مأزق جونسون:

كيف تؤثر نتائج الانتخابات المحلية على المشهد السياسي في بريطانيا؟
مأزق جونسون:
12 مايو، 2022

جاءت الانتخابات المحلية في بريطانيا التي جرت في الخامس من مايو الجاري، لتحمل معها مؤشرات على إمكانية حدوث تغيرات كبيرة قد تدفع باتجاه إعادة رسم الملامح والخارطة السياسية بالمملكة المتحدة؛ وذلك بعد أن خسر حزب المحافظين بقيادة رئيس الوزراء “بوريس جونسون” نحو 131 مقعداً، في مقابل تحقيق أحزاب العمال، والليبراليين الديمقراطيين، والخضر، نجاحات نسبية وفق النتائج التي تم الإعلان عنها، بما يُعزز حضورهم ونفوذهم السياسي.

خارطة جديدة

حملت نتائج الانتخابات المحلية البريطانية مؤشرات على حدوث متغيرات على الخارطة السياسية في البلاد، ويمكن تناول أبرز هذه المؤشرات على النحو الآتي:

1– خسارة المحافظين معاقل تقليدية: أظهرت نتائج الانتخابات المحلية خسارة حزب المحافظين بقيادة رئيس الوزراء “بوريس جونسون”، نحو 485 مقعداً، وحصوله على 1403 مقاعد بالإجمال؛ حيث خسر الحزب عدداً من المجالس المهمة، بما في ذلك بمنطقة وستمنستر التي تقع فيها مقرات رئيس الوزراء والوزارات الأساسية، التي لم يخسر فيها المحافظون منذ عام 1964، كما خسر الحزب في بارنت شمال لندن ومجلس واندزوورث جنوب العاصمة، وهو المجلس المُفضَّل لرئيسة الوزراء الراحلة مارجريت تاتشر، لكنه في المقابل حافظ على سيطرته على بعض الدوائر المهمة في الشمال.

2– صعود أحزاب المعارضة: في ذات السياق، أشارت نتائج الانتخابات إلى حصول حزب العمال المعارض على المزيد من المقاعد في الانتخابات الجارية ليصبح إجمالي عدد مقاعد الحزب 3073؛ حيث فاز الحزب بساوثامبتون في جنوب إنجلترا، وإن كانت النتائج تُشير إلى تحقيق حزب العمال مكاسب محدودة خارج إطار العاصمة لندن، في مؤشر على عدم استفادة الحزب من تراجع شعبية المحافظين في عدد من الولايات خارج لندن. فيما حصل حزب الليبراليين الديمقراطيين على إجمالي مقاعد 868 مقعداً، وكذلك حصد حزب الخضر على إجمالي مقاعد 159 مقعداً.

3– فوز تاريخي لـ”شين فين” القومي: حقق حزب “شين فين” القومي المؤيد لإعادة “توحيد الجزيرة الأيرلندية” الذي يُعد الجناح السياسي لـ”الجيش الجمهوري الأيرلندي”، أول فوز انتخابي له في أيرلندا الشمالية، منذ 100 عام؛ حيث تقدم “شين فين” على منافسه “الحزب الوحدوي الديمقراطي” المؤيد للتاج البريطاني بـ27 مقعداً في مقابل 25، وهو مُتغير ونتيجة تُعتبر الأهم على مستوى نتائج الانتخابات المحلية البريطانية، في ضوء ما سيتمخض عنها من تداعيات محتملة، خصوصاً مع النزعات الانفصالية التي تُسيطر على الحزب.

دلالات جوهرية

حملت نتائج الانتخابات المحلية البريطانية جُملة من الدلالات، وهو ما يمكن تناوله على النحو الآتي:

1– تصاعد ظاهرة التصويت العقابي ضد المحافظين: عكست نتائج الانتخابات المحلية البريطانية أن قطاعات عديدة من البريطانيين مُحملون بخيبة أمل كبيرة من حزب المحافظين؛ ما دفعهم إلى التصويت عقابياً ضد “جونسون” وحزبه. ويبدو أن هذا التصويت جاء مدفوعاً بكون “جونسون” أول زعيم بريطاني في الذاكرة الحية يُدان قانونياً أثناء وجوده في منصبه، بعد أن تم التحقيق معه من قبل جهاز الشرطة وتغريمه الشهر الماضي؛ بسبب حضوره حفل عيد ميلاد في مكتبه في عام 2020، بما يخالف قواعد التباعد الاجتماعي المعمول بها آنذاك للحد من انتشار كورونا.

2– إخفاق الحكومة في القضايا الاقتصادية–الاجتماعية: بالإضافة إلى ما سبق، يبدو أن خسارة الحزب هيمنته في واندزوورث وبارنت ووستمنستر، هي رد فعل على فشل حزب المحافظين وجونسون، في الوفاء بالوعود التي قطعوها بتحسين الأوضاع المعيشية للسكان؛ حيث زادت الأوضاع سوءاً؛ إذ ارتفعت أسعار الكهرباء بمعدلات كبيرة، ووصل التضخم إلى مستوى قياسي بنسبة 7% لأول مرة منذ نحو 30 عاماً، مع توقعات من البنك المركزي البريطاني بارتفاع نسبة التضخم إلى 10% بنهاية العام الحالي، وتحمل الانتخابات المحلية برمتها تأكيداً لطغيان القضايا الاقتصادية والاجتماعية على اتجاهات تصويت البريطانيين.

3– عدم استفادة المعارضة من تراجع الحزب الحاكم: على الرغم من الخسارة التي تكبَّدها حزب المحافظين، والمكاسب النسبية التي حققتها المعارضة، فإن نتائج الانتخابات المحلية عكست عدم استفادة أحزاب المعارضة – وعلى رأسها العمال – من تراجع شعبية حزب المحافظين، وهو ما يتجسَّد في أمرين: الأول استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات، والتي ذهبت إلى احتمال خسارة المحافظين 800 مقعد، والثاني فوز المحافظين في مناطق محسوبة على حزب العمال، وعلى وجه الخصوص ميدلاندز وشمال إنجلترا، وهي المناطق الصناعية “المحسوبة” على “حزب العمال”، المعروفة باسم “الجدار الأحمر”.

4– تركيز “شين فين” على المطالب المحلية: من الاعتبارات الرئيسية التي يمكن في ضوئها فهم الصعود التاريخي لحزب “شين فين” في أيرلندا الشمالية، تركيز الحزب في حملته على القضايا المحلية المُلحَّة للسكان؛ حيث استقى الحزب شعارات حملته الانتخابية من المشاغل اليومية للناخبين، كتكلفة المعيشة والرعاية الصحية.

تداعيات محتملة

يمكن أن تحمل نتائج الانتخابات البريطانية مجموعة من التداعيات التي قد تدفع باتجاه تغيير المشهد السياسي في بريطانيا؛ وذلك على النحو الآتي:

1– إمكانية استقالة “بوريس جونسون”: ربما تدفع نتائج الانتخابات المحلية، والأوضاع في بريطانيا بوجه عام، بعض الدوائر إلى المطالبة باستقالة “بوريس جونسون”. وبالفعل دعا بعض المحافظين من رؤساء المجالس المحلية “جونسون” إلى الاستقالة بعد الأداء السيئ، وألقوا عليه اللوم في ذلك وخصوصاً بعد فرض غرامات عليه، ناهيك عن انتقاد طريقة إدارته أزمة غلاء المعيشة، وهو ما يعني ضمناً تحميلهم “جونسون” مسؤولية الفشل والأزمات التي تواجهها البلاد، فضلاً عن تحميله مسؤولية تراجع أداء المحافظين في الانتخابات المحلية، لكن مع ذلك ربما تُدافع بعض الدوائر داخل الحزب عن “جونسون” وتتمسك ببقائه في السلطة، مُحتجين بأن هذه النتائج مُتوقعة في منتصف الولاية، وأن هذه الأوضاع طبيعية في ضوء الأزمات العالمية الحالية، وانعكاساتها على بريطانيا.

2– تحريك المزيد من القضايا ضد رئيس الوزراء: تشير بعض التقديرات إلى أن خسارة المحافظين المجالس الرئيسية في لندن – حيث تم القضاء على المحافظين تقريباً – سوف تؤدي إلى زيادة الضغط على جونسون الذي يواجه احتمال تحريك المزيد من القضايا ضده، وفرض الشرطة مزيداً من الغرامات عليه؛ بسبب حضوره تجمعات أخرى في مخالفة لقواعد الإغلاق، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى المزيد من التقويض للصورة الأخلاقية لرئيس الوزراء، وبالتبعية حزب المحافظين.

3– عودة المطالب بتوحيد أيرلندا: سوف يؤدي فوز حزب “شين فين” القومي في أيرلندا الشمالية إلى عودة المطالب بتوحيد الإقليم مع جمهورية أيرلندا، وهو الأمر الذي بدأت بوادره سريعاً؛ حيث دعا الحزب في بيان له عقب الانتخابات الحكومتين البريطانية والأيرلندية إلى تحديد موعد لإجراء استفتاء بهذا الخصوص، كما اعتبرت زعيمة الحزب القومي “ميشيل أونيل” أن هذا الفوز “يمثل لحظة تغيير حاسمة ومهمة”، وأشارت إلى أن من شأن هذا الفوز أن يفتح “نقاشاً صادقاً” حول هدف الحزب المتمثل في توحيد الإقليم مع جمهورية إيرلندا، لكن مع ذلك فإن هذا الاستفتاء الذي يدعو إليه الحزب يخضع – وفقاً لاتفاق الجمعة العظيمة المبرم عام 1998 – لتقدير الحكومة البريطانية، ومن المحتمل ألا يجري قبل عدة سنوات، ومن ثم فإن ترجمة النصر التاريخي للحزب في الإقليم، سوف تتمثل في تشكيل حكومة محلية يتقاسم فيها القوميون والوحدويون السلطة على أن تترأسها “أونيل”.

في الختام، يمكن القول إن الانتخابات المحلية البريطانية حملت في مجملها تأكيداً لحالة السخط التي تسيطر على العديد من القطاعات البريطانية تجاه حزب المحافظين ورئيس الوزراء “بوريس جونسون”، خصوصاً في ضوء التهم التي تلاحق “جونسون” وفي ضوء فشل الحزب في الوفاء بوعوده الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث زادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً. وبناءً عليه قد تكون نتائج الانتخابات بمنزلة إنذار مبكر لرئيس الوزراء لاتخاذ إجراءات تصحح الأوضاع وتقطع الطريق أمام حدوث تغيرات جوهرية أو جذرية في المشهد السياسي البريطاني.


https://www.interregional.com/%d9%85%d8%a3%d8%b2%d9%82-%d8%ac%d9%88%d9%86%d8%b3%d9%88%d9%86/