كيان بديل:

ما أهداف "ماكرون" من تأسيس المنتدى الإسلامي في فرنسا؟
كيان بديل:
8 فبراير، 2022

أعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، في 5 فبراير 2022، عن تشكيل “المنتدى الإسلامي الأول في فرنسا”، ليحل محل “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”، فيما اعتبرته بعض التحليلات محاولة من “ماكرون” لإنشاء كيان لتمثيل الإسلام الفرنسي، من خلال عضوية 100 شخصية ذات حيثية ثقافية ودينية فرنسية، وربعهم من النساء، وإن كان ثمة غموض حول الشخصيات المختارة لعضوية المنتدى، الذي يبدو أنه سيكون بمنزلة الوريث الحكومي للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي يرجع تأسيسه إلى عام 2003، مع رغبة حكومية بقيادة “ماكرون” ليكون كياناً ممثلاً للفئات والطوائف الإسلامية الفرنسية، تقوم من خلاله الحكومة الفرنسية بتوطين وظائف الشيوخ والأئمة بفرنسا، والخروج من هيمنة الأئمة الأجانب المرتبطين بتركيا ودول الشمال الإفريقي بدرجة أساسية، وكذلك الترويج لقانون “مناهضة الانفصالية” الذي ترفضه قطاعات واسعة من المسلمين الفرنسيين، وإن كان البعض يرفض الكيان الجديد باعتباره أداة سياسية للتضييق على مسلمي فرنسا والترويج لسياسات الرئيس “ماكرون” بما يخدمه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

معلومات شحيحة

مع إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تأسيس “المنتدى الإسلامي الأول في فرنسا”، ككيان جديد بديل عن “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”؛ تتمثل أبرز المعلومات المتوافرة عن الكيان الجديد في عدد من النقاط، يمكن بيانها على النحو الآتي:

1– كيان مختار حكومياً من 100 عضو ربعهم من النساء: أعلنت الحكومة الفرنسية أنها ستحرص على اختيار جميع أعضاء “المنتدى الإسلامي الأول” في فرنسا، بالتعاون مع المقاطعات الفرنسية، وسيتكون المنتدى من 100 عضو. وقد أشارت العديد من المواقع الإخبارية إلى أن عضوية “المنتدى الإسلامي الأول” ستتضمن عدداً من رجال الدين وأعضاء فاعلين في المجتمع المدني والصحافة ورجال أعمال مسلمين؛ هذا مع توقع أن تمثل النساء نسبة 25% من عضوية المجلس.

2– غموض حول الشخصيات المختارة لعضوية المنتدى: على الرغم من عدم الإعلان الرسمي عن أسماء وهوية أعضاء هذا المنتدى، فإن المصادر الأولية تؤكد أن الحكومة الفرنسية قد قامت بالفعل باختيار 100 عضو من عدد من القوائم التي قُدمت للحكومة من قبل المقاطعات الفرنسية المختلفة، التي قامت بدورها بإجراء محاورات واستطلاعات رأي ميدانية؛ لمعرفة أبرز رجال الدين والشخصيات الفاعلة في المجتمعات الإسلامية بفرنسا. وقد تم تقسيم هؤلاء الأعضاء للعمل والتشاور ضمن أربع مجموعات. ويركز عمل هذه المجموعات على كيفية تأهيل الأئمة، واحترام تطبيق القوانين العامة في الدولة، خاصة قانون “مناهضة الانفصالية” الذي أقره البرلمان الفرنسي خلال الصيف الماضي، وهو القانون الذي يقر عدداً من الإجراءات لتنظيم ومراقبة عمل المساجد والمدارس والأندية المرتبطة بالجالية المسلمة.

3– وراثة دور المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية: سيقوم المنتدى بالأدوار التي كان يقوم بها “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” من إشراف على المساجد والفعاليات التي تنظمها الجالية المسلمة، بالإضافة إلى العمل على إدارة الحوار مع الحكومة الفرنسية، لتمثيل مطالب ومصالح الجالية المسلمة هناك، مع عقد اجتماعات سنوية لوضع خطة عمل عامة للمنتدى بما يحاكي مطالب واحتياجات الجالية المسلمة الضخمة في فرنسا.

4– كيان ممثل للفئات والطوائف الإسلامية الفرنسية: من شأن المنتدى الجديد –وفقاً لرؤية الحكومية في باريس– تمثيل جميع مطالب الفئات والطوائف الإسلامية المختلفة المقيمة في فرنسا، بعيداً عن النفوذ والتبعية الخارجية. فقد ساهمت بعض الفيدراليات الإسلامية الوطنية التي انطوت تحت لواء “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” –على حد قول بعض المسؤولين الفرنسيين– في تعزيز نفوذ الدول الأجنبية التي تمثلها، وعلى رأسها المغرب والجزائر وتركيا، بالإضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين. فيما تحركت تيارات أخرى داخل المجلس لتصفية حساباتها وخدمة مصالحها الخاصة، متجاوزةً بذلك المصلحة العامة للمسلمين التي تعتبر نواة إنشاء هذا المجلس؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت بعض الفيدراليات الإسلامية الممثلة للمغرب، بمهاجمة الفيدراليات الجزائرية؛ وذلك على خلفية الخلافات الحدودية التي تصاعدت بين الجزائر والرباط خلال الفترة الأخيرة.

اعتبارات متباينة

ومن خلال الإعلان الأوَّلي عن تشكيل “المنتدى الإسلامي الأول في فرنسا”، يمكن استعراض أبرز المهام والأهداف التي يبدو أن الرئيس “ماكرون” يسعى إلى إنجازها عبر الكيان الجديد، في محاولة لما يراه تصحيحاً لمسار “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”؛ وذلك على النحو الآتي:

1– سد حاجات المجتمع الإسلامي الفرنسي: سيقوم “المنتدى الإسلامي الفرنسي” بتبني عدد من البرامج والإجراءات المرتبطة بسد احتياجات المجتمع المسلم في فرنسا، مع التركيز على أربع مواضيع رئيسية: 1) طريقة استقدام وتعيين وإعداد أئمة المساجد. 2) الميزانية الخاصة بالمنظمة، وكيفية تمويل الأنشطة المرتبطة. 2) تنظيم الممارسات والشعائر والأنشطة والمدارس الدينية في الداخل الفرنسي. 4) علاقة الجالية المسلمة بالدولة الفرنسية، والقوانين المنظمة لهذه العلاقة.

2– توطين وظائف الشيوخ والأئمة بفرنسا: يتضمن مشروع “ماكرون” تدابير على رأسها، تدريب الأئمة في فرنسا بدلاً من استقدامهم من تركيا أو المغرب أو الجزائر، وهي الخطة التي يوافق عليها العديد من المسلمين، كما أنه يكسر القيادة المركزية لرجال الدين، للجالية المسلمة في فرنسا. ويضاف إلى ذلك العمل على استحداث آليات فعالة لضمان استمرارية أنشطة هذا المنتدى ووجود الدعم المالي الكافي لها، خاصةً أن “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” كان يتبنى خطة تمويل ذاتية، تعتمد على تحصيل أموال الزكاة، وإقامة الأسواق الحلال العامة الإسلامية، إلا أن هذه الخطة لم تكلل بالنجاح؛ بسبب الخلافات القائمة بين الفيدراليات الإسلامية المختلفة الممثلة في المجلس، وضعف العوائد القادمة من هذه المصادر.

مسألة تنظيم الشعائر والممارسات الدينية تحظى بأهمية خاصة على خطة عمل “المنتدى الإسلامي الأول” في فرنسا، خاصةً أن “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” كان يعاني من صفة تمثيلية متدنية؛ إذ إن أقل من 50% بقليل من 2500 مسجد في فرنسا منضوية تحت مظلته؛ لذا تستهدف الحكومة الفرنسية أن يعمل المنتدى على تمثيل جميع الفئات والطوائف المسلمة في الداخل، فيسهل عليه تنظيم الشعائر والممارسات الدينية المرتبطة بهذه الجالية.

3– الترويج لقانون “مناهضة الانفصالية” في فرنسا: تسعى حكومة الرئيس “ماكرون” من خلال المنتدى الجديد إلى إحداث نوع من التوافق والالتزام التام بقانون “مناهضة الانفصالية”، الذي رفضته وعارضته عدد من الفيدراليات المسلمة، خاصةً التابعة لتركيا، كما ترى الحكومة أن من الضروري العمل على وضع آليات لحماية الجالية المسلمة من التمييز، بالإضافة إلى منع تسلل الفكر الجهادي الراديكالي المتطرف إلى صفوف أعضاء هذه الجالية، وتجنب تكرار سيناريو تنظيم الدولة؛ فقد انضم عدد كبير من أبناء الجالية المسلمة في فرنسا إلى التنظيم خلال فترة نشاطه في سوريا والعراق. وعقب القضاء بدرجة كبيرة على التنظيم، عانت فرنسا من معضلة جديدة تتمثل في كيفية التعامل مع مواطنيها العائدين من سوريا والعراق. ويضاف إلى ذلك الأحداث الإرهابية التي شهدتها فرنسا، التي تسببت في تعزيز حالة عدم الاستقرار واضطراب العلاقة بين المجتمع الفرنسي والحكومة الفرنسية وبين الأقلية المسلمة.

4– اعتبار المنتدى أداة سياسية ضد مسلمي فرنسا: على الرغم من ترحيب قطاع عريض بإعلان الرئيس الفرنسي عن تشكيل هذا المنتدى في الخامس من فبراير 2022، خلال لقاء جمعه بممثلين عن الجالية المسلمة في فرنسا، منهم رئيس “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” “محمد موسوي”، الذي صرح بأن مؤسسته لم تعد قابلة للاستمرار، وينبغي أن تحل نفسها، على الرغم من كل ذلك فإنه توجد بعض الانتقادات لهذه الخطوة.

فمن ناحية يرى البعض أن هذه الخطوة ما هي إلا استمرار لسياسة اضطهاد الجالية المسلمة في فرنسا، وتضييق الخناق عليها، تحت دعوى الحماية والتجديد. كما توجد أصوات تؤكد أن مبادرة الحكومة الأخيرة تشكل خطوة أخرى في مجال التمييز المؤسسي الذي يُحمِّل المجتمع ككل المسؤولية عن الهجمات العنيفة التي يشنها عدد قليل من الناس، ويعمل كحاجز آخر في حياتهم العامة.

وأخيراً؛ يرى البعض أن الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها خلال هذا العام في فرنسا، هي المحرك الرئيسي لمثل هذه الخطوة؛ حيث يسعى الرئيس “ماكرون” سعياً حثيثاً إلى كسب أصوات اليمين المتطرف. وأفضل وسيلة لتحقيق هذه الغاية هي مهاجمة الجالية المسلمة، والتضييق على أنشطتها في الداخل. ومن هنا يأتي الهدف من الإعلان عن “المنتدى الإسلامي الأول” في هذا التوقيت، وفقاً لمُعارِضي هذه الخطوة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%83%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84/