لحظة السيادة:

لماذا تعجز شركات التكنولوجيا الكبرى عن منافسة الدول القومية؟
لحظة السيادة:
11 نوفمبر، 2021

عرض: صباح عبد الصبور

في حين تذهب بعض الاتجاهات إلى أن شركات التكنولوجيا العالمية ستقلص من حظوظ الدولة القومية، وستكون لها اليد العليا في تشكيل النظام العالمي الجديد مستقبلاً؛ اضطلع “ستيفن والت”، المفكر السياسي الأمريكي والخبير المتخصص في العلاقات الدولية، عبر مقال نشره موقع “فورين بوليسي”، في 8 نوفمبر 2021، بالرد على تلك الأفكار التي يقدمها الطرح الداعم لاحتمالية تشكيل شركات التكنولوجيا للنظام العالمي من خلال تحول تلك الشركات إلى فواعل قوية ومستقلة، وخلق شركات التكنولوجيا للفضاء الرقمي، وممارستها شكلاً من أشكال السيادة، واستند “والت” في رده على تلك المقولات على بعض المحددات التي تدعم وجهة نظره بشأن تفوق الفضاء المادي على الفضاء الرقمي، ومن ذلك استحالة وجود حياة بدون الفضاء المادي، وقدرة الإنسان على العيش دون فضاء رقمي، كما أن الدول تظل هي الشكل السياسي المهيمن في العالم، وقدرة معظم الدول على توفير الأمن لشعوبها، واستقواء الشعوب بالحكومات وقت الأزمات، ووضع الحكومات للقواعد المنظمة للشركات، ومن بينها شركات التكنولوجيا، وتمتع الدول بحق حصري لاستخدام القوة. ويمكن استعراض أبرز ما جاء في مقال “ستيفن والت”، على النحو التالي:

اللحظة التكنولوجية

تطرّق “والت” في بداية المقال إلى عرض الأفكار التي يقدمها الاتجاه الداعم لاحتمالية تشكيل شركات التكنولوجيا للنظام العالمي الجديد، وتجاوزها للدولة القومية كفاعل رئيسي في العلاقات الدولية الراهنة. وتتضح أبرز تلك الأفكار التي استندت إليها تلك المقولات عبر ما يلي:

1- تحول الشركات لفواعل قوية ومستقلة: تحدث المقال في البداية عن مقال للكاتب “إيان بريمر” في مجلة “فورين أفيرز” حمل عنوان “اللحظة التكنولوجية: كيف ستعيد القوى الرقمية تشكيل النظام العالمي”. وأوضح التقرير أن “بريمر” يجادل في هذه المقالة بأنه لا يمكن استبعاد احتمال تشكيل شركات التكنولوجيا للنظام العالمي. وأشار التقرير إلى أن “بريمر” ذكر في تحليله أن شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل: فيسبوك، وآبل، وجوجل، وأمازون، وعلي بابا، وهواوي، وتينسنت) أصبحت فواعل قوية ومستقلة بشكل متزايد عن الجغرافيا السياسية.

2- خلق شركات التكنولوجيا للفضاء الرقمي: أضاف التقرير أن “بريمر” يعتقد أن هذه الشركات خلقت “بُعداً جديداً في الجغرافيا السياسية، وهو الفضاء الرقمي، الذي تمارس عليه تأثيراً أساسياً”. ووفقاً للتقرير، يرى “بريمر” أن “هذه الشركات تسيطر -إلى حد كبير- على كيفية قضاء الناس لوقتهم، والفرص المهنية والاجتماعية التي يسعون إليها، وما يفكرون فيه”.

3- ممارسة الشركات شكلاً من أشكال السيادة: بحسب التقرير، أشار “بريمر” إلى أن هذه الشركات “تمارس بالفعل شكلاً من أشكال السيادة”. وطبقاً للتقرير، وضع “بريمر” ثلاثة بدائل أو أشكال لما ستكون عليه البيئة الجيوسياسية المستقبلية، وهي: الشكل الذي تسود فيه الدولة، والشكل الذي تنتزع فيه الشركات السيطرة على الفضاء الرقمي من الدولة، والشكل الذي تتلاشى فيه الدولة. ورغم أن التقرير يعارض وجهة النظر التي وردت في هذا المقال؛ إلا أنه أوصى بقراءته باعتباره مقالاً ذا نظرة مستقبلية، ويربط التجارة بالسياسة والتكنولوجيا. ورأى التقرير أن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تتمتع بنفس القوة أو الاستقلالية التي أشار إليها “بريمر”. كما رأى التقرير أن الشركات لن تحل محل الدولة القومية في أي وقت في المستقبل.

وَهْمُ الهيمنة

حرص التقرير على تفنيد الاختلافات الأساسية بين الفضاء المادي والفضاء الرقمي، والتي رأى أنها تؤكد حتمية الأول واختيارية الثاني، الأمر الذي يعني -من وجهة نظر الكاتب- استحالة تجاهل الشركات التكنولوجية لدور وسيادة الدولة القومية، وعدم قدرتها على الاضطلاع ببناء نمط النظام العالمي الجديد، بما يمكن تسميته “وهم الهيمنة التكنولوجية”، وذلك على النحو التالي:

1- استحالة وجود حياة بدون الفضاء المادي: أوضح التقرير أن الفضاء المادي مألوف وملموس، ويمثله الهواء والماء والغذاء والأرض الصالحة للزراعة والبيئة التي نسكن ونعمل فيها. وأشار التقرير إلى أن الفضاء المادي ضروري لحياة الإنسان، وأنه لا يمكن للجنس البشري أن يأكل أو يتنفس أو يتكاثر أو يفعل أشياء كثيرة بدون الفضاء المادي. وأضاف التقرير أنه لا يمكن تصفح الإنترنت أو ممارسة لعبة على الواقع الافتراضي بدون مكان للجلوس فيه وتوصيل جهاز الكمبيوتر.

ووفقاً للتقرير، فإن اعتماد البشر الضروري على البيئة المادية هو سبب سيطرتهم على الأراضي وعلى الطرق البحرية والموارد المادية الأخرى، ولهذا السبب أنشأت الدول حدوداً، وابتكرت مؤسسات لتنظيم السلطة السياسية على الأراضي الصالحة للسكن التي نعيش فيها. وبحسب التقرير، فإن عدم القدرة على الاستغناء عن الفضاء المادي هو السبب في أن قضية تغير المناخ تلوح في الأفق اليوم.

2- قدرة الإنسان على العيش دون فضاء رقمي: طبقاً للتقرير، لا يوجد شيء في الفضاء الرقمي ضروري لحياة الإنسان. ونوه التقرير إلى أنه إذا كانت عناصر الفضاء الرقمي المختلفة مفيدة ومنتشرة في كل مكان ومغرية، وفي كثير من الحالات تعزز الحياة؛ لكنها ليست ضرورية تماماً. ودلل التقرير على ذلك بأن البشرية تمكنت من البقاء على قيد الحياة والتكاثر إلى أن وصلت إلى أكثر من 8 مليارات شخص بدون أجهزة الكمبيوتر المحمولة، أو الهواتف الذكية، أو فيسبوك، أو أي من العناصر الأخرى للفضاء الرقمي.

3- ارتباط وجود الفضاء الرقمي بالفضاء المادي: أكد التقرير أن “بريمر” نفسه اعترف بأنه “لا تستطيع التكنولوجيا فصل نفسها عن الفضاء المادي”. وشدد التقرير على ضرورة وضع الخوادم التي تستخدمها شركات التكنولوجيا في مكان ما، على أرض دولة ما، واتصال تلك الشركات بشبكات الطاقة الموجودة، والتي تقع تحت سيادة الدول القومية، كما يعيش الفنيون والمهنيون العاملون في مجال التكنولوجيا بأماكن محددة تخضع للسلطة السياسية لدول ما، الأمر الذي يعني في الأخير أن كل مكونات الشركات التكنولوجية؛ البشرية والفنية والمادية هي خاضعة في الأخير لسلطة الدول القومية.

4- إمكانية التكيف مع عدم وجود فضاء رقمي: بحسب التقرير، حتى الطوباويون التقنيون يتعين عليهم بناء مخابئهم للبقاء على قيد الحياة داخل حدود بلد حقيقي ووفقاً لقوانين هذا البلد. وشدد التقرير على أنه من السهل تخيل حياة الإنسان بدون الفضاء الرقمي، في حين لا يمكن تخيل الحياة بدون البيئة المادية التي تطور فيها البشر. وأوضح التقرير أن كل ما علينا فعله هو التفكير فيما كانت عليه الحياة قبل بضعة عقود.

وطبقاً للتقرير، لا يعني ما ذُكر أن المجال الرقمي ليس مهماً. وأوضح التقرير أن الاقتصاد العالمي سيعاني كثيراً إذا انهار الفضاء الرقمي غداً، وعاد الناس إلى البريد العادي والطرق التقليدية الأخرى التي سبقت الأجهزة الرقمية لممارسة الأعمال التجارية. لكن التقرير يرى أنه حتى في حالة حدوث هذا الأمر فإن الحضارة لن تنهار، وأنه من المحتمل أن يتكيف الجنس البشري بسرعة مع ذلك.

الرقم الصعب

قدم التقرير مجموعة من الأسباب والدلائل التي تدعم وجهة نظر “ستيفن والت” بأن الدولة القومية ستظل هي الشكل السياسي المهيمن في العالم، اليوم ومستقبلاً، على الرغم من الصعود المهم والمؤثر لأدوار شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى، ويتضح ذلك عبر ما يلي:

1- قدرة معظم الدول على توفير الأمن لشعوبها: أوضح التقرير أن عدد الدول المستقلة زاد بشكل مطرد منذ عام 1945، وذلك في ضوء التطلع المستمر من جانب الجماعات العرقية والقومية المختلفة إلى الأمن والاستقلال الذي لا يمكن أن يوفره إلا وجود الدولة. ووفقاً للتقرير، إن كانت بعض الدول لا تحمي سكانها بشكل جيد، لكن معظم الدول تقوم بتوفير الأمن لشعوبها.

2- استقواء الشعوب بالحكومات وقت الأزمات: بحسب التقرير، عندما تنشأ حالات الطوارئ، مثل أحداث 11 سبتمبر 2001، والأزمة المالية لعام 2008، أو أي حدث مناخي كارثي؛ لا يقوم الناس بالاتصال بـ”تيم كوك” الرئيس التنفيذي لشركة آبل، أو “سيرجي برين” أحد مؤسسي جوجل لحل المشكلة؛ بل يلجؤون إلى الحكومات.

3- وضع الحكومات للقواعد المنظمة للشركات: طبقاً للتقرير، حتى اليوم يتم تنظيم الشركات والبنوك والمنظمات غير الحكومية وشركات التكنولوجيا الكبرى من خلال القواعد التي تسنها الحكومات وتنفذها. ونوه التقرير إلى أنه إذا كانت الشركات تتمتع بامتيازات معينة، مثل المسؤولية المحدودة أو الشخصية الاعتبارية أو الحماية، فإن ذلك يحدث لأن الحكومات منحتها هذه الامتيازات.

4- تمتع الدول بحق حصري لاستخدام القوة: شدد التقرير على أن الدول تتحكم أيضاً في السلاح النهائي، وهو الاستخدام المشروع للقوة. ووفقاً للتقرير، الدول هي التي تقرر متى يمكنها استخدام القوة، ومن يجب أن يُتخذ القرار، وعندما تفعل ذلك فإن المواطنين في كل بلد تقريباً ينصاعون للقرار. وأوضح التقرير أنه -في المقابل- لا توجد شركات تتمتع بنفس القوة. وبحسب التقرير، سيتم اعتقال مسؤولي الشركات إذا حاولوا استخدام القوة لحماية حصتهم في السوق.

5– امتلاك الدول لصفات السيادة والسلطة: رأى التقرير أن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تمتلك السيادة التي تمتلكها الدول، أو السلطة والقدرة على فعل كل ما هو ضروري للدفاع عن نفسها. وطبقاً للتقرير، على الرغم من أن الدول تقوم في بعض الأحيان بخرق القانون والقيام بأشياء مروعة باسم الأمن القومي؛ إلا أنه لا يوجد لدى مالكي الشركات أي شيء من هذا القبيل.

قصور مزمن

أوضح التقرير أنه من الممكن أن تكون شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم ظاهرة جديدة تماماً، وأن الحكومات بمختلف أنواعها -المتحضرة والفاسدة والجاهلة منها- لن تكون قادرة أو غير راغبة في كبح جماحها. لكن التقرير أشار إلى أمثلة تاريخية وحالية تجعل هذا الأمر محل شك، في ضوء اعتبارات تتعلق بظاهرة القصور المزمن لتلك الشركات، ويرتبط بذلك ما يلي:

1- التراجع الحتمي في قدرات الشركات العملاقة: أشار التقرير إلى أن شركة الولايات المتحدة للصلب كانت منتشرة بشكل لافت في أوائل القرن العشرين على غرار بعض شركات التكنولوجيا اليوم. وأضاف التقرير أن هذه الشركة كانت تمثل ثلثي إنتاج الصلب في الولايات المتحدة في عام 1901. ووفقاً للتقرير، وعلى الرغم من ذلك، فإن حصة الشركة من استهلاك الصلب المحلي اليوم هي 8 % فقط. وتساءل التقرير عن إمكانية مواجهة شركات التكنولوجيا الكبرى لمصير مشابه.

2- عجز الشركات عن مواصلة الأدوار الاحتكارية: بحسب التقرير، لم يكن لدى أي أمريكي في عام 1950 أجهزة تليفزيون تقريباً، لكن بحلول عام 1960، امتلك أكثر من 80% من الأسر الأمريكية جهاز تليفزيون. وطبقاً للتقرير، كان مصدر المحتوى المؤثر ثلاث شركات تكنولوجية كبرى، هي NBC وCBS وABC. ونوه التقرير إلى أنه كان لدى الأمريكيين خيار من ثلاثة مصادر رئيسية فقط، والتي بدورها كان لها تأثير هائل على ما يعرفه الأمريكيون ويفكرون فيه. وتساءل التقرير عن مدى إمكانية تواجد شركات تكنولوجية كبرى لها نفس الطابع الاحتكاري في الوقت الحالي.

3- قدرة الدول على فرض سلطتها على الشركات: أوضح التقرير أن الصين شنت بالفعل حملة صارمة على قطاع التكنولوجيا لديها، وأن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” يتحرك في هذا الاتجاه أيضاً. وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة بدأت في اتّباع النهج نفسه تقريباً. ودلل التقرير على ذلك بقيام إدارة “بايدن” بإدراج مجموعة برامج التجسس الإسرائيلية NSO في القائمة السوداء، على الرغم من العلاقة الوثيقة مع تل أبيب. وأكد التقرير أن البيئة المفتوحة وغير المقيدة التي نمت فيها هذه الشركات آخذة في الاختفاء، وأن الدول في جميع أنحاء العالم تؤكد سلطتها على مجموعة واسعة من الأنشطة في الفضاء الرقمي.

وشدد التقرير على أن تنظيم الفضاء الرقمي لا يعني القضاء عليه تماماً، أو إنهاء جميع الابتكارات في هذا المجال. ووفقاً للتقرير، إذا تم الأمر بشكل صحيح، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى زيادة الابتكار عن طريق تفكيك احتكارات شركات التكنولوجيا الكبرى، وفي الوقت نفسه حماية المجتمع ككل من التأثيرات السلبية لتلك الشركات.

وختاماً، أوضح التقرير أن التكنولوجيا الرقمية تؤثر على حياة البشر بطرق لا تعد ولا تحصى. وتوقع التقرير استمرار هذا الأمر في السنوات القادمة. لكن التقرير أشار إلى أن هذه الثورات العلمية أو التكنولوجية لم تغير الخريطة الجيوسياسية، ولم تقلل من أهمية الحدود، ولم تحول مليارات الأشخاص من مواطني بلد معين إلى مواطنين عالميين. وأكد التقرير على أنه من النادر صمود أي شركة لمدة قرن كامل، لكنه شدد على أن الدول تعيش لفترات طويلة.

المصدر:

-Stephen M. Walt, Big Tech Won’t Remake the Global Order, Foreign Policy, November, 2021, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2021/11/08/big-tech-wont-remake-the-global-order/


https://www.interregional.com/%d9%84%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af%d8%a9/