهم في الأسواق الناشئة؛ ما يفرض مزيداً من الضغوط على تلك الاقتصادات. وفي المقابل، فإن التسلسل غير المعتاد للأحداث، الذي أدى إلى ضعف الطلب العالمي، يجعل الأمور أكثر سوءاً بالنسبة إلى البلدان التي قد تكون غير قادرة على الاستفادة من انخفاض قيمة العملة لتصدير المزيد من سلعها الخاصة، التي أصبحت أرخص، ومع ذلك يظل متعيناً عليهم دفع المزيد مقابل الواردات الأساسية، مثل النفط أو القمح أو الأدوية، وكذلك فواتير القروض المُستحقَّة من ديون بمليارات الدولارات.

8– تأثير تراكمي لرفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة: هناك أيضاً تأثير تراكمي لرفع أسعار الفائدة أمريكياً حتى في الدول التي لا يكون فيها التضخم مرتفعاً؛ حيث تشعر البنوك المركزية بالضغط لرفع أسعار الفائدة لدعم عملاتها ومنع أسعار الواردات من الارتفاع الكبير؛ وذلك ما يُفسِّر رفع دول الأرجنتين والفلبين والبرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا والإمارات العربية والسويد وسويسرا والمملكة السعودية وبريطانيا والنرويج أسعار الفائدة في الأسبوع الماضي.

خسائر عالمية

ختاماً، على ضوء ما سبق، جاء تحذير البنك الدولي، في سبتمبر 2022، من أن الزيادات المتزامنة في أسعار الفائدة تدفع العالم نحو الركود والدول النامية نحو سلسلة من الأزمات المالية التي من شأنها إلحاق “ضرر دائم”، لكن رغم الألم الذي يُسبِّبه الدولار القوي، لا يزال معظم الاقتصاديين يجادلون بأن النتيجة العالمية ستكون أسوأ إذا فشل بنك الاحتياطي الفيدرالي في وقف التضخم في الولايات المتحدة، غير أن العولمة المالية والتجارية جعلت الاقتصادات أكثر ترابطاً مما كانت عليه في أي وقت مضى؛ وذلك ما يجعل هناك حاجة إلى تعاون أوثق بين الولايات المتحدة وغيرها من الدول لحل تلك المعضلة.

المصادر:


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%82%d9%88%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1/