متغيرات جديدة:

كيف تتعامل إيران مع نتائج الانتخابات العراقية؟
متغيرات جديدة:
13 أكتوبر، 2021

لم تسفر الانتخابات البرلمانية العراقية، التي أُجريت في 10 أكتوبر 2021، عن نتائج تبدو مريحةً لإيران؛ ففضلاً عن أنها وجهت رسائل تُفيد بأن التيار المناوئ لطهران يزداد حضوراً في المشهد السياسي، فإن اتجاهاتٍ إيرانيةً عديدةً اعتبرت أن دولاً خليجيةً اكتسبت أرضيةً جديدةً في العراق على حسابها، لا سيما الإمارات والسعودية. ورغم أن حلفاء طهران لم يخرجوا من المشهد السياسي، فإن تراجع أوزانهم السياسية –بما يفرضه من تداعياتٍ مباشرةٍ على نفوذها، بجانب ضعف فرصتهم في تشكيل السلطات الثلاثة الجديدة– يعني أن إيران باتت تواجه تحدياتٍ أكبر داخل العراق، وإن كانت لا تزال تحتفظ بنفوذٍ لا يمكن تجاهله.

أهمية خاصة

وقد اكتسبت الانتخابات البرلمانية العراقية أهميةً وزخماً خاصاً من جانب إيران؛ لاعتباراتٍ عديدةٍ يمكن بيانها على النحو التالي:

1– انعقاد الانتخابات في وقتٍ تتزايد فيه التحديات التي تواجه إيران داخل العراق: صحيحٌ أن حلفاء إيران لا يزالون يمثلون رقماً مهماً في المشهد السياسي في العراق، إلا أن الصحيح أيضاً أن الاتجاه المناوئ لنفوذ طهران في بغداد بدأ يتصاعد ويكتسب أرضيةً جديدةً منذ الاحتجاجات التي شهدتها العراق في أكتوبر 2019. وقد بدا ذلك جلياً في انقسام الميليشيات الشيعية إلى ما يسمى “حشد العتبات” في إشارةٍ إلى الميليشيات القريبة من خط المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، و”الحشد الولائي” في إشارةٍ إلى الميليشيات الموالية لإيران.

2– إجراء الانتخابات بالتوازي مع اقتراب موعد الجولة السابعة من مفاوضات فيينا: وهي التي ستُعقَد بين إيران ومجموعة “4+1” بمشاركةٍ غير مباشرةٍ من جانب الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث كان ملف التمدد الإيراني في الإقليم أحد محاور التفاعلات بين إيران وتلك القوى، بعد أن دعت الأخيرة إلى توسيع نطاق المفاوضات لتشمل هذا الملف، وهو ما رفضته طهران. وربما يكون ذلك دافعاً لإيران من أجل العمل على ضمان تكريس سيطرة حلفائها على السلطة مجدداً، وإضعاف قدرة خصومها على احتلال موقعٍ مهمٍّ فيها خلال المرحلة القادمة.

3– توازي الانتخابات مع تصاعد حدة الأزمات الإقليمية التي تواجه إيران: إذ لا يزال التوتر مُخيِّماً على العلاقات مع أذربيجان، على ضوء الاتهامات المستمرة من جانب إيران للأخيرة بالسماح لإسرائيل بالاقتراب من حدودها، فضلاً عن تبادل إجراء مناوراتٍ عسكريةٍ على تلك الحدود. كما تُبدي طهران مزيداً من القلق إزاء الحسابات التركية والروسية المتغيرة، سواءٌ في أزمة الملف السوري، أو تجاه ملف إقليم ناجورنو كارا باخ؛ هذا فضلاً عن استمرار المواجهات غير المباشرة مع إسرائيل التي نجحت في تنفيذ عملياتٍ أمنيةٍ نوعيةٍ داخل إيران في الفترة الماضية، استهدفت منشآتٍ نوويةً، مثل منشأة “نطنز” لتخصيب اليورانيوم، وعلماءَ نوويين على غرار رئيس منظمة الأبحاث والتطوير محسن فخري زاده.

دلالات عديدة

يمكن القول إن نتائج الانتخابات ونسبة المشاركة فيها، تفرضان دلالاتٍ عديدةً تحظى باهتمامٍ خاصٍّ من جانب إيران، يتمثل أبرزها في:

1– رسائل تدني المشاركة الشعبية: وصلت نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات –حسب تقديرات اللجنة العليا للانتخابات– إلى 41%، وهي نسبةٌ متدنيةٌ؛ حيث كانت مؤسسات الدولة تعول على ارتفاعها لتأكيد نجاح العملية الانتخابية في الوقت الحالي.

وربما يمكن تفسير تدني تلك النسبة في ضوء اعتباراتٍ رئيسيةٍ ثلاثةٍ: أولها وجود مخاوف لدى شريحةٍ واسعةٍ من الناخبين من إمكانية تعرض مراكز الانتخاب لعملياتٍ إرهابيةٍ يقوم بها تنظيم “داعش”، خاصةً في ظل التهديدات المتتالية التي وجهها التنظيم في هذا الصدد. وثانيها القلق من التعرض للإصابة بفيروس كوفيد–19، رغم الإجراءات الوقائية التي أعلنت الحكومة عنها. وثالثها، وربما يكون أهمها، تزايد الإحباط لدى قطاعاتٍ عريضةٍ من الشارع العراقي إزاء تطورات المشهد السياسي؛ إذ ترى النخب التي شاركت في احتجاجات أكتوبر 2019 أن معظم مطالبها لم تتحقق، وأن الديناميكية السياسية لم تتغير، وأن الانتخابات سوف ينتج عنها التوازنات السياسية نفسها، وإن بتغييراتٍ محدودةٍ.

ومن دون شك، فإن ذلك محل تقييمٍ ومتابعةٍ من جانب إيران، باعتبار أن قسماً من رسائل الحراك الشعبي كان موجهاً إليها في الأساس بجانب القوى الموالية لها، وهو توجُّهٌ قد يستمر وربما يتصاعد خلال المرحلة القادمة، لا سيما مع توقع استمرار تلك القوى في التأثير على المشهد السياسي. وربما يكون فوز القوى المنتمية إلى “حراك تشرين” المعبر عن المحتجين بـ20 مقعداً، رسالةً إضافةً مناوئةً لإيران في هذا الصدد.

2– تزايد حضور التيار الصدري: نجح التيار الصدري في الحصول على المركز الأول في الانتخابات بحصول ائتلاف “سائرون” التابع له على 73 مقعداً من إجمالي 329، بفارق 19 مقعداً عن جملة المقاعد التي حصل عليها في البرلمان المنتهية ولايته. وهنا، فإن تعزيز موقع التيار الصدري داخل خريطة التوازنات السياسية العراقية، قد لا يتوافق مع مصالح إيران وحساباتها خلال المرحلة القادمة.

فرغم أن الصدر ليس خصماً سياسياً لإيران في العراق، فإنه في الوقت نفسه حريصٌ على الاحتفاظ بمسافةٍ عن القوى السياسية الموالية لها، بدليل التوتر الذي يسود علاقاته ببعض تلك القوى. كما أنه تبنَّى دعوة “العراق للعراقيين” –وهي دعوةٌ مناوئةٌ لنفوذ إيران في المقام الأول– فضلاً عن أنه أبدى انفتاحاً واضحاً على الدول العربية، مثل الإمارات والسعودية في المرحلة الماضية، وهو توجهٌ ربما لا يحظى بتأييدٍ من جانب طهران.

3– بقاء حظوظ مصطفى الكاظمي: تدعم نتائج الانتخابات، احتمال استمرار مصطفى الكاظمي في منصبه لولايةٍ جديدةٍ. صحيحٌ أنه لم يترشح في الانتخابات ولم تكن له كتلةٌ انتخابيةٌ مؤيدةٌ له، إلا أن التوافقات التي توصل إليها قبل إجراء الاستحقاق الأخير –لا سيما مع التيار الصدري– ربما تعزز فرصه في الاحتفاظ بمنصبه، وهو أيضاً احتمالٌ لا يتوافق مع حسابات طهران التي كانت تتطلع إلى تعيين شخصيةٍ محسوبةٍ على القوى الموالية لها، لا سيما من ائتلاف “الفتح”، لتولي منصب رئيس الحكومة، خاصةً في ظل التباينات الواضحة في المواقف مع الكاظمي، الذي سبق أن تبنَّى دعوة إنهاء الصراعات الإقليمية على الساحة العراقية، وسعى إلى نزع أسلحة الميليشيات الموالية لها، ووسَّع نطاق التعاون مع الدول العربية الرئيسية، لا سيما الإمارات والسعودية ومصر والأردن.

4– تراجع نفوذ وتأثير فيلق القدس: توحي نتائج الانتخابات بأن فيلق القدس المسؤول عن إدارة العمليات الخارجية وعن التنسيق بين القوى السياسية والميليشيات الطائفية العراقية؛ لم ينجح في تعزيز فرص وكلاء إيران في تكريس نفوذهم في المشهد السياسي العراقي، على نحوٍ قد يساهم في إضعاف موقع قائده إسماعيل قاآني، الذي سبق أن أجرى زياراتٍ عديدةً إلى العراق لتقليص حدة الخلافات بين الوكلاء، وتعزيز فرصتهم في تحقيق نتائجَ بارزةٍ في الانتخابات البرلمانية.

وهنا، فإن ذلك يعني أن الفيلق قد يتجه إلى إعادة ترتيب حساباته من جديدٍ داخل العراق، بعد أن حقق الوكلاء نتائجَ هزيلةً؛ إذ حقق ائتلاف “الفتح” 14 مقعداً، فيما حصل ائتلاف “دولة القانون” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي على 37 مقعداً.

5– استمرار الحلبوسي وبارزاني في المشهد: ربما تكون النتيجة الأهم في الانتخابات هي تشكُّل تحالفٍ سياسيٍ جديدٍ بين التيار الصدري وكتلة “تقدُّم” (38 مقعداً) السنية برئاسة رئيس مجلس النواب في دورته المنتهية محمد الحلبوسي –الذي تدَّعي وسائلُ إعلامٍ مواليةٌ لإيران أنه رجل الإمارات في العراق– وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ففضلاً عن أن هناك تقارباً في المواقف بين التيارات الثلاثة العابرة للقوميات والطوائف، فإن القوى الثلاثة قد تستطيع الوصول إلى النصاب القانوني في مجلس النواب الذي يمكِّنها من تشكيل الحكومة، وهو 165 مقعداً، ربما بالتحالف مع بعض القوى الأخرى التي تبتعد عنها كثيراً على المستوى السياسي.

ويعني ذلك أن فرص الحلبوسي في الاحتفاظ بمنصبه قد تتزايد، كما أن فرص مسعود بارزاني في اختياره رئيساً للجمهورية سوف تتزايد بدورها، وهو ما يعني خصماً من قدرة إيران على صياغة الترتيبات السياسية القادمة.

وختاماً، فإن إيران لن تتعاطى بسهولةٍ مع هذه النتائج؛ إذ إنها سوف تسعى إلى توجيه رسائلَ مباشرةٍ بأن نفوذها خطٌّ أحمرُ داخل العراق، كما أنها قد تستند إلى ضغوط المرجعية على مقتدى الصدر من أجل عدم الابتعاد عن الخط العام الذي تعتمد عليه سياستها في العراق. ويعني ذلك في المقام الأول أن العراق تبدو مقبلةً بعد الانتخابات على استحقاقاتٍ سياسيةٍ لا تبدو هينةً، لا سيما أن القوى الموالية لإيران لن تجعل المهمة سهلةً أمام التحالف الثلاثي الذي يُتوقَّع تشكيلُه بين الصدر والحلبوسي وبارزاني.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d9%85%d8%aa%d8%ba%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/