مؤشرات مضللة:

كيف بالغ "معهد ستوكهولم" لسنوات في تقدير الإنفاق العسكري لإيران؟
مؤشرات مضللة:
11 مايو، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

عادةً ما تمثل بيانات الإنفاق العسكري واحدةً من القضايا الإشكالية، وخصوصاً في حالة دولة مثل إيران التي تتسم بيانات إنفاقها العسكري بدرجة كبيرة من السرية والغموض. وبالرغم من محاولة بعض المؤسسات تقديم تقديرات للإنفاق العسكري الإيراني، لا تزال هذه التقديرات موضع شكوك عديدة، وتثير تساؤلات مختلفة حول مدى إمكانية تعبيرها عن الواقع الفعلي للإنفاق. ولعل هذا ما يتناوله التقرير المنشور من قبل مؤسسة “بورس آند بازار” Bourse & Bazaar Foundation بعنوان “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بالغ لسنوات في تقدير الإنفاق العسكري لإيران”، في 5 مايو 2022، للمحلل “إسفنديار باتمانجليج” الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي للمؤسسة.

زيادة الإنفاق

يُشكِّل كتاب الإنفاق العسكري السنوي الصادر عن “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (SIPRI)، بحسب “باتمانجليج”، واحداً من أهم الإصدارات التي تتناول الإنفاق العسكري، لا سيما أن المعهد يهتم بإصدار البيانات الأكثر موثوقيةً حول الإنفاق العسكري العالمي وتجارة الأسلحة في العالم؛ إذ يقدم كتاب المعهد السنوي للقادة المدنيين والعسكريين في جميع أنحاء العالم، طريقة لمقارنة الإنفاق العسكري بين الدول، مع وضع مؤشرات لقياس ترتيب الدول التي تستثمر في قوة عسكرية أكبر.

ولكن اللافت في بيانات الكتاب لهذا العام، هو تقديمه بيانات مهمة حول الإنفاق العسكري الإيراني الذي يقدر بنحو 24.6 مليار دولار، مشيراً إلى أن “إيران زادت إنفاقها العسكري بنسبة 11%؛ ما يجعلها في المرتبة الـ14 من حيث الإنفاق العسكري في عام 2021، وهذه هي المرة الأولى منذ 20 عاماً التي تُصنَّف فيها إيران بين أكبر 15 منفقاً على الجيش”.

تقديرات مغلوطة

بالرغم من السمعة الإيجابية التي تحظى بها بيانات الإنفاق العسكري الصادرة عن معهد ستوكهولم، فإن “باتمانجليج” يفترض أن ثمة إشكاليات تنطوي عليها تقديرات الإنفاق العسكري الإيراني، وهو ما يمكن تناوله على النحو الآتي:

1– صعوبة المقارنة بين إيران وإسرائيل: رغم اعتياد التفكير في إيران بوصفها مُنفِقاً عسكريّاً كبيراً، وفي ظل البيانات والتقارير المتواترة عن قدراتها الصاروخية وطموحاتها في مجال الأسلحة النووية.. رغم ذلك فإن التدقيق في البيانات المنشورة من جانب “معهد ستوكهولم” يثير شكوكاً واسعةً حول مدى دقتها، وخصوصاً إذا وُضِع في الاعتبار أن إيران تخضع لأهم برنامج عقوبات في العالم، واقتصادها راكد منذ نحو عقد، ومع ذلك تشير بيانات المعهد إلى أن الإنفاق العسكري لإيران يزيد عن إنفاق إسرائيل التي تحتل المرتبة الـ15 في العالم بـ24.4 مليار دولار إنفاقاً عسكريّاً في عام 2021.

وهذه المقارنة المُرجِّحة لكفة إيران قد لا تتطابق مع حقيقة أن جيش إسرائيل يشتري باستمرار المعدات العسكرية الأكثر تقدماً في العالم، حتى من الشركات المُصنِّعة الأجنبية، في الوقت الذي تنتج فيه إيران محلياً جميع أجهزتها العسكرية تقريباً، وليس لديها في الأساس قوات مدرعة ثقيلة، ولا قوة جوية حديثة، ولا أسطول بحري حديث، ولكن قليل من أنظمة الأسلحة المتقدمة، فيما يتم ضمان دفاع البلاد بدرجة رئيسية من خلال برنامج الصواريخ الباليستية في الأساس.

2– تحويل النفقات بالعملة المحلية إلى الدولار سبب التقييم الخاطئ: يُثَار التساؤل عن أسباب التقييم المُبالَغ فيه لإنفاق إيران العسكري، وهو ما يرجع في الأساس إلى خطأ شائع يرتكبه الباحثون الذين يسعون إلى وضع البيانات المالية الإيرانية في إطار مقارن؛ إذ يتم تحويل النفقات بالعملة المحلية إلى الدولار الأمريكي. في عام 2021، وبحسب باحثي “معهد ستوكهولم”، فإن إجمالي إنفاق إيران العسكري بالعملة المحلية وصل إلى 1033 تريليون ريال إيراني، وهو رقم لا شك حوله، ولكن المشكلة ترتبط بالخطوة التالية في التحليل، الخاصة بإيجاد متوسط سعر صرف الدولار لسنة معينة، وقسمة إجمالي الإنفاق على هذا الرقم.

ومن المعروف هنا أن إيران ليس لديها سعر صرف واحد، وقد اختار باحثو المعهد الاعتماد على بيانات سعر الصرف الرسمي للدولار في إيران التي نشرها البنك الدولي ومصدرها البنك المركزي الإيراني. ومع أنه يبدو ظاهريّاً أن النهج الصحيح هو الاعتماد على سعر “رسمي” من مصدر موثوق، إلا أن سعر الصرف الرسمي في إيران لا يعكس أسعار السوق؛ فهو سعر صرف مدعوم يستخدم لاستيراد بعض السلع الأساسية فقط، مثل القمح والأدوية.

3– خطأ الاعتماد على سعر الصرف الرسمي: منذ عام 2019، تم تحديد سعر الصرف الرسمي عند 42000 ريال إيراني، هذا هو المعدل الذي استخدمه باحثو المعهد لحساب إجمالي الإنفاق العسكري لإيران لعام 2021. ولكن سعر الصرف الذي كان يجب استخدامه هو سعر الصرف المحدد في ميزانية الحكومة نفسها؛ إذ تُوازِن الحكومة الإيرانية ميزانيتها بالاعتماد جزئيّاً على عائدات التبادل الأجنبي، التي يتم تحقيقها على نحو أساسي من خلال بيع النفط. ومع الإشارة إلى أنه قبل ميزانية السنة التقويمية الإيرانية 1395، التي قُدمت في نوفمبر 2015، كان سعر الصرف الرسمي هو السعر المرجعي المستخدم في الميزانية، لكن بعد عدة سنوات من ضغوط العقوبات، لم يعد بإمكان البنك المركزي الإيراني دعم قيمة العملة. لذلك جرى الإبقاء على سعر الصرف الرسمي منخفضاً لدعم شراء الواردات الرئيسية، مع تحديد سعر صرف منفصل في الميزانية، ومنذ ذلك الحين تباينت المعدلات كثيرًا.

ومن ثم، تتضمَّن كل ميزانية هدف الإيرادات من بيع النفط والحجم المستهدف لمبيعات النفط. بمقارنة هذين الرقمين بسعر النفط المحدد في الميزانية، يمكن الوصول إلى سعر صرف الدولار الذي تعتمد عليه الميزانية. ويوضح سعر الصرف هذا – الذي يمكننا تسميته “سعر صرف الميزانية” – عدد الريالات التي تُقدِّر الحكومة الإيرانية أنها يمكن أن تنفقها مقابل كل دولار تكسبه. ومن ثم فهو سعر صرف يصلح بدرجة أكبر بكثير لاستخدامه عند محاولة حساب مستويات مختلفة من القوة الشرائية بين البلدان عندما يتعلق الأمر بالإنفاق الحكومي.

4– تباين تقييم القدرات العسكرية لإيران في ظل سعر الصرف الحقيقي: بالنسبة إلى مشروع الميزانية في السنة التقويمية الإيرانية 1401، التي تم تقديمها في نوفمبر 2021 وتشكل أساس تقدير نفقات “معهد ستوكهولم” لعام 2021، كان سعر الصرف في الميزانية 230 ألف ريال إيراني، وهو معدل أعلى بخمس مرات من السعر الرسمي المُقدَّر بـ42 ألف ريال إيراني، وهو ما يعني أن كتاب “معهد ستوكهولم” السنوي لعام 2021، وفقاً لـ “إسفنديار باتمانجليج”، يُضاعف الإنفاق العسكري الإيراني خمسة أمثاله؛ فباستخدام سعر الصرف في الميزانية، يبلغ إجمالي الإنفاق العسكري الإيراني 4.5 مليار دولار فقط، وهو إجمالي يضع إيران خارج قائمة أكبر 40 دولة من حيث الإنفاق العسكري على مستوى العالم.

وفي الختام، يخلص التقرير إلى إن الخطأ الذي ارتكبه “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” قد يكون مفهوماً بالنظر إلى صعوبة حساب خصوصيات اقتصاد كل بلد، غير أن إيران تعد من الدول التي يخضع إنفاقها العسكري لأكبر تدقيق دولي؛ ما يعني أن تأثير الخطأ عميق. لقد عزَّزت النفقات العسكرية المبالغ فيها التي تحدَّث عنها “معهد ستوكهولم” عن غير قصد، وجهة النظر التي تُروِّج لها إيران ذاتها عن قدرات جيشها الكبيرة والخطيرة، مع تداول الأرقام التي نشرها المعهد من قِبل مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة، على رأسها خصوم إيران الإقليميون، لتبرير زيادات إنفاقهم العسكري والحصول على أنظمة أسلحة متطورة.

المصدر:

Esfandyar Batmanghelidj, SIPRI Has Overstated Iran’s Military Spending for Years, Bourse & Bazaar Foundation, May 5, 2022, accessible at: https://www.bourseandbazaar.com/articles/2022/5/3/sipri–has–overstated–irans–military–spending–for–years


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%a4%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b6%d9%84%d9%84%d8%a9/